حتى لا تغرق السفينة /نصائح للمتظاهرين والمعتصمين من الموحدين |ابو المنذر المهدي|


بسم الله الرحمن الرحيم

حتى لا تغرق السفينة

نصائح للمتظاهرين والمعتصمين من الموحدين

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره, و نعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, ونشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، أما بعد : فلقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ, وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا, فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنْ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ, فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا, فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا, وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا) رواه البخاري .

فحتى لا تغرق السفينة و حتى لا تهدم مكتسبات الدعوة و تشوه صورتها الجهادية الناصعة, كان لا بد من بيان دين الله و منهجه في التغيير, مع بيان دين الديمقراطية و منهجها في التغيير, حتى لا يختلط الموقف على المسلم, سواء في المنهج و السلوكيات أو المصطلحات و المسميات, ولقد قسمت هذا الموضوع إلى عدة نقاط نبدأ بها نقطة نقطة . فنقول بادئ ذي بدئ, لا بد من ذكر قاعدة جليلة ننطلق منها وهي أن أصل دين الإسلام ألا يعبد إلا الله وحده لا شريك له وألا يعبد إلا بما شرع, على ألسنة أنبيائه لا بالأهواء والبدع, فأهل السنة و الجماعة يُقَعِّدُون ويستدلون, ثم يجعلون أهوائهم تبعا لذلك بخلاف أهل البدع والأهواء . والإسلام هو الدين الذي رضيه لنا ربنا, وهو الدين الذي أمرنا باتباعه, كما قال الله تعالى : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا)، وأُمِرنا أن نكفر بكل نظام ودين سوى الإسلام, ولو وافق الإسلام ببعض مضامينه, قال الله تعالى : (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) . والذي يعنينا في موضوعنا، مسألتان, هما من ركائز الإسلام، الأولى : إقامة الشرع والعمل على تمكينه, والثانية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فالأولى قوامها بكتاب يهدي وسيف ينصر وكفى بربك هاديا ونصيرا ,كما قال الله تعالى : (وقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ)، فالدين لن يقوم عن طريق الديمقراطية وإفرازاتها كالبرلمانات والاعتصامات والمظاهرات, ومن حسنت بدايته حسنت نهايته، فالدين لا يقوم إلا بالسيف، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إِلَّا أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا، عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» رواه البخاري، وذلك حين سأله أصحابه أفلا ننابذهم بالسلاح, ويفهم من هذا الحديث أن الطريق للتغيير هو الجهاد, فإن عدمت القدرة على الجهاد وجب الإعداد لها ولا يجوز العدول إلى أسلوب آخر إلا بدليل، ولا دليل نعلمه يجيز الذي تفعله بعض الجماعات الإسلامية لاستئناف الحياة الإسلامية من الدخول في اللعبة الديمقراطية سواء عن طريق البرلمانات أو المظاهرات والاعتصامات أو الإضرابات أو غيرها من إنتانات الديمقراطية . أما المسالة الثانية : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي تأتي بالتبع لا بالأصالة, قال الله تعالى : (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ) ولا يعنيذلك أنه لا يجوز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل التمكين, بل المقصود أن الأمر لا يتم بكماله إلا بعد التمكين, وليس هذا محل التفصيل و لكن نقول إن الشرع جعل مراتب تغيير المنكر ثلاث مراتب, حيث قال صلى الله عليه « مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ»، رواه مسلم . فهذا التغيير بمصطلح الشرع يسمى أمرا بالمعروف ونهيا عن المنكر, ولا يسمى بشيء آخر و هو على ثلاث مراتب كما قلنا . وله شروط يجب أن تتحقق بالقائم به, وشروط يجب أن تتحقق في الواقع المراد تغييره, ويجوز أن يقوم به العامة والخاصة, إذا تحققت فيهم الشروط, سواء كانوا فرادى أو جماعات وعلى ذلك أدلة كثيرة و أمثلة لا داعي لذكرها, لكن سَرَدَهَا من يرى جواز المظاهرات والاعتصامات ظنا منهم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عينه المظاهرات والاعتصامات, وهؤلاء أخطأوا من وجهين : الأول : أنهم جعلوا المظاهرات والاعتصامات هي عين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه التسليم . الثاني : أنهم استدلوا على ذلك بالأمثلة و القصص في غالب أمرهم, وليس في ذلك وجها للاستدلال بل غاية المثال هو لتطبيق الدليل، و الحكم الشرعي طريق إثباته دلالات الكتاب والسنة سواء المنطوق أو المفهوم أو العموم وغيرها, لا سرد القصص عن الإمام مالك أو الإمام احمد, فالأئمة يستدل لهم ولا يستدل بهم, وهذه الطريقة التي استدلوا بها لا تسمى فقها بل الواجب إثبات أن الاعتصامات و المظاهرات هي من دين الله وأن الله ورسوله أمر بها وأنها من مراتب التغيير في الدين . ثانيا : الديمقراطية تعني حكم الأكثرية, أي إلهية الجماهير وهي إله آخر عند عابديها, يستمدون منه التشريع، قال سيد قطب رحمه الله في معالم الطريق : ” إن هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض, وعلى أخص خصائص الألوهية وهي الحاكمية, أنها تسند الحاكمية إلى البشر فتجعل بعضهم لبعض أربابا لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى, و لكن في صورة ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع و القوانين والأنظمة والأوضاع, بمعزل عن منهج الله للحياة وفيما لم يأذن به الله ” ا.هـ ومن هذه المناهج التي أفرزتها الديمقراطية مناهج التغيير, كالمظاهرات والاعتصامات وما يسمى بالعصيان المدني, وهذه الأوضاع كلها ولدت من رحم الكفر والديمقراطية، فالمنكر في نظرها ما أنكرته الديمقراطية أي ما خالفها, والمعروف هو ما أقره الكفر أي الديمقراطية, فإن تحكيم القرآن في نظر الديمقراطية منكر وجريمة لا تغتفر، إذاً فالمظاهرات ترسخ فكرة الديمقراطية وتدعمها, كما قالت (هيلاري كلينتون) : ” إن ما يحصل في الدول العربية من التغيير عن طريق المظاهرات والاعتصامات يخدمنا في محاربة القاعدة وذلك بما ترسخه هذه الاعتصامات والمظاهرات في عقول الناس إنها سبيل ناجع للتغيير بدل العنف “، نعم؛ صدقت وهي كذوبة، إن هذه المناهج وضعت أساسا لتكون بديلا عن العنف أو ما يسمى في دين الإسلام بالجهاد والتغيير باليد وهما لضرب المشروع الجهادي وتغيير مسار الحركات والجماعات الجهادية, فتأمل ما قلته لك، ولا تتردد بالكفر بالديمقراطية وإفرازاتها, قال الله تعالى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا)، وليست المسألة كما يظن البعض : أنها من قبيل إستيراد التكنولوجيا والصناعة, بل هي من إستيراد النظم والمناهج, و شتان ما بين الإثنين، وليست المسألة كما يقول البعض أنها من الوسائل المباحة وأن الأصل في الأشياء الإباحة, مسألتنا ليست طعاماً ولا شراباً بل هي عبادة ومن أعظم أبواب العبادة، وهي إقامة الشرع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والأصل فيها المنع حتى يرد دليل بالجواز والله سبحانه وتعالى ما ترك لنا شيئاً إلا وبيّنه ( ما فرّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَئْ ) و ما لم يأت به دليل فمردود على قائله وفاعله لقوله صلى الله عليه وسلم «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ فِيهِ، فَهُوَ رَدٌّ» رواه البخاري، والله بيّن لنا أدق الأمور أَفَيَغْفَلُ الله جل وعلا عن ذلك، حاشاه سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علواً كبيراً, خصوصاً و أن الأمر يتعلق بصميم العقيدة وإقامة الدين, نسأل الله الهداية . ثالثا : بما أنه قد عرفنا دين الإسلام وطريقة إقامته وطريقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعرفنا دين الديمقراطية وطريقة التغيير فيها، بقي لنا أن نعرف مواقف المنتسبين إلى الإسلام منها, وخصوصا فما يتعلق بموضوعنا وهو المظاهرات والاعتصامات، وهم على أربعة أقسام : القسم الأول : وهم الذين خلطوا بين الدينين, وجمعوا بين الضدين, فالإسلام عندهم هو الديمقراطية, والديمقراطية عندهم هي الإسلام, وهؤلاء يتلونون مع كل دين, فإن كانوا في دولة شيوعية جعلوا الإسلام هو الاشتراكية والاشتراكية هي الإسلام, وإن كانوا في دولة رأسمالية جعلوا الرأسمالية هي الإسلام, وأن الرأسمالية هي فكرة اقتصادية إسلامية, وحشدوا لذلك الأدلة, وألفوا الكتب ككتاب رأسمالية الإسلام, واشتراكية الإسلام, في سلسلة لا يمكن حصرها, حتى أنهم تجرأوا وجعلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هم المنظرين لهذه الأفكار, كقول (خالد محمد خالد) في بعض كتاباته : أن أبا بكر الصديق أول ديمقراطي في الإسلام وأن أبا ذر أول اشتراكي في الإسلام، فهؤلاء لا فرق عندهم بين الإسلام والديمقراطية كما قلنا, كذلك لا فرق عندهم بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وبين الاعتصامات والمظاهرات, فتجدهم يطالبون بدولة ديمقراطية مدنية, ولهم في ذلك أي المظاهرات والاعتصامات مؤلفات و أبحاث ترقع باطلها, فتارة يجعلون موسى عليه السلام أول معتصم على باب فرعون, وتارة يجعلون أبا بكر وعمر أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم أول المتظاهرين, فنعوذ بالله من الخذلان والضلالة بعد الهداية, فهؤلاء كما قلنا ما عرفوا الإسلام ولو أنهم عرفوا ما قالوا الذي قالوه . القسم الثاني : هم الذين لم يوافقوا القسم الأول في كل شيء، لكنهم يسوون بين الاعتصامات والمظاهرات, وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, مستدلين بأدلة الفريق الأول عرفوا ذلك أم لم يعرفوا, ونحن لا نشكك في نياتهم، ولكن نتكلم عما بدر منهم وعنهم, فهؤلاء كما نعرفهم يكفرون بالديمقراطية وإفرازاتها وهم يعيبون على معتنقيها, حتى أن قسما منهم كانوا يسخرون من الإخوان المسلمين حينما يتظاهرون, لكن لما رأوا ما فعلته تلك الاعتصامات والمظاهرات ببعض الأنظمة انبهر وأعمته النتيجة عن معرفة الحق ولم يستطع أن يشخص الظاهرة وأن يقرأها قراءة جيدة فَأُشْرِب قلبه حب هذه الاعتصامات والمظاهرات, فأخذ يبحث عن شرعنة المسمى أو شرعنة الموضوع, ونحن نبين الأمرين إن شاء الله . أولا : شرعنة المصطلحات و المسميات : فقد قام هؤلاء بتغيير المصطلحات الشرعية التي نص الشرع على تسميتها وغيروها إلى مصطلحات محرمة أفرزتها الأنظمة الكافرة, ظنا منهم أنهما سيان، فإن الشرع حرم تغيير المصطلحات المنصوص عليها وحرم التلاعب بها, وجعل ذلك بابا للاستحلال, كما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم «لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا، يُعْزَفُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِالْمَعَازِفِ، وَالْمُغَنِّيَاتِ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ، وَيَجْعَلُ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ»، رواه بن ماجه وصححه الألباني، فهم ما استحلوها إلا بعد تغيير اسمها, كما سُمِّيَ الربا في هذه الأيام بالفائدة، حتى أشكل هذا على عوام الناس, قال شيخ الإسلام بن تيمية : ” وإنما أُتِيَ هؤلاء حيثوا استحلو المحرمات بما ظنوه من انتفاء الاسم ، ولم يلتفتوا إلى وجود المعنى المحرم ” ا.هـ، الفتاوى الكبرى، ج5،ص 172، والمقصود بالمعنى المحرم هنا؛ استباحتها كنظم ديمقراطية، إذاً فالتسمية ليست إلى نبي مرسل أو ملك مقرب, بل هي لله وحده قال الله تعالى : (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ ) وقال صلى الله عليه وسلم «لَا تَغْلِبَنَّكُمُ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمُ الْعِشَاءِ، فَإِنَّهَا فِي كِتَابِ اللهِ الْعِشَاءُ، وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلَابِ الْإِبِلِ»، رواه مسلم، وذلك أن الأعراب غيروا الاسم الشرعي لصلاة المغرب, فكانوا يسمونها صلاة العتمة، فنهاهم الشرع عن ذلك حتى لا تذوب المصطلحات بعضها ببعض وتفقد معناها الشرعي, ولا مشاحة في الاصطلاح إذا لم يخالف نصا, وهنا قد خالفت نصا منصوصا عليه في الكتاب و السنة . ثانيا : شرعنة الموضوع و المعنى, حيث لا يفرق هؤلاء بين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين المظاهرات والاعتصامات, وشتان كما قلنا بين دين الإسلام ودين الديمقراطية فمعروفنا غير معروفهم, ومنكرنا غير منكرهم, ومراتب التغير عندنا غير مراتب التغيير عندهم, وكذلك شروطنا غير شروطهم, فأين المساواة بالله عليكم أفي المسمى أم في المضمون, وهذه مفاصل لا يدركها إلا من عصمه الله بالتوحيد الصرف, ولست بصدد الرد على شبهاتهم لأنها ليست محلاً للاستدلال في موضوعهم بل هي محل الاستدلال في مسألة الصدع بالدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولقد أجاد منهم من استدل بقوانين هيئة الأمم المتحدة والدساتير الوضعية؛ لأن هذا هو محل تشريعها ومرجعية الاستدلال بها . القسم الثالث : قسم يكفر بالديمقراطية و يكفر بمصطلحاتها سواء وافق مضمونها الإسلام أو خالفه, لكنهم يقولون أنها فسحة يجب أن نستغلها للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, فهنالك مصالح لا بد من جلبها و مفاسد لابد من درءها, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عبادة، لا تتقيد لا بزمان ولا بمكان ولا بفرد ولا بجماعة، فما المانع من استغلال الفرصة هذه هي شبهتهم و هذه هي حجتهم، واستدلوا أيضا بما استدل به الأولون فلهؤلاء نقول : إن الشرع إذا حرم الشيء حرم ما يفضي عليه وسد أمامه الأبواب والطرق, وهذا الذي أقوله ليس ضربا من الخيال بل هو الفقه كل الفقه, وهو المسمى بفقه سد باب الذريعة, قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله : ” والذريعة ما كان وسيلة وطريقا إلى الشيء، لكن صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى فعل محرم ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن فيها مفسدة ولهذا قيل : الذريعة؛ الفعل الذي ظاهره أنه مباح وهو وسيلة إلى فعل محرم ” وقال : ” ثم هذه الذرائع إذا كانت تفضي إلى المحرم غالبا فإنه يحرمها مطلقا وكذلك إن كانت تفضي وقد لا تفضي، ولكن الطبع متقاض لإفضائها، وأما إن كانت إنما تفضي أحيانا فإن لم يكن فيها مصلحة راجحة على هذا الإفضاء القليل وإلا حرمها أيضا ” وقال : ” وللشريعة أسرار في سد الفساد وحسم مادة الشر لعلم الشارع بما جبلت عليه النفوس وبما يخفى على الناس من خَفِيِّ هداها الذي لا يزال يسري فيها حتى يقودها إلى الهلكة، فمن تحذلق على الشارع واعتقد في بعض المحرمات أنه إنما حرم لعلة كذا وتلك العلة مقصودة فيه فاستباحه بهذا التأويل فهو ظلوم لنفسه جهول بأمر ربه وهو إن نجا من الكفر لم ينجُ غالبا من بدعة أو فسق أو قلة فقه في الدين وعدم بصيرة “، إقامة الدليل على إبطال التحليل،ص 256 ، والعلماء يقولون إن ما لا يتم ترك الحرام إلا به فتركه واجب وما يفضى إلى الحرام فهو حرام، لذلك حرم الشرع الصلاة في وقت غروب الشمس وشروقها خوفا من التشبه المفضي إلى الشرك, وإن لم تفقه ما أقول، فاستمع للحديث الذي رواه ثابت بن الضحاك قال : نَذَرَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «هَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ؟» ، قَالُوا: لَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»، رواه أبو داوود وغيره، وصححه الألباني،فكذلك لا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر في معصية الله, وبيان ذلك أن الشريعة أباحت للمؤمنين أن يقوموا بإنكار المنكر فرادى أو جماعات بأي طريقة يزول بها المنكر، فلو احتشدوا في مكان حتى يزول المنكر فيما يشبه الاعتصام لجاز شرعا، ولو خرجوا مخوفين ومهددين لأصحاب المنكر فيما يشبه المظاهرات لجاز أيضا، لكن لما ترسخ في أذهان الناس أن هذه هي من ممارسات الديمقراطية وأنها من أصول دينها في التغيير وأن ممارسيها يوصفون بالديمقراطيين، حَرُمَ أن ينكر المنكر بهذه الطريقة للذريعة المفضية إلى الشرك، خصوصا وأن أعظم شرك في هذا الزمان هو شرك الديمقراطية، ودعوة التوحيد قائمة على منابذته، فلا يجوز لنا بأي حال من الأحوال أن نلبس على الناس أمر دينهم بهذه الممارسات، لأن الصورة في ظاهرها تبدوا للناس اعتصاما ومظاهرة وترسيخا للديمقراطية وإضفاء للصبغة الشرعية عليها, والمرء قد يكون فتنة لغيره وهو لا يدري, لا سيما إذا كان محسوبا من أهل العلم والدعوة أو كان من المجاهدين, ففي الوقت الذي يكون يبلغ فيه دعوة الله بين أنصاره أو ممن يسمعونه وقد يكونون بالمئات أو الألوف يكون في نفس الوقت يضل الملايين ممن يشاهدونه على شاشات الإعلام فصوته يصل إلى أنصاره وأفعاله تصل إلى الناس على شكل دعوة لممارسة الديمقراطية والاحتجاج السلمي . وهذا أمر متحقق، لمشابهتهه في الهدي الظاهر للديمقراطيين بغض النظر إلى الذي يدعوا إليه المتظاهرون، قال شيخ الإسلام بن تيمية : ” فالمشابهة فيما لم يظهر تحريمه للعالم، يوقع العامي في أن يشابههم فيما هو حرام، وهذا هو الواقع، والفرق بين هذا الوجه ووجه الذريعة أن هناك، قلنا : الموافقة في القليل تدعوا إلى الموافقة في الكثير، وهنا الموافقة تلبس على العامة دينهم، حتى لا يميزوا بين المعروف والمنكر ” ا.هـ ،اقتضاء الصراط المستقيم في مخالة أهل الجحيم، ص219 ، ولا يقولن قائل : إن الشرع لم يراعِ خطر الإعلام؛ لأنه دائما يشوه دعوة التوحيد، بوصفه للموحدين بالمتشددين تارة، وبالإرهابيين تارة، فلذلك لا يهمنا أن يقول عنا بأننا نمارس الديمقراطية، وللجواب عن ذلك، أقول : أنه شتان بين الأمرين والوصفين، فالأول قدح في الوصف الشرعي للأمر المنضبط وقد في حملة الدين ووصف لهم بأنهم متمسكون بمعتقداتهم، وفي غالب الأمر إضافة الأكاذيب إليهم، بخلاف الأمر الثاني أنه تنازل وردة وتراجع عما كانوا عليه . والإعلام الجاهلي كما نعلم يحشد لهذه المسائل, أي لتشويه صورة الدعوة, وخصوصا فيما يتعلق بالتنازلات والتراجعات عن المنهج، والعدول بدلا منه إلى الممارسات الديمقراطية، كقولهم : وأخيراً انتهت السلفية الجهادية إلى ما ابتدأ منه الإخوان المسلمون، وغيرها من العبارات التي توحي إلى العامة عن تخلي هذه الدعوة عن طريق الجهاد، فلا بد إذاً أن نحسب خطواتنا وأن نحسب للإعلام الجاهلي ألف حساب ولا نترك له ثغرة ينفذ منها لطعن الإسلام في خاصرته، قال شيخ الإسلام بن تيمية : ” إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكف عن قتل المنافقين، مع كونه مصلحة؛ لئلا يكون ذريعة إلى قول الناس : أن محمدا يقتل أصحابه؛ لأن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه وممن لم يدخل فيه وهذا النفور حرام ” الدليل على إبطال التحليل، ص 174،وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وَفَهِمَ عن الرسول صلى الله عليه وسلم مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على صورة الاعتصامات والمظاهرات إنما هو ذريعة إلى ترسيخ مناهج الديمقراطية وفتوى عملية من قبل الموحدين بجوازها، وإذا لم تكتفِ بما ذكرت فارجع إلى الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام بن تيمية، في المجلد الخامس، في كتاب الدليل على إبطال التحليل، الوجه الرابع والعشرون، حيث ذكر أكثر من تسعة وعشرين دليلا على سد باب الذرائع ، وارجع إن شئت إلى كتاب اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أهل الجحيم . القسم الرابع : من يرى حرمتها, لكنه يخرج في هذه الاعتصامات والمظاهرات بحجة تكثير السواد وعدم شق الصف ولزوم الجماعة, فهذا الصنف نذكره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : «مَنِ الْتَمَسَ رِضَى اللَّهِ بِسَخَطِ النَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَرْضَى النَّاسَ عَنْهُ، وَمَنِ الْتَمَسَ رِضَا النَّاسِ بِسَخَطِ اللَّهِ سَخَطَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَسْخَطَ عَلَيْهِ النَّاسَ»، رواه بن حبان وغيره، وصححه الألباني، ولزوم الجماعة لا يكون بهذه الطريقة, فلقد قال ” عمرو بن ميمون الازدي : (صحبت معاذا باليمن فما فارقته حتى واريته التراب بالشام, ثم صحبت أفقه الناس عبد الله بن مسعود رضي الله عنه, فسمعته يقول : عليكم بالجماعة , فإن يد الله مع الجماعة, ثم سمعته يوما من الأيام وهو يقول : سَيلي عليكم ولاةٌ يؤخرون الصلاة عن مواقيتها, فصلوا الصلاة لميقاتها , فهي الفريضة وصلّوا معهم فإنها لكم نافلة, قال : قلت : يا أصحاب محمد , ما أدري ما تحدثونا ؟ قال : وما ذاك ؟ قلت: تأمرني بالجماعة وتحضني عليها, ثم تقول: صلِّ الصلاة وحدك, وهي الفريضة, وصلِّ مع الجماعة وهي نافلة ؟ قال: يا عمرو بن ميمون, قد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية, أتدري ما الجماعة ؟ قلت : لا . قال: إن جمهور الجماعة , الذين فارقوا الجماعة, الجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك)، وفي طريق أخرى ( فضرب على فخذي و قال: ويحك, إن جمهور الناس فارقوا الجماعة, و إن الجماعة ما وافق طاعة الله عز وجل )، قال نعيم بن حماد : ” يعني إذا فسدت الجماعة فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن تفسد, وإن كنت وحدك, فإنك أنت الجماعة حينئذ “، ذكره البيهقي وغيره . معنى السواد الأعظم ؟ وكان محمد بن أسلم الطوسي الإمام المتفق على إمامته, مع رتبته أتبع الناس للسنة في زمانه, حتى قال : (ما بلغني سنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه و سلّم إلّا عملت بها، ولقد حرصت على أن أطوف بالبيت راكباً, فما مكِّنت من ذلك, فسأل بعض أهل العلم في زمانه عن السواد الأعظم الذين جاء فيهم الحديث : ” إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم “، فقال : ” محمد بن أسلم الطوسي هو السواد الأعظم ” وصدق والله, فإن العصر إذا كان فيه عارفٌ بالسنة داعٍ فيها فهو الحجة وهو الإجماع, وهو السواد الأعظم, وهو سبيل المؤمنين التي من فارقها واتبع سواها ولّاه الله ما تولّى, و أصلاهُ جهنم وساءت مصيراً .ا.هـ، إغاثة اللهفان، بن قيم الجوزية،ص 70،ج 1 . قال سيد قطب رحمهُ الله تعالى : ” ولقد تدفع الحماسة والحرارة أصحاب الدعوات – بعد الرسل- والرغبة الملحة في انتشار الدعوات وانتصارها … تدفعهم إلى استمالة بعض الأشخاص أو بعض العناصر بالإغضاء في أول الأمر عن شيء من مقتضيات الدعوة يحسبونه هم ليس أصيلا فيها, ومجاراتهم في بعض أمرهم كي لا ينفروا من الدعوة ويخاصموها !ولقد تدفعهم كذلك إلى اتخاذ وسائل وأساليب لا تستقيم مع موازين الدعوة الدقيقة, ولا مع منهج الدعوة المستقيم, و ذلك حرصا على سرعة انتصار الدعوة وانتشارها, واجتهادا في تحقيق ” مصلحة الدعوة ” ومصلحة الدعوة الحقيقية في استقامتها على النهج دون انحراف قليل أو كثير، أما النتائج فهي غيب لا يعلمه إلا الله، فلا يجوز أن يحسب حملة الدعوة حساب هذه النتائج, إنما يجب أن يمضوا على نهج الدعوة الواضح الصريح الدقيق, وأن يدعوا نتائج هذه الاستقامة لله، ولن تكون إلا خيراً في نهاية المطاف وها هو ذا القرآن الكريم ينبههم إلى أن الشيطان يتربص بأمانيهم تلك, لينفذ منها إلى صميم الدعوة، وإذا كان الله قد عصم أنبياءه ورسله فلم يمكن للشيطان أن ينفذ من خلال رغباتهم الفطرية إلى دعوتهم، فغير المعصومين في حاجة إلى الحذر الشديد من هذه الناحية, والتحرج البالغ, خيفة أن يدخل عليهم الشيطان من ثغرة الرغبة في نصرة الدعوة والحرص على ما يسمونه ” مصلحة الدعوة “…. إن كلمة ” مصلحة الدعوة ” يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات, لأنها مزلة, ومدخل للشيطان يأتيهم منه, حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحه الأشخاص! و لقد تتحول ” مصلحة الدعوة ” إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة وينسون معه منهج الدعوة الأصيل ! …. إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على نهجها ويتحروا هذا النهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحري من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطراً على الدعوة وأصحابها ! فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج لسبب من الأسباب سواء كان هذا الانحراف كثيراً أو قليلاً، و اللهُ أعرف منهم بالمصلحة وهم ليسوا بها مكلفين، إنما هم مكلفون بأمر واحد، ألّا ينحرفوا عن المنهج, و ألّا يحيدوا عن الطريق… “في ظلال القرآن،ج 4،ص 2435 قال ابن القيم: ” وهذه حال أكثر الخلق، فالبصير الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده إذا استشعر قلبه مرافقة الرعيل الأول, الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا, فتفرد العبد في طريق طلبه دليل على صدق الطلب. ولقد سئل إسحاق بن راهويه عن مسألة فأجاب, فقيل له : إن أخاك أحمد بن حنبل يقول فيها بمثل ذلك, فقال : ما ظننت أن أحداً يوافقني عليها، ولم يستوحش بعد ظهور الصواب له من عدم الموافقة, فإن الحق إذا لاح و تبين ولم يحتج إلى شاهد يشهد به والقلب يبصر الحق كما تبصر العين الشمس فإذا رأى الرائي الشمس لم يحتج في علمه بها واعتقاده أنها طالعة إلى من يشهد بذلك و يوافقه عليه ” إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان،ج 1، ص 69 . وقال بن قيم رحمه الله تعالى : ” فما سلم من الأمة إلّا من سلم له دينه وقوي إيمانه ويقينه من المتمسكين بالكتاب والسنة المتبعين للحق الداعين إليه وهم الأقلون عددا الأعظمون عند الله قدراً, فمن كان كذلك فما أُعطى أحدٌ نعمة أعظم مما أعطى, فلا سلامة للعبد إلا بالعلم وهو معرفة الهدى بدليله ” القول النفيس في الرد على المفتري داوود بن جرجيس، عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ، ص 225. نسأل الله الثبات والاستقامة على الإيمان الذي هو مركب الأمان وعلى الإسلام الذي هو مركب السلام وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

وكتبه أبو المنذر المهدي

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s