واجب الأمة في المرحلة الراهنة/بقلم الشيخ؛ محمد بُوالنِّيت المراكشي


واجب الأمة في المرحلة الراهنة

بقلم الشيخ؛ محمد بُوالنِّيت المراكشي

 

الحمد لله الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم والصلاة والسلام على من صلى الله عليه وسلم، وبعد:

فإن المؤمنين بالله واليوم الآخر صنفان: أَهْلُ يَقِينٍ، قد خالطت بشاشة الإيمان قلوبهم، بِمَا عَرَفُوهُ من دلائل الحق، وعلموه من بَيِّنَاتِ الدين، وثقفوه من حِكَمِ الشَّرع، وشاهدوه من آياتِ الكون، وذاقوه من حلاوة الإيمان، وشهدوه من عقبى الطاعة وغب المعصية؛ وَأَهْلُ إِسْلاَمٍ، قد اختلطت في قلوبهم مادة إيمان ومادة نفاق، لم يُدْرِكُوا من العلم الصحيح ما تطمئن به قلوبهم، ولم يُحَصِّلُوا من العَمَلِ الصَّالِحِ ما به يثبت إيمانهم.

فأما الصِّنف الأول، فإن الثَّبَاتَ على الحق شيمتهم، واليقين بالله خَاصَّتُهُمْ، لا تزلزلهم الأحداث، ولا تجرفهم الفتن، بل هم على الإيمان باقون، وَبِوَعْدِ الله موقنون، وعلى دين الله تعالى مصطبرون، لا يبتغون العزة في غير الإسلام، ولا يشعرون بالذلة وَالصَّغَارِ في حال الاستضعاف، فَهُمْ كما قال الله تعالى: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ المنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُون}.

وأما الصنف الثاني، فإيمانهم رهين بالحال، لا يثبت أمام المحن العاصفة، ولا يَصْمُدُ أمام الفتن الجارفة، إن رجحت كفة المسلمين توطد يقينهم وقوي إيمانهم، وإن مالت كفة الكافرين كثرت شكوكهم وتزلزل اعتقادهم، فهم كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ، ذَلِكَ هُوَ الخُسْرَانُ المُبِين}، وكما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ، فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ، وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ، أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ العَالَمِين}، بل منهم من يَبْلُغُ به الحال إلى أن يقول كما ذكر الله تعالى: {وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورا}.

وهذه الفتن العظيمة التي لحقت بالأمة، والمصائب الكبيرة التي نزلت على أَهْلِ هذه الملة، قد ألحقت الهزيمة بنفوس كثيرٍ من المسلمين، وزرعت الريب في أفئدة جُمُوعٍ من أبناء هذا الدين، إذ استعظموا قوة الأعداء، ويئسوا من الظهور عليهم، واستبطؤوا نصرة الله تعالى.

ولَوْ فَقِهَ هؤلاء، لَعَلِمُوا أن الدنيا دار ابتلاء، وأنها أهون عند الله تعالى من جناح بعوضة، ولو كانت تساوي ذاك الجناح ما سقى منها كافرا شربة ماء، كما أخبر بذلك خاتم الأنبياء، ولكن الله تعالى يَبْتَلِي عباده بالسَّراء والضراء، ويبلوهم بالخير والشرِّ فِتْنَةً، ويستدرج الكافرين من حيث لا يعلمون، وهو سبحانه القائل: {وَلَوْلاَ أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ، وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً وَسُرُراً عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ، وَزُخْرُفاً، وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحيَاةِ الدُّنْيَا، وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِين}؛ ولو لم يأت في بَيَانِ هذا الأمر شرع منزل، لكان حَرِيّاً بالعقل الصريح أن يعرف اتضاع الدنيا وهوانها، إِذْ كيف يُفْرَحُ بسؤدد مهما طال يزول ؟! أو بغنى لا يدوم ؟ وأي قيمة لنصر يعقبه موت المنتصر والمهزوم ؟ وأي اعتبار لِمُلْكٍ يتلوه زوال المالك والمملوك ؟ وأي شأن لقوة يردفها قَبْرُ القوي والضعيف؟!

وهذه الأمور لو تأملها الإنسان بعقل ناصح لظهرت له حقيقتها، ولهذا جاء الوحي من الله تعالى يكشف للمؤمنين حقيقة الصراع في هذه الحياة الدنيا، وَيَدُلُّهُمْ على أن الثبات على دين الله تعالى والاعتصام بحبله أعظم عند الله تعالى من شأن النصر الدنيوي الظاهر، بل يجعل هذا النصر نفسه ثمرة من ثمار الأخذ بمقتضيات الإيمان بالله واليوم الآخر، الذي يعني النهوض بأسباب صلاح الإرادة وكمال القدرة الموجبين لتنفيذ الأمر الإلهي المتعلق بالدنيا والآخرة.

فإذا تبين هذا، عُلِمَ حينئذ لماذا أمر الله تعالى عباده ألا يغتروا بقوة الكافرين وظهورهم في الدنيا، ولماذا يُعَلِّقُ الله تعالى قلوب أهل الإيمان بالآخرة، وَيُعْلِمُهُمْ أن المصير فيها هو الفَيْصَلُ في الفوز أو الخسران، كما قال تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي البِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ، ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المِهَاد}.

بل أراد الحق سبحانه وتعالى أن يُعَلِّمَ عباده أن تعجيل انتقامه من العاتين عن أمره، المعتدين على أوليائه، ليس حَتْماً لاَزِماً، فإنما الدنيا دار ابتلاء واستدراج، وقد يكون فيها نوع عقاب وانتقام مما يظهر أو يخفى، فيلزم المؤمن ألا يَمُنُّ على الله بإيمانه، فيستحسر لعدم الأخذ على أيدي الكافرين والمعتدين، وألا ييأس من رحمة رب العالمين، وألا يظن بالله تعالى الغفلة عن المحاربين لدينه، الباغين على أوليائه، فإن الله تعالى لا يَعْجَلُ لِعَجَلَةِ النَّاسِ، كما أخبر بذلك رسوله الكريم ، وهو سبحانه قد أقام دون هذه الدنيا يوما آخر، يُؤَخِّرُ فيه تعالى العقوبة للظالمين، ويثأر لأوليائه المتقين، ويقيم فيه موازين القصاص والعدل بين العالمين، قال الله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ، إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ، مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ، وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ، أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ، وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ، وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ، وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ، وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ، فَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ، وَتَرَى المُجْرِمِينَ يَوْمِئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ، سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ، لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ، إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسَابِ، هَذَا بَلاَغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَلِيَذَّكَّرَ أُولُوا الأَلْبَاب}.

هذا أَصْلٌ عظيم من أصول دين الله تعالى، وقاعدةٌ جليلة من قواعد الفهم عن الله تعالى، إذا لم يتدبرها المؤمن خِيفَ عليه من سوء الظن بالله تعالى، والشَّكِّ في وعوده تعالى، فَإِنْ تَدَبَّرَهَا، وَعَلِمَ ما تضمنته من قيام أمر الدنيا على الابتلاء والتمحيص، وقيام أمر الدين على الصبر واليقين، وقاه الله تعالى بفضله آثار البلايا، وأعاذه من الفتن ومزالق الأهواء والمحن.

وإن أهل الإيمان اليوم أشد حاجة إلى تدبر هذا الأصل النافع، فإن ما أصاب الأمة من بلاء شديدٍ ، وفتنة عامة مَاحِقَةٍ ، لا نجاة منها إلا بالاعتصام بأمر الله تعالى ، والثقة بوعوده سبحانه وتعالى .

لكن العرفان بهذا الأصل لا يعني من قريب أو بعيد إسلاس القياد للقدر على فهم أهل الجبر، فإن القدر للإيمان والشرع للعمل، القَدَرُ فعل الله تعالى، والشرع أمره تعالى، فإن فُهِمَ قَدَرُهُ تعالى على وجه شرعي صحيح، لَزِمَ مع ذلك العمل بشرعه على ما يناسب القدر بوجه سليم، ولا عمل بالشرع إلا بعد العلم به، ولا تعامل مع ما قُدِّرَ إلا بعد فهمه حق الفهم، ولذلك كان الاجتهاد في دين الله تعالى مشروطا بهذا وهذا، وبذلك جاء التحقيق عن أئمة العلم، إذ قالوا: (لاَ يَتَمَكَّنُ المفتي ولاَ الحاكمُ مِنَ الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفَهْمِ، أَحَدُهُمَا، فَهْمُ الواقعِ والفِقْهُ فيه واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيطَ بِهِ عِلْماً، والنَّوْعُ الثَّاني، فهم الواجب في الواقع، وهو فَهْمُ حُكْمِ الله الذي حَكَمَ به في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في هذا الواقع، ثم يُطَبِّقُ أحدهما على الآخر) ([1]).

فلا بُدَّ من فقه الواقع ومعرفة الحال على التَّحْقِيق، ولا بُدَّ من فقه الدين ومعرفة الواجب على التَّعْيِين، فإن كان المطلوب فقه واقع الأمة، ومعرفة واجبها، كان ذاك الأمر أَوْجَب، والحذر فيه أَبْلَغ، والاستعانة فيه بالله تعالى أَخْلَق؛ ولكن من رحمة الله تعالى بعباده، أنه كلما كان الأمر عاما، والخطب فيه هائلا، كلما كانت الدلائل لفهمه في دين الله تعالى أقرب، وطرق تحصيله أيسر، وذاك من مقتضى البيان التام الذي تكفل الله تعالى به، ومن لوازم الهدى الذي أخذ الله تعالى على نفسه أن يهونه على الطالبين، وأن يرشد إليه المسترشدين، وأن يسهله على الناس حق التسهيل، إذ قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنْزَلْنَا مَعَهُم الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط}، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم}.

وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بما يدل على هذا دلالة واضحة، ويكشف لكل ذي عقل، أن طريق الحق واضح، وأن مسلك الهدى أبيض، وأن الفاصل بين الحق والباطل أبلج، والبرزخ بين الإيمان والكفر جلي، وأن ما تكون به نجاة العامة وصلاح الأمة لا يمكن أن ينفرد بمعرفة الأفذاذ، وألا يثقفه إلا الأفراد، كما يظن بعض أدعياء الإصلاح، لا ثم لا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِك) ([2]). وقال : (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّه ) ([3]). ولكن الهوى هو الذي يطمس البصائر ويحول بين قلوب العباد والهدى.

ولو تأمل العبد واقع الأمة في هذا الزمان، واطلع على ما لحقها من ذل وهوان، واستقصى عن سبب ذلك في شرع الملك الديان، لعلم علم اليقين أن داء الأمة جاءها من إتباع سنن الأمم السالفين، الذين سلكوا مسالك الجهل والظلم، وتركوا هَدْيَ المرسلين، وأخذوا بزخارف الآراء ومضلات الأهواء؛ فلما سلكت أمة الإسلام مسلكهم، واستنت بسنتهم أصابها ما أصباهم، ولحقها من قوارع الدهر ما لحقهم.

أمة الإسلام واتباع السنن :

يخطئ من يظن بأن أمة الإسلام إذا اتبعت سنن من كان قبلها، فإن ذلك إنما يحصل لها في التفرق المشؤوم الذي عانت منه قديما ولا تزال، وهو التفرق الذي نتج عن إتباع الأهواء وإحداث البدع وتقديم آراء الرجال، وَتَرْكِ ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من صحيح العلم وصالح العمل؛ والحق أن خبر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الأمة ستتبع سنن من قبلها، لم يجئ على وجه يُفْهَمُ منه خصوص، بل جاء لفظ ” السُّنَنِ ” دالا على أن الأمة في عمومها ستقتفي آثار اليهود والنصارى، وستحصد ما حصدوا، إلا الذين استثناهم النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم الطائفة الظاهرة على الحق، الصابرة على لأوائه، المصطبرة على مدافعة أعدائه، التي لم يصب فهمها لدين الله تعالى دخل، ولم يتطرق إلى عملها بدين الله تعالى دخن؛ أما ما كان من عموم أمة الإسلام فإن إتباعها للسنن عام، لم يستثنه النص، ولم يخالفه الواقع.

ولو أراد المرء أن يستقصي المزالق التي دل الشرع على أن الأمة سترتكس فيها، وما سيصيبها من فتن، لتبين له ما سلف؛ ولكن أمة الإسلام مرحومة، لا يصيبها هوان دائم، ولا يعتريها سُقْمٌ لازم، لأن أصل دينها محفوظ من التبديل، ولأن الله تعالى يبعث لها على الدوام من يجدد أمرها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم بشر باستمرار من يجاهد الكائدين لها، ولأن وعود الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لها قد تتالت باستئناف رسالتها، وارتجاع سيادتها، وظهورها على أعدائها؛ ولله الأمر من قبل ومن بعد.

وإن المتأمل لحال المسلمين اليوم، ليرى دلائل صدق خبر النبي صلى الله عليه وسلم جلية، فقد أصاب الأمة في عمومها ما أصاب من قبلها، فَحَلَّ محل العز الذل، ومحل النصر الهزيمة، ومحل العلم الجهل، ومحل السيادة الاستعباد، ومحل انتشار الطاعات فشو المعاصي، ومحل الشرع الأغر قوانين الظلم والطغيان، ومحل المعروف المنكر، وَعُظِّمَ فيها الجهال والعَلْمَانِيون، واحتقر فيها الدعاة والمصلحون، وحمي فيها من يطعن في الدين ويسب الإسلام، وَنُكِّلَ فيها بكل آمر بالمعروف ناه عن المنكر، وَنَبَذَ الناس كتاب الله وراءهم ظهريا، وحرفوا فهمه إذ لم يُمْكِنْهُمْ تحريف نصه، وعطلوا معالمه إذ لم يمكنهم تعطيل رسومه، فتكالبت الأمم على أمة الإسلام من كل جانب، وسلط الله تعالى عليها عدوه وعدوها، فأعمل فيها القتل والتنكيل والاحتلال، وأذاقها صنوف الذل والهوان، ونهب خيراتها وطاقاتها بنفسه أو بتوسط الأعوان، ولحقها من الفرقة وذهاب الريح وضياع الجاه ما لم يلحق أهل ملة في هذا الزمان، وَفُتِنَ عن الدين الأفراد والفئام، فصدق وعيد النبي صلى الله عليه وسلم بحقها، إذ حل بها ما حل بسابقيها، { سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ، وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا } .

ولا يظنن ظان أن أمة الإسلام إن تركت العمل بدين الله تعالى – كما هو حاصل اليوم – أنها أكرم على الله تعالى ممن قبلها، حتى لا يصيبها مثل ما أصاب أولئك، فقد قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِه}؛ فَلَئِنْ سلط الله على السَّابقين القتل والسبي والخراب، فقد سَلَّطَ على أمة الإسلام ذلك، وأمثاله، من ظهور الأعداء، واستئثارهم بخيراتها وثرواتها، واحتلال بلدانها، وقتل كثير من أبنائها، والتنكيل بِخِيَّارِهَا، والتمكين للعَلْمَانِيِّينَ فيها، ومن لم يُستعمر منها بقوة العسكر والسلاح استعمر بالعمالة ودعوى الانفتاح، ومن لم يستعبد بالحرب والحصار، استعبد بالعَلْمَانِية والتغريب؛ وغير هذا مما لا يخفى إلا على كل غر غبي، ولا يستهين به إلا كل متخاذل مرجئي.

وما زال أعداء الأمة في الداخل والخارج يعيثون فيها فسادا، ويدمرون ما فيها من شيم وأخلاق، ويسطون على ما بها من ثروات وخيرات، حتى صار أمرها شبيها بأمر بني إسرائيل، حين أصابهم عذاب الله تعالى، لَمَّا بدلوا دين الله وطمسوا معالمه، وانحرفوا عن هدي أنبيائه، فسلط الله عليهم من أذاقهم العذاب، كما سلط اليوم على المسلمين مثل ذلك.

فلينظر كل عاقل في هذا، وليعتبر بقياس الأحوال، ولينهض بما يستوجب براءة الذمة، والإعذار إلى الله تعالى قبل فوات الأوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

قال الإمام ابن جرير الطبري : حدثنا عصام بن رواد بن الجراح قال ثنا سفيان بن سعيد الثوري قال ثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا اعْتَدَوْا وَعَلَوْا، وَقَتَلُوا الأَنْبِيَّاءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فَارِسَ بُخْتُنَصَّر، وَكَانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَ مِئَةِ سَنَةٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَهَا، وَقَتَلَ عَلَى دَمِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفاً، ثُمَّ سَبَى أَهْلَهَا وَبَنِي الأَنْبِيَّاءِ، وَسَلَبَ حُلِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفاً وَمِئَةَ أَلْفِ عَجَلَةٍ مِنْ حُلِيِّ، حَتَّى أَوْرَدَهُ بَابِلَ) ([4]).

وقال الإمام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى: (قال إسحاق بن بِشْر: أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لَمَّا بَعَثَ أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث فيهم، فعملوا بالمعاصي، وقتلوا الأنبياء، طمع بختنصر فيهم، وقذف الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير إليهم، لما أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا: ” إِنِّي مُهلك بني إسرائيل، ومنتقم منهم، فَقُمْ على صخرة بيت المقدس يأتيك أمري ووحيي … انطلق إلى قومك، فقم فيهم، وقل لهم: إن الله قد ذكركم بصلاح آبائكم … إن هؤلاء القوم رتعوا في مروج الهَلَكَة، وتركوا الأمر الذي به أكرمت آباءهم، وابتغوا الكرامة من غير وجهها.

أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولاً يتعبدونهم ويعملون فيهم بغير كتابي، حتى أجهلوهم أمري وأنسوهم ذكري وسنتي، وغروهم مني، فدان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعونهم في معصيتي.

وأما ملوكهم وأمراءهم، فبطروا نعمتي، وَأَمِنُوا مَكْرِي، وغرتهم الدنيا، حتى نبذوا كتابي ونسوا عهدي، فهم يجترئون على كتابي، ويفترون على رسلي جرأة منهم، وغرة بي، فسبحان جلالي وعلو مكاني، وعظمة شأني، هل ينبغي أن يكون لي شريك في ملكي؟ وهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي؟ وهل ينبغي لي أن أخلق عباداً أجعلهم أرباباً من دوني؟ أو آذن لأحد بالطاعة لأحد وهي لا تنبغي إلا لي؟

وأما قراؤهم وفقهاؤهم، فيدرسون ما يتخيرون، فينقادون للملوك، فيتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني، ويطيعونهم في معصيتي، ويوفون لهم بالعهود الناقضة لعهدي، فهم جهلة بما يعلمون، لا ينتفعون بشيء مما عملوا من كتابي..

فوعزتي لأعطلن بيوتهم من كتبي وقدسي، ولأخلين مجالسهم من حديثها ودروسها.. ثم لأدوسنهم بأنواع العذاب حتى لو كان الكائن منهم في حالق لوصل ذلك إليه.

إني إنما أُكْرِمُ من أكرمني، وإنما أهين من هان عليه أمري. . إني أبتدئ عبادي برحمتي ونعمتي، فإن قبلوا أتممت، وإن استزادوا زدت، وإن شكروا ضاعفت، وإن غيروا غيرت، وإذا غيروا غضبت، وإذا غضبت عذبت، وليس يقوم شيء بغضبي “.

فقال أرميا: … ” يا رب سبحانك وبحمدك، وتباركت ربنا وتعاليت، أتهلك هذه القرية وما حولها وهي مساكن أنبيائك ومنزل وَحْيِكَ؟ يا رب سبحانك وبحمدك وتباركت وتعاليت، لَمَقْتَلُ هذه الأمة وعذابك إياهم وهم من ولد إبراهيم خليلك، وأمة موسى نَجِيِّكَ، وقوم داود صَفِيِّكَ، يا رب أي القرى تأمن عقوبتك بعد؟ وأي العباد يأمنون سطوتك .. تُسَلِّطُ عليهم عبدة النيران “. قال الله تعالى : ” يا أرميا، من عصاني فلا يستنكر نقمتي … يا أرميا، إني قدستك في بطن أمك، واخترتك إلى هذا اليوم، فلو أن قومك حفظوا اليتامى والأرامل والمساكين وابن السبيل، لكنت الداعم لهم …” ) ([5]).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد قدمت ما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ” لَتَتَّبِعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ ” قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: ” فَمَن “، وما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لَتَأْخُذَنَّ أُمَّتِي مَأْخَذَ القُرُونِ قَبْلَهَا شِبْراً بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاع ” قالوا: فارس والروم؟ قال: ” فَمَنِ النَّاسُ إِلاَّ أُولَئِكَ “. وهذا كله خرج منه مخرج الخبر عن وقوع ذلك والذم لمن يفعله، كما كان يخبر عما يفعله الناس بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمات، فَعُلِمَ أن مشابهة هذه الأمة اليهود والنصارى وفارس والروم مما ذمه الله ورسوله وهو المطلوب. ولا يُقَالُ فإذا كان الكتاب والسنة قد دلا على وقوع ذلك فما فائدة النهي عنه، لأن الكتاب والسنة أيضاً قد دَلاَّ على أَنَّهُ لاَ يَزَالُ فِي هَذِهِ الأمة طائفةٌ مُتَمَسِّكَةٌ بالحق الذي بعث الله به محمدا إلى قيام السَّاعة، وأنها لا تجتمع على ضلالة، ففي النَّهْيِ عن ذلك تكثير لهذه الطائفة المنصورة وتثبيتها وزيادة إيمانها فنسأل الله المجيب أن يجعلنا منها ) ([6]).

الطائفة المنصورة بارقة أمل :

قال الله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ القُرُونِ مِنْ قَبْلَكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ، وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِين}. قال ابن كثير رحمه الله: (يقول تعالى: فَهَلاَّ وُجِدَ من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشُّرُورِ والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله تعالى: {إِلاَّ قَلِيلا}، أي قد وُجِدَ منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيرا، وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه، وفجأة نقمته) ([7]).

وقد قضى الله تعالى قضاء لا يرد على لسان رسوله : (أن فئة من أمة خاتم الأنبياء باقية إلى قيام الساعة، لا تُبَدِّلُ إذا بدل الناس، ولا تَفْسُدُ إذا فسد الناس، ولا تُذَلُّ إذا ذَلَّ الناس).

وإذا كان للطوائف العاملة للإسلام اليوم أن تزعم أنها سائرة على منهج الرسول ، بل ويستطيع بعضها أن يَدَّعي أنه الطائفة المنصورة التي وَعَدَ النبي صلى الله عليه وسلم ببقائها ودوامها وظهورها، فإن للذين يدافعون أعداء الملة والدين، وينصرون الإسلام والمسلمين، أن يفرحوا بما اختصهم الله تعالى بهم من دون خلق الله جميعا من التفرد بِالذَّودِ عن حياض الدين، ومدافعة أهل الكفر والظالمين؛ وَلِمَ لاَ يَفْرَحُونَ وقد امتن الله سبحانه وتعالى عليهم كما امتن على أصحاب رسول الله حين اختصهم بخير لم يشاركهم فيه غيرهم، فضلا من الله ورحمة، فقد أخرج البخاري في صحيحه برقم (567) ومسلم برقم (1014) عن أبي موسى الأشعري قال: كنت أنا وأصحابي الذين قَدِمُوا مَعِي في السَّفِينة نزولا في بقيع بطحان، والنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فكان يتناوب النبي صلى الله عليه وسلم عند العشاء كل ليلة نَفَرٌ منهم، فوافقنا النبي صلى الله عليه وسلم أنا وأصحابي، وله بعض الشغل في بعض أمره، فأعتم النبي صلى الله عليه وسلم حتى ابْهَارَّ الليل، ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: (عَلَى رِسْلِكُمْ أَبْشِرُوا، إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُم)، قال أبو موسى: فرجعنا ففرحنا بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فَحُقَّ أن يُقَالَ لمن ينصر الإسلام في هذا الزمان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبشروا، إن من نعمة الله عليكم أنه ليس أحد من الناس ينصر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم في هذه السَّاعة غيركم).

وأيم الله، إنهم لأَهْلٌ لذلك، وقد أقاموا أمر الله تعالى إذ ضيعه غيرهم، ورفعوا لواء الحق إذ خذله سواهم، فهم أسعد الناس في هذا الزمان العصيب بالنجاة من الفتن المتلاحقة، التي ألحقت أقواماً بالمشركين، وَزَرَعَتِ الرَّيْبَ في قُلُوبِ ضِعَافِ اليقين، وأوقعت الهزيمة في نفوس كثير من المسلمين، وهي الفتن التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في مثل قوله:

(إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ، وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَّتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا، وَتَجِيءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَتَجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ هَذِهِ مُهْلِكَتِي، ثُمَّ تَنْكَشِفُ، وَتجِيءُ الْفِتْنَةُ فَيَقُولُ المُؤْمِنُ هَذِهِ هَذِهِ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَلْيَأْتِ النَّاسَ الَّذِي يُحِبُ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْه) ([8]).

وقوله : (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) ([9]).

وكيف لا يَقِيهِم الله تعالى الفتن المظلِمة، والبلايا المدلهمة، والذُّلَّ الذي عم الأمة، وهم مِنْ بَين خلق الله تعالى كُلِّهِمْ لَمْ يتركوا سبب العزة، ولم يَتَلَبَّسُوا بِمُوجِبَاتِ الذِّلَّة، التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ البَقَرِ، وَتَرَكْتُمُ الجِهَادَ فيِ سَبِيلِ اللَّهِ، أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلاَّ، لاَ يَرْفَعُهُ عَنْكُمْ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) ([10]).

ولهذا فقد ضَمِنَ الله تعالى لهم ما لم يضمن لغيرهم، فجعلهم أخص بالهداية من غيرهم، وأحق بالحق ممن دونهم، تحقيق ذلك فيما ذكره شيخ الإسلام إذ يقول: (ولهذا كان الجهاد مُوجِباً لِلْهِدَايَةِ التي هي محيطة بأبواب العلم، كما دل عليه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَّنَّهُمْ سُبُلَنَا}، فجعل لمن جاهد فيه هداية جميع سبله تعالى، ولهذا قال الإمامان عبد الله بن المبارك وأحمد ابن حنبل وغيرهما: ” إذا اختلف الناسُ في شَيْءٍ فانظروا مَإذَا عليه أهل ألثغْرِ فإن الحق معهم، لأن الله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَّنَّهُمْ سُبُلَنَا} ” ) ([11]).

فإن أخذتك رِيبَةٌ فيما قاله ذانك الإمامان الجليلان وغيرهما من أئمة السلف، فاسمع برهانا -آخر- لذلك من قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ قَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُم}.

فلا يبقى بعد هذا شك في أنهم المقصودون بالطائفة الثابتة، الموسومون بالهداية والرفعة، الموعودون بالنصرة والظهور، وأن من خالف فهمهم للدين فهو المخذول، وأن شانئهم هو الأبتر المرذول، ولا يطعن فيهم إلا كل عميل دنيء، أو مرجئي رديء، قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: (أخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: ” لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَّهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُون “… ثُمَّ قَدْ وَرَدَ هَذَا الأَمْرُ الَّذِي يَتَمَسَّكُونَ بِهِ وَيَظْهَرُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ بِسَبَبِهِ فأخرج مسلم من حديث عقبة مرفوعاً: ” لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَنْ أَمْرِ اللهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ” ) ([12]).

ولهذا، فَمَعَ ما أصاب الأمة من ذل وهوان، وما تسلط عليها من ظلم وطغيان، وما فشى فيها من فساد وانحلال، بسبب تفريطها في سنن الشرع، وتقصيرها في سنن الكون، وإتباعها لسنن الأمم السالفة، لم يزل – بحمد الله – أنصار الدين في ارتفاع وعز وظهور؛ لم يثن عزمهم تكالب الأعداء والمخَذِّلِين، ولم يفل صبرهم تراكم الفتن التي أَوْقَعَتْ مرضى القلوب والمنافقين، وأقعدت اليائسين والمنهزمين، بل ما زالوا بفضل الله تعالى في خير وازدياد، ينكأون الْمُغَيِّرين للدين الناشرين للفساد، ويدافعون العدو الصائل على البلاد، ويَنْعَمُونَ بِالعِزِّ الذي افتقدته الأمة لَمَّا تَرَكَتِ الجِهَادَ، وَيُقِيمُونَ دين الله تعالى على من تحت أيديهم من العباد، لا يشتد عليهم تهويش أهل التخذيل وتشويش الخصوم إلا انفتح لهم منبر للبيان، ولا يزداد بطش الأعداء واستطالة أهل الطغيان إلا فُتِحَ لهم باب للنزال، وتوطد يقينهم بقرب مجيء النصر من الملك الديان؛ {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيز}.

فأهل الثغور إن شاء الله تعالى هم أمل هذه الأمة، وسبب ارتفاع الظلمة، وأن ما هم عليه في هذا الزمان من عقيدة التوحيد، وهدي سيد المرسلين، والبراءة من الطغاة والظالمين، واتباع منهج السلف الصالحين، سيفتح على الأمة باب الخير الذي انسد من زمن، ويجدد لها دينها الذي غطت عليه الفتن، ويدفع عنها الظلم الذي خلف فيها المحن.

وسيكونون بإذن الله تعالى سببا لدفع طغيان الجبارين في هذا الزمان، وأفول نجم المستكبرين على أمة الإسلام، وَتَحَقُّقِ ما وعد به النبي صلى الله عليه وسلم ، من قيام خلافة على منهاج النبوة، ورجوع الدولة للإسلام، {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِين}.

مآل الطغيان وتداول الأيام :

لقد بلغ الانبهار بحال الكافرين وما هم عليه من قوة ونظام، وما حصلوه من تقنية لم يعرف التاريخ لها مثيلا، بلغ الانبهار بذلك من قبل بعض ضعاف النفوس والبصائر أن ظنوا أن سنن الله تعالى في خلقه قد تبدلت، وأن نواميس الدهر قد تخلفت، وأن أمريكا التي طغت وتجبرت، وعتت وظلمت، لن تدور عليها دوائر الدهر ما دامت ” متقدمة “، ولن ينالها العطل ما دامت بيدها التقنية المتطورة ! ولو كان الأمر على خلاف ذلك لأصابتها جريرة ظلمها القديم وطغيانها الحديث !

فلسان حال هؤلاء يقول :

ألم تظلم أمريكا الهنود الحمر، فسحقتهم واحتلت بلادهم بشكل لم يعرف التاريخ لها مثيلا ؟

ألم تظلم أمريكا الأفارقة، إذ ارتكبت في حقهم أشنع وأقبح تهجير في تاريخ الإنسانية؟

ألم تظلم أمريكا اليابانيين، فحصدت أرواح المدنيين بالملايين، وجربت فيهم الأسلحة التي لم يعهدها البشر؟

ألم تظلم أمريكا الفيتناميين فأعملت فيهم التحريق والتدمير؟

ألم تظلم أمريكا كوريا وكوبا ونيكاراغوا والشيلي وغيرهم، فاعتدت عليهم في أوطانهم وأشاعت الدمار في بلادهم؟

ألم تظلم أمريكا المسلمين إذ ساندت من يحكمهم بالحديد والنار ويفسد أديانهم وأخلاقهم ويبدد خيراتهم ذات اليمين وذات الشمال؟

ألم تظلم أمريكا الإمارة الإسلامية في أفغانستان، فاستغلت ضعفها وقلة ذات يدها، فتطاولت عليها بالتشويه، وحاصرتها بغير ذنب اقترفته، ثم حاربتها وأسقطتها؟

ألم تظلم أمريكا العراقيين بالحصار الجائر، ثم بالحرب الشعواء، ثم بالاحتلال الغاشم؟

ألم تظلم أمريكا أهل فلسطين فأطلقت فيهم أيادي من يقتل أبناءهم ويستحي نساءهم ويفسد الحرث والنسل؟

ألم تظلم أمريكا العالم بأسره بأن حالت بينه وبين تَبَيُّنِ الحق، ففتنت الناس بإعلامها، وأفسدت الأخلاق بمبادئها، ولم تراع لقوي هيبته، ولا لضعيف حرمته؟

فهذا بعض ما تلبست به أمريكا من ظلم وطغيان، فَلِمَ تأخرت عنها السنن، ولم لم تطلها عاقبة البغي وجريرة الإفساد؟

إن كان المستفسر عن هذا يروم كشف ما عَلِقَ بنفسه من ريب بوعيد الله بالظالمين، ووعده لأهل الحق المستضعفين، وسننه الجارية على الطاغين المعتدين، فَلْيَعْلَمْ أن الله تعالى لا يعجل لعجلة أحد، وأن مقاديره تجري حسب حكمته, ثم ليلحظ السائل بعد ذلك جملة أمور:

أولاً: إن قوة أمريكا أهون عند الله تعالى مما قد يظنه الظان، بل أي شيء تساوي الأرض وما عليها أمام العظمة الهائلة الساحقة للكون المخلوق، فضلا عن عظمة الخالق جل وعلا، ولو شاء الله تعالى أن يعطل آلياتها المتطورة بأيسر الأسباب لفعل، ولقد رأى العالم من ذلك مثالا، فَمَرُّوا عليه كما يمرون عن أكثر آيات الله وهم غافلون، وذلك حين أعاقت الرياح العاتية حركة الكثير من طائرات أمريكا وآلياتها في بدء عدوانها على بلاد العراق، بل لو شاء الله تعالى لسلط عليهم ما هو أهون من ذلك، مما لا يملكون معه حيلة، أو يجدون معه سبيلا، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عما سُيُهْلِكُ الله تعالى به من سيفسد في الأرض على عهد عيسى حين نزوله إلى الأرض حذاء قيام الساعة، فإن عيسى ومن معه إذا أعياهم شأن يأجوج ومأجوج، ولم يجدوا ما يدفعون به شَرَّهُمْ وفسادهم، ولم يقدروا عليهم، فإنهم يلجأون إلى ما فَرَّطَ فيه المسلمون اليوم إلا قليلا، فكان تفريطهم سببا إلى تأخر النصر، وتمادي الطغيان، فقد أخرج الإمام مسلم برقم (2938) من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الدجال وَقَتْلَ عيسى لَهُ، ثم خروج يأجوج ومأجوج، ثم قال: (ويُحْصَرُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ حَتَّى يَكُونَ رَأْسُ الثَّوْرِ لأَحَدِهِمْ خَيْراً مِنْ مِائَةِ دِينَارٍ لأَحَدِكُمْ اليَوْمَ، فَيَرْغَبُ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى وَأَصْحَابُهُ، فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ – يعني يأجوج ومأجوج – النَّغَفَ فِي رِقَابِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ). وماذا ينفع تطور العلم وتقدم الطب لو سُلِّطَ على الكافرين المعتدين مثل ما سيسلط على يأجوج ومأجوج، وما وَبَاءُ الالتهاب الرئوي الذي يحصد الأرواح ويشيع الهلع هذه الأيام، إلا مثال عن ذلك، ولكن أكثر الناس عن آيات الله غافلون.

ثانياً: إن تأخر النصر وتأجيل الأخذ على يد الظالمين المتجبرين، فيه خير كثير للمسلمين، فقد جعل الله تعالى هذه الدنيا دار ابتلاء، في السراء والضراء، كما قال تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْض}، وإن من حكمة هذا الابتلاء اليوم أنه لم يزل يكشف عن خبايا النُّفُوس، ويسقط الأقنعة عن الوجوه والرؤوس، ويمايز بين الصفوف، فإن النفاق الذي عم وطم، قد جاءت هذه النكبات المتتالية، والهزات المتلاحقة، لتكشفه، ولتقيم عند أهله حجة من أنفسهم على أنفسهم، و (لاَ أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّه)، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري (6686) ومسلم (5572)؛ وقد جعل الله تعالى ظهور الأعداء، وتلاحق الفتن والبلاء، سببا للتمحيص، قال تعالى: {مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّب}، ولا أعظم في إقامة الحجة من ظهورها لصاحبها من نفسه، فلهذا صار الأمر بهذه الأحداث العظيمة التي أصابت الأمة أبلج، ولم يعد لأهل النفاق فيه مخرج، فتمايزت بحمد الله الصفوف، وخلص أهل الحق من بين أهل النفاق، وانحاز كثير من أدعياء الإصلاح ومدعي العلم إلى قوافل الخذلان والخسران، وصاروا يرددون ما يردده أعداء الدين، ويسهمون في تثبيط أهل الحق، وتخدير المسلمين، ويبثون الهزيمة في النفوس، ويصورون الخنوع في صورة الفضيلة، والغيرة على الدين في صورة الغلو والرذيلة، ويتسترون على خيانة الخائنين، وعمالة الدخلاء، التي ما عادت تخفى على أحد من العالمين، ولا يجدون غضاضة في خدمة العَلْمَانيين، وممالئة أعداء الدين، والترقيع للذين بدلوا دين الله، ونشروا الخنى والفساد، حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى الإفتاء بإعانة الكافرين على قتل المسلمين، واستباحة أرضهم وأعراضهم، وطمس معالم دينهم، باسم العلم والمصلحة الشرعية. والله المستعان.

ولعمر الله إن نفاق هؤلاء الذين يتسربلون بلبوس العلم ويتزيون بلباس الحكمة قرين لريائهم، والرياء خاصة أهل النفاق، كما دل على ذلك كتاب الله تعالى، فلا غرو أن يُعِدَّ الله تعالى لعلماء السوء الذين يضلون الأمة، ويعيقون أسباب نهضتها، ويمكنون لأعداء الله فيها، أن يُعِدَّ لهم من العذاب ما لم يعده لغيرهم من العالمين، فقد روى البيهقي في السنن، بسند حسن، من حديث علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ جُبِّ الحُزْنِ)، قيل: يا رسول الله وما جب الحزن؟ قال: (وَادٍ فِي جَهَنَّمَ، تَتَعَوَّذُ مِنْهُ جَهَنَّمَ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينٍ مَرَّةً، أَعَدَّهُ اللَّهُ لِلْقُرَّاءِ المُرَائِينَ).

وبظهور كمائن المنافقين، وخيانة المتسترين، وضغائن العَلْمَانيين، انجلى الفرقان بين صف أهل الإيمان، وصف أهل الضلال والطغيان والخذلان، فكان الأمر مثلما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، فيما حَدَّثَ بِهِ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: كنا قعوداً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الفتن فأكثر من ذكرها حتى ذكر فتنة الأحلاس، فقال قائل: يا رسول الله، وما فتنة الأحلاس؟ قال: (هِيَ هَرَبٌ وَحَرْبٌ، ثُمَّ فِتْنَةُ السَّرَّاءِ، دَخَلُهَا أَوْ دَخَنُهَا مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَزْعُمُ أَنَّهُ مِنِّي وَلَيْسَ مِنِّي، إِنَّمَا أَوْلِيَائِي المُتَّقُونَ .. ثُمَّ فِتْنَةُ الدُّهَيْمَاءِ لاَ تَدَعُ أَحَداً مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلاَّ لَطَمَتْهُ لَطْمَةً، فَإِذَا قِيلَ انْقَضَتْ عَادَتْ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، حَتَّى يَصِيرَ النَّاسُ إِلَى فُسْطَاطَيْنِ، فُسْطَاطُ إِيمَانِ لاَ نِفَاقَ فِيهِ، وَفُسْطَاطُ نِفَاقٍ لاَ إِيمَانَ فِيهِ) ([13]).

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (كَيْفَ بِكُمْ وَزَمَانٌ أَوْشَكَ أَنْ يَأْتِي يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً، وَالنَّاسُ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا، وشبك بين أصابعه؟ قالوا: كيف بنا يا رسول الله؟ قال: تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَدَعُونَ مَا تُنْكِرُونَ، وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ، وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُم) ([14]).

ثالثاً: إن تأخر النصر، وتمادي الشر، مدعاة للخوف والحذر، لا لليأس والقنوط، فإن من سنن الله تعالى في أهل الظلم والطغيان، أن يستدرجهم، ويمهلهم إلى أجل مضروب، لا يستقدمون عنه ولا يستأخرون، ويرسل عليهم بين ذلك ما يذكرهم بآياته، ويقيم عليهم حججه وبيناته، ويخوفهم من عقوبته وانتقامه، قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ لاَ يُخْلِفُ المِيعَاد}، ولكنهم لا يذكرون ولا يرجعون، ولا يزيدهم إلا طغياناً كبيرا، بل يظنون لقلة عقولهم، وقصر نظرهم، وانطماس بصائرهم، وبرودة مشاعرهم، أن ما يدركونه من خير زائل دليل على أنهم يحسنون صنعا، قال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ مَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخَيْرَاتِ بَلْ لاَ يَشْعُرُون}، ولو تأمل العاقل، لعلم أن تأخر الدوائر عن أمريكا وأذنابها، مع ما جاءت به في مدتها من بغي وظلم، وعدوان منقطع النظير، على الناس عموما، وعلى أهل الإسلام خصوصا، إنما ذلك لأن ما سيصيبها من نفسها، أو بأيدي المؤمنين، أو من عند الله تعالى، سيكون أنكى وأشد، وربما عم ولم يخص، وبلغ ما بلغ الليل والنهار، وطال جميع الدائرين في فلكها، المعاونين لها في طغيانها، إن لم يتوبوا ويقلعوا، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاَّ أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ، ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُون}، وقال تعالى: {وَكَأَيٍّ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ، ثُمَّ أَخَذْتُهُا وَإِلَيَّ المَصِير}، وقال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً، وَلاَ يَسْتَقْدِمُون}.

ألا ترى إلى أوربا وما أصابها في الحربين العالميتين الأولى والثانية، من فشو القتل في أبنائها بما لم يعرف التاريخ له مثيلا، وانتشار الدمار في أرجائها، وما ذلك إلا بِسَبَبِ عتوها، وفسادها في الأرض، وعدوانها على المسلمين، وقهرها للمستضعفين، واستعمارها لبلادهم، وسطوها على خيراتهم، فتلك كانت عاقبتهم، ولعل ما ينتظر العالم أجمع من مشاركة أمريكا في ظلمها، أو السكوت عن بغيها، وخاصة على أهل الإيمان، والمستضعفين من أهل الإسلام، يُنْذِرُ البشرية بهلاك شامل، ولربما هو الذي أشار إليه الصادق المصدوق فيما أخرجه البخاري (5577)، ومسلم (4827)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ العِلْمُ – أو العَمَلُ – وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الهَرْجُ، قالوا: يا رسول الله، إيما هو ؟ قال: القَتْلُ، القَتْلُ)، وأخرج البخاري (978) من رواية أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ)، وأخرج الإمام أحمد (16350) من حديث سلمة بن نفيل السكوني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (بَيْنَ يَدَيْ الساعةِ مَوَتَانٌ شَدِيدٌ وَبَعْدَهُ سَنَوَاتُ الزَّلاَزِلِ).

وأيم الله، إني كلما تدبرت أحاديث الفتن، وما جاء عن الصادق المصدوق من أخبار الملاحم، وتأملت ما زخرت به حضارة اليوم من أسباب الإفساد والإفقار والهلاك للبيئة والإنسان، إلا وأيقنت أن الحضارة المعاصرة آيلة إلى الزوال، وأنها كحلم عارض في مسيرة الإنسان، وأن البشرية ستعود إلى ما كانت عليه في سالف الزمان.

فإن ما صارت إليه البشرية عموماً من فساد عام غير مسبوق، ينذر بخطر عظيم غير معهود، فإن تاريخ الإنسان لم يعرف حالاً مماثلاً لما عرفه في هذا الزمان، من انقلاب المعايير وأخلاق البشر، ومسخ شديد لشخص الإنسان، وتقنين للمنكر والفساد، وفشو للفاحشة، والإعلان بالشذوذ والسحاق، والتلاعب بالخلق بالتبديل والتغيير، وقد تمكن الكفار من وسائل مادية هائلة، وقنوات تأثير وإعلام، وأدوات دمار خيالية، استعملوها للعلو في الأرض والإفساد، واستضعاف أهل الإيمان، وظلم دعاة التوحيد، ومنع إقامة شرع الله في الأرض، واجتمعت في شعوب العالم كل المفاسد التي أهلك الله بسببها من مضى من الأقوام، وظهرت فيهم الأحداث العظام، وسخر الإنسان كل ما تمكن منه من علوم وتقنيات من أجل الصد عن سبيل الله تعالى، ومحاربة دعاة الإصلاح، والحيلولة دون التمكين لدين الله تعالى في الأرض، مما جعل الكثير من الدعاة والحركات يزينون الإسلام ويحذفون منه وينقصون رغبة في تسهيله على حثالة بني الإنسان التي تعيش في هذا الزمان. فانتكس الإنسان وَمُسِخَت فطرته وأحيانا خِلْقطه باسم العلم والتحكم في القوانين الكونية، فإن مبدأ هذه الحضارة هو ما زَعَمَهُ رواد عصر ” النهضة ” ومفكرو ” الأنوار ” ودجاجلة ” الحداثة ” من قُدرة الإنسان على إدراك نواميس العالم والتحكم في الطبيعة لصالحه، وتدبير كل الأمور بعقله، وهذا الانقلاب والزهو والاغترار لا يلائمه إلا أن يقلب الله تعالى على الإنسان قوانين الكون التي ظن أنه فهمها وتحكم فيها، فليحذر الكفار !

وليحذر أهل الإسلام ! من ظهور علامات الساعة، وأولها طلوع الشمس من مغربها، فإن مثل هذا الحدث هو المناسب لردع الإنسان في هذا الزمان، وما ذلك على الله تعالى ببعيد، فإن هذا التغير العظيم سوف يصدم البشرية كلها، ويوقعها في الحيرة، ويجعل يقظتها كأنها أحلام، إذ يتبدل ما ألفه الناس من غابر الأزمان، فلا تجد البشرية من سبيل إلى فهم ما جرى، إلا في الإسلام، ولعل أنسب وقت لذلك هو هذا الزمان، الذي قَرَّبَ فيه الإعلام كل بعيد، وانتشرت فيه الأخبار انتشار النار في الهشيم، وقتها سيندم الناس حين لا ينفع الندم، ويؤمنون جميعاً ولكن بعد فوات الأوان، أخرج الإمام مسلم برقم (2941) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم أَنْسَهُ بعد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ أَوَّلَ الآيَاتِ خُرُوجاً طُلُوعُ الشمَّسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَخُرُوجُ الدَّأبَّةِ عَلَى ألنَّأسِ ضُحَى، وَأَيُّهُمَا مَا كَانَتْ قَبْلَ صَحِبَتِهَا، فَالإُخْرَى عَلَى إِثْرِهَا قَرِيباً).

وأخرج الشيخان من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لاَ تَقُومُ السَّأعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا رَآهَا النَّاسُ آمَنَ مَنْ عَلَيْهَا) وفي رواية: (فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ، آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لاَ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً).

وقد دلت النصوص والآثار أن فتح روما من قِبَلِ المسلمين والفتح الثاني للقسطنطينية وخروج الدجال ونزول عيسى عليه الصلاة والسلام وقتال المسملين لليهود حتى يختبئ اليهودي وراء الشجر والحجر وخروج يأجوج ومأجوج ثم ظهور الريح التي تأخذ أرواح أهل الإيمان وتدع على الأرض شرار الناس والكفار لتقوم عليهم الساعة، كل هذه الأحداث العظيمة سوف تأتي بعد طلوع الشمس من مغربها. وقد اعترض الإمام القرطبي رحمه الله على ذلك فقال: (فلو كانت الشمس طلعت قبل ذلك من مغربها لم ينفع اليهود إيمانهم أيام عيسى عليه السلام ولو لم ينفعهم لما صار الدين واحداً بإسلام من أسلم منهم) ([15])، لكن هذا الاعتراض غير سديد، لأن الظاهر والله أعلم أن انغلاق باب التوبة خاص بالجيل الذي يشهد هذا الحدث العظيم، فيكون هذا الحدث بالنسبة لهم كمن صار الغيب عنده مشاهدة، فلا ينفعه بعد ذلك إيمان ولا توبة، أما من لم يشهد هذا التغيير، ممن سيأتي بعد، فإن إيمانه بإذن الله مقبول، وعمله الصالح مرفوع، كجهاد من سيجاهد مع المهدي أو قبله ضد الروم أو الدجال، أو من يجاهد مع عيسى عليه الصلاة والسلام ضد الدجال واليهود؛ ومما يشهد بصحة هذا التوجيه، ما أخرجه الإمام مسلم برقم (0492) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (يَخْرُجُ الدَّجَّالُ فِي أُمَّتِي فَيَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْراً أَوْ أَرْبَعِينَ عَاماً، فَيَبْعَثُ اللَّهُ عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ كَأَنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ فَيَطْلُبُهُ فَيُهْلِكُهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ النَّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَدَاوَةٌ، ثُمَّ يُرْسِلُ اللَّهُ رِيحاً بَارِدَةً مِنْ قِبَلِ الشَّامِ، فَلاَ يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ أَوْ إِيمَانٍ إِلاَّ قَبَضَتْهُ، فَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلاَمِ السِّبَاعِ لاَ يَعْرِفُونَ مَعْرُوفاً وَلاَ يُنْكِرُونَ مُنْكَراً)، وذكر أن على هؤلاء تقوم الساعة. ومن تأمل هذا الحديث وغيره من الدلائل التي لا يتسع المجال لبسطها علم صحة التوجيه السابق، والله أعلم.

واجب المسلمين كي يكون المستقبل لهذا الدين :

إن مما دل عليه صحيح المنقول وصريح المعقول، أن طرق الاستنتاج العلمي الموصلة إلى بناء التصورات وتحصيل التصديقات، تنحصر في سبيلين عامين، هما الاستنباط والاستقراء، وأن هذين السبيلين إذا التزما على وجههما الصحيح أثمرا في بناء صحيح العلوم وسليم المعارف، مما يكون له الأثر الحسن في تقرير الأحكام وبناء المواقف، وإن من رحمة الله تعالى بالإنسان، أَنْ فَطَرَهُ على المبادئ التي يميز بها الصواب من الخطأ والصدق من الكذب، قبل أن تلقى إليه المعارف أو يلقن اللغات، ولهذا جعل الله سبحانه وتعالى الحجة بينه وبين خلقه من هذا الباب، فأمرهم أن يتدبروا كتابه فينظروا هل فيه شيء من التناقض الذي يعتري كل ما يستنتجه الإنسان من العلوم والمعارف، فقال تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيرا}، كما أمرهم أن ينظروا في ما جاءهم به من أخبار وأن يستقرؤوا صدقها ليتبين لهم أن الحق الذي جاء من عند الله لا يتطرق إليه كذب أو يحوم حوله شك بسلطان، قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَق}.

ولهذا، فإن كل مُستقرئٍ لِمَا أنبأ به النبي صلى الله عليه وسلم من أخبار، يعلم أنه إما قد وقع وتحقق في سالف الزمان، وإما أن دلائل تحققه موجبة له بيقين وبرهان، ومن ذلك الوعود والمبشرات التي تدفع اليأس عن النفوس، وتعيد الأمل إليها، وترسخ فيها اليقين على نصرة الله تعالى لأهل دينه، وتؤكد بما لا يدع مجالا للريب أن المستقبل لهذا الدين. ولكن هذه المبشرات والوعود لا بد لأهل الإيمان أن يلحظوا بخصوصها ثلاثة أمور:

الأول : إنه لا ينبغي الاعتداد منها إلا بما كان صحيحاً حسبما توجبه قواعد العلم وأصول النقد الحديثي، فإن كثيراً من الروايات التي يعتمدها البعض في هذا الزمان، ويبني عليها أحكاماً ومواقف، تكون ضعيفة أو موضوعة.

الثاني : إن تأويل أحاديث الفتن والمبشرات لا ينبغي أن يجري على سنن أهواء النفوس ومرامي العواطف، بل ينبغي أن يُلْتَزَمَ في ذلك بقواعد أهل العلم، فلا يُنَزَّل الحديث إلا على ما اسْتُيْقِنَ أنه مَنْزِله، إلا ما كان من الأحاديث الذي تتضمن معاني وَحِكَماً لا تعلق لها بخصوص زمان أو مكان، وقد سمعنا إبان الحروب الصليبية الجديدة على دولة الإسلام في بلاد الأفغان وعلى المسلمين في العراق، من التأويلات البعيدة والتحليلات العجيبة ما يدل على تسرع أهلها وغفلتهم عن ضوابط أهل العلم.

الثالث : إن المبشرات والوعود النبوية تتضمن في غالبها أوامر لتحصيل أسبابها والسعي لإدراكها، فلا ينبغي أن تكون ذريعة لترك العمل للدين والتخلف عن نصرته، كما يفعل بعض الأدعياء الذين خلطوا الإرجاء بالجبر، فَعَطَّلُوا مدافعة الباطل والنهي عن المنكر، وفصلوا بين الدين والسياسة باسم ” السَّلفية ” زعموا! ولتكن للمسلم أسوة في الطائفة المنصورة التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها تقاتل الدجال، مع علمها بأن لا سبيل لها إلى دفعه، وأن زوال أمره إنما يكون على يد عيسى ، فلم يثنها ذلك عن النهوض بالأمر الشرعي، وعدم تعطيل الجهاد في سبيل الله، فقد روى الحاكم في مستدركه (4/497) عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُ آخِرُهُمْ الدَّجَّالَ). ولهذا، فإن اجتهاد المسلم أولى له من ترقب الوعود عَلَّهَا تقع في زمنه أو لا، بل الواجب عليه أن يتشوف إلى المساهمة في تحقق الوعود الإلهية فيحضا بفضيلة التسبب في حصولها.

على أن الأمة اليوم في مسيس الحاجة إلى بث المبشرات في صفها، وترديد الوعود الإلهية بين أبنائها، دفعاً للإرجاف الذي يمارسه من حطمت الهزيمة نفسه، فصار إلى التخذيل والتثبيط، وإبطالاً لكيد العَلْمَانِيين الذين يريدون أن يطفئوا جذوة الإيمان في قلوب المسلمين، ويقنعوهم أن زمن الإسلام ولى إلى غير رجعة، وأن استئناف الحياة الإسلامية حلم خيالي لا سبيل إلى تحقيقه البتة. وأين ما يزعمه هؤلاء السفهاء ذوي العقول الكليلة والبصائر المنطمسة من قول الله جل وعلا: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنا}، وقول الصادق المصدوق : (لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلاَ وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزّاً يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الإِسْلاَمَ، وَذُلاًّ يُذِلُّ بِهِ الكُفْرَ) ([16])، وقوله : (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرياً ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت) ([17]). وما أولئك العَلْمَانيين المحاربين لدين الله تعالى إلا كما قال الله عز وجل: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ، وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون}.

وها هي بحمد الله دلائل الفَرَجِ لائحة، وعلامات خروج الأمة مِنَ التَّيْهِ بادية، ويقظة أهل الإسلام قريبة، وإن شئنا أن نحصي من ذلك شيئا، فلنذكر من ذلك مظهران بارزان:

الأول : دخول الإسلام كطرف في الصراع، فليس يخفى أن أعداء الإسلام من صليبيين ويهود وعَلْمَانيين قد عملوا منذ أمد بعيد على تحييد الإسلام عن جميع المعارك، وعدم القَبُولِ به طرفاً في أي صراع، لِعِلْمِهِمْ الأكيد أن قدرة الإسلام على شحذ الهمم وتقوية النفوس لا يعادلها شيء ولا يقوم في وجهها بإذن الله أمر، وقد استطاعوا تحييد الإسلام في معركتين أساسيتين، أولاهما، معركة المسلمين مع اليهود في فلسطين، وثانيهما، معركة المسلمين من أجل التنمية والخروج من بوتقة التخلف.

لَكِنَّ الأحداث المتلاحقة والوعي المتراكم جعل كثيراً من المسلمين يُدْرِكُون أن الصراع بينهم وبين أعداء الأمة في الداخل والخارج صراع ديني، سواء كان هذا الصراع ضد من يروم احتلال بلاد الإسلام وتدمير ما بقي من مقومات الأمة، أو كان ضد من يصبو إلى التمكين لمناهج العَلمانية وتجفيف منابع الدين فيها.

وقد ظهر فشل مخطط الأعداء في تنحية الإسلام عن ساحة المعركة، في البروز المتتالي للأحزاب الإسلامية وحركات المقاومة وجماعات الإصلاح التي تحاول -حسبما ثقفته من الإسلام- أن تقف في وجه المعتدين على الأمة في دينها وخيراتها وأعراضها، وقد بلغ هذا البروز الإسلامي أوجه بفضل الله في الآونة الأخيرة حين ارتفعت رايات الجهاد، وشاعت في الأرجاء أصوات العلماء الصادعين بالحق، حتى كادت الأحداث العالمية الكبيرة لا تقوم إلا وقد دخل الإسلام طرفاً فيها، فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.

الثاني : ثبات المؤمنين على دينهم، فإن المتأمل في أحداث هذا الزمان وما قبله، ليلحظ بجلاء، أن المسلمين من أدنى الأرض إلى أقصاها قد تعرضوا إلى ما لم يتعرض إليه ولا إلى قريب منه غيرهم، فاستعمرت أوطانهم، ونُشِرَ الفساد بينهم، وَبُثَّ الضلال في أبنائهم، وَأُعْمِلَ فيهم سيف التجهيل والتغريب والتنصير، وَأُفْسِدَتْ مناهج تعليمهم، وَدُجِّنَ علماؤهم، وَحُورِبَ الصادقون من دعاتهم، وألصقت بهم التهم الشنيعة والأوصاف الوضيعة، وتعرضوا للإبادات الجماعية، وَأُعْمِلَ فيهم التقتيل والتهجير على يد الشيوعيين، وعلى يد العَلْمَانيين، وعلى يد اليهود، وعلى يد الهندوس، وعلى يد الصين، وعلى يد الصليبيين الجدد، وغيرهم.

وهذه المحن العظيمة والبلايا الشديدة، وإن ألحقت فئاماً كثيرة بالمشركين والمنافقين، إلا أنها لم تنفع في اجتثاث جذوة الإيمان من قلوب الملايين من المسلمين، ولم تنجح في ثني الدعاة والمجاهدين عن نصرة هذا الدين، بل على العكس من ذلك ضاعفت من أعداد الناصرين لدين الله تعالى، وأوقدت الغيرة في نفوس الكثير من المسلمين، ولن يرى الصليبيون والعَلْمَانيون من ذلك إلا المزيد إن شاء الله تعالى، كلما اشتدت وطأتهم على المسلمين ودينهم، والحمد لله رب العالمين.

ولا يُنْتَظَرُ من عموم الأمة أن تقوم بنصرة هذا الدين، فإن ذلك لا يصح لا في العقل ولا في الشرع، ولم يتحقق في أي وقت أو حين، لأن الأمر كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم : (إِنَّمَا النَّاسُ كَالإِبِلِ المائَةِ لاَ تَكَادُ تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَة) ([18])؛ فالأمل معقود بإذن الله تعالى على العلماء الصادقين والدعاة المخلصين والمجاهدين، الذين يعلمون الحق، ويرحمون الخلق، ويفقهون أدواء الأمة، ويعلمون دواءها، ويميزون بين العدو والولي، ويتبرؤون من كل عَلْمَاني غوي، ويبرؤون إلى الله من الشرك والبدع والأهواء، ويصطبرون على كيد الأعداء، ويؤمنون أن دين الله لن ينتصر بمناهج الرخاء.

على أن الطريق لا يزال طويلا، إذ الأعداء يتكاثرون، والمنافقون يتزايدون، والمخَذِّلون يتضاعفون، والمنهزمون يتراكمون؛ فعلى الدعاة الصادقين أن يثبتوا ولا ينثنوا، وأن يستعينوا على نصرة دين الله تعالى وإنقاذ الأمة في هذا الوقت العصيب بأمرين اثنين:

الأمر الأول، الصبر والاستعانة بالله، فإن تجبر الأعداء، وتكالب المنافقين والعَلْمَانيين، لا ينبغي أن يفل من عزائم أهل الحق، بل عليهم أن يُوقِنُوا أن الصبر على البلاء موجب لحسن العاقبة، ومقتضٍ لنصرة الرب جل وعلا، وأن مع العسر يسرا؛ وإن نسي أهل الحق فلا ينبغي أن ينسوا أن أمر هذا الدين قائم على الابتلاء والمصابرة، وأن تربية الرجال فيه لا تتم إلا بالمدافعة، وأن النصر فيه لا يأتي إلا بالمجاهدة، وأن التمكين لا يأتي إلا بالمكابدة، وأن سلعة الله غالية، وليذكروا كم عانى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من إذاية الكفار وحصارهم، وكم طال استضعافهم، حتى جاءهم الفرج بعد لأي، وقد قال الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيب}، وقال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِين}.

وقد ذكر الله تعالى لنا عُتُو فرعون وعلوه على المستضعفين من أتباع موسى عليه السلام، بما يماثل -بل يساوي- عتو المستكبرين والجبارين اليوم، فقال تعالى: {وَقَالَ المَلأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ، قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحِيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُون}، فما كان جواب موسى عليه الصلاة والسلام، وهو الرسول الكريم المؤيد من قبل الله تعالى، إلا أن قال لبني إسرائيل، كما قال الله تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين}، وهذه السجون والمعتقلات التي تقام لأنصار الدين، والقوانين التي تسن لإرهاب المستضعفين، والخطط التي ترسم للنيل من أخلاق وأحكام دين رب العالمين، باسم صيانة ” حريات ” الهوى والشيطان، وتأليه ” حداثة ” الغرب والخسران، والحكم بين الناس بالديموقراطية وأهواء الإنسان، لن تضر الإسلام في شيء، ولن تقضي على أهل الحق، ولن تعيق تحقق وعد الله تعالى بسيادة الدين، ورجوع الخلافة على منهاج النبوة التي وعد بها الصادق الأمين، فلا ينبغي لأهل الحق أن يستنكفوا عن نصرة الدين، أو ينكلوا عن العمل، أو يتطرق إلى نفوسهم اليأس والملل، فإن الصبح بإذن الله قريب، وهم في مدافعتهم لأهل الباطل فائزون بإحدى الحسنيين، ولا ينبغي أن يغفلوا عن أعظم وسيلة للمستضعفين لا يتركها إلا قساة القلوب وأهل الغفلة عن معاني العبودية لرب العالمين، قال تعالى: {فَلَوْلاَ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُون}.

وليُعْلَم، أن من أعظم أبواب الصبر في هذا الزمان، تريث أهل الحق وعدم الاستعجال، فإن ما فسد في عقود وقرون، لا يمكن أن يُصْلَحَ في أيام أو شهور، ولهذا فقد قال أئمتنا: (من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه)، فلا ينبغي الاستعجال في التغيير، ولا ينبغي التسرع في التدبير، بل ينبغي أن يُقَدَّرَ لِكُلِّ حَالٍ ما يُنَاسِبُهَا، وأن يسترشد في ذلك بفتاوى أهل العلم الربانيين، وطلبة العلم الصَّادقين، الذين لهم علم بكتاب الله وسنة رسوله ، ويلتزمون بمنهج السلف، ويهتدون بهدي أئمة السنة، ويفهمون واقع الأمة، ويفقهون دلائل المنقول والمعقول، ويقولون الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، ولا يركنون إلى ظالم، ولا يُخَذِّلُونَ عن أنصار الحق، فهؤلاء الذين ينبغي الثقة بهم، والتقيد بكلامهم، والحرص على الارتباط بهم، وهم ولله الحمد ظاهرون على قلتهم، متميزون رغم التعتيم والاضطهاد.

الأمر الثاني، البيان الصادق، فإن من أعظم أسباب نصرة الدين، وأهم وسائل المدافعة والجهاد، البيان الصَّادق لهذا الدين، فقد أخرج الإمام مسلم في كتاب الإيمان برقم (71) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلاَّ كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ، يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ، وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ، ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ، وَيَفْعَلُونَ مَا لاَ يُؤْمَرُونَ، فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ).

وقد أرسل الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام إلى فرعون وَمَلَئِهِ، ولم يبعث معه جيوشاً ولا عتادا، ومع ذلك قال تعالى : {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِين}، وإنما كان معه ما تقوم به الحجة والبيان على صحة ما أُرْسِلَ بِهِ، وبطلان ما عليه خصومه، فإن السُّلْطَان في كتاب الله تعالى “نوعان: سلطان الحجة والعلم، وهو أكثر ما سمي في القرآن سلطاناً، حتى روى ابن عباس أن كل سلطان في القرآن فهو سلطان الحجة، والثاني: سلطان القدرة، والعمل الصالح لا يقوم إلا بالسلطانين ” ([19]).

ولا يكون البيان مستوفياً لشرائط الحق وقاضياً بمدافعة الباطل ما لم يكن ناهضاً بما يلي:

أولا: إقامة الحجة على الخلق، فإن الله تعالى خَاطَبَ نبيه وهو مستضعف في مكة بقوله: {وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيرا}، أَيْ بالقرآن الكريم، فقد جعل الله تعالى في كتابه من دلائل الحق، وبينات الهُدَى، ما هو قاض بإقامة الحجة على الخلق أجمعين، فإذا واجه أهل الإيمان أهل الضلال والكفر والطغيان بما في كتاب الله تعالى من هدى وبينات، فإن صوت الحق سيعلو، وصوت الباطل سينحصر أو يخبو، ولكن كثيراً من دعاة الإسلام في هذا الزمان، لم يقوموا بواجب إقامة الحجة على الناس، بل شُغِفُوا بالمداهنة، وكتمان بعض الحق، وتأويل النصوص بما يناسب أهواء أهل العصر، حِرْصاً منهم على الدنيا، أو خوفاً من الابتلاء، أو غير ذلك من أسباب الالتواء. وقد نَبَّهَ النبي صلى الله عليه وسلم على أن بيان الحق من أجل إقامة الحجة، من أعظم القربات إلى الله تعالى، حتى ولو كان فيه إتلاف النفس والتعرض لما يظنه بعض المتفيهقين هلاكا، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً حديثاً طويلاً عن الدَّجَّالِ، فكان فيما حدثنا قال: (يَأْتِي وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ نِقَابَ المَدِينَةِ، فَيَنْتَهِي إِلَى بَعْضِ السِّبَاخِ الَّتِي تَلِي المَدِينَةَ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ هُوَ خَيْرُ النَّاسِ، أَوْ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، فَيَقُولُ لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم حَدِيثَهُ، فَيَقُولُ الدَّجَّالُ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ قَتَلْتُ هَذَا ثُمَّ أَحْيَيْتُهُ، أَتَشُكُّونَ فِي الأَمْرِ؟ فَيَقُولُونَ: لاَ، فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يُحْيِيهِ، فَيَقُولُ حِينَ يُحْيِيهِ: وَاللَّهِ مَا كُنْتُ فِيكَ قَطُّ أَشَدَّ بَصِيرَةً مِنِّي الآنَ، قَالَ: فَيُرِيدُ الدَّجَّالُ أَنْ يَقْتُلَهُ فَلاَ يُسَلَّطُ عَلَيْهِ) ([20]).

فهذا رجل في مأمن من فتنة الدجال، ولكن أبى عليه علمه وخوفه من الله تعالى، إلا أن يخرج ذاك الطاغي الجبار، فيواجهه بكلمة الحق، حتى يُظْهِرَ للناس باطله، ويكشف ضلاله، ويفضح تلبيسه، {لِيَهْلَكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَة}.

فأين هذا من مشايخ السُّوء في هذا الزمان، وفرسان الفضائيات، الذين لم يمنعهم الحياء من الله تعالى من أن يسكتوا، ولو فعلوا لأراحوا واستراحوا! بل شاركوا بألسنتهم في الفتنة التي يرزح تحت نيرها المسلمون، تارة بالتصريحات التي تُظْهِرُ العَلْمَانيين في صورة المصلحين، وتارة بالفتاوى التي تجيز المشاركة في قتل المسلمين، وتارة بالآراء التي تبيح تسلط الكفار على بلاد المسلمين، وتارة بالمواقف التي تُخَذِّلُ عن أنصار الحق والدين، وتارة بالتأويلات التي تُحَرِّضُ أعداء الدين والظالمين على المستضعفين من الدعاة والعلماء والصالحين، فيفعلون في المسلمين بألسنتهم ما لا يفعله الأعداء فيهم.

ثانياً: النكاية بأعداء الدين، فإن الحملة المسعورة على العلماء والدعاة الناطقين بالحق في هذا الزمان، تنبئ كل ذي عينين بمقدار ما تفعله كلمة الحق في نفوس أهل الظلم والطغيان، ولا غَرْوَ في ذلك، فقد كان العداء المستميت الذي يواجه به الأقوامُ أنبياءَهُمْ، إنما سببه ما كان يصدع به الأنبياء والمرسلون من حق، ويكشفونه من ظلم وباطل، كما بَيَّنَ الله تعالى في كتابه الكريم؛ فلا ينبغي للمسلم أن يُقَلِّلَ من شأن البيان، وأن يعتبره وسيلة غير ذات بال، فإن تأثيره في النفوس، ودوره في التمييز بين الصفوف، وعمله في إيضاح الحق وكشف الباطل، لا يخفى إلا على من خفيت عليه سنن التغيير، وتاه عن سبيل الأنبياء والمرسلين.

ثالثاً: جَلْبُ الأنصارِ للدين، سواء أكان هؤلاء الأنصار من أهل الإيمان، أو ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ) ([21])، فإذا كان البيان صادقاً وقوياً وناهضاً بأسباب التأثير والإقناع، نفع في جلب الأنصار الذين يستظهر بهم أهل الإيمان على أعداء التوحيد والإسلام، ومن نظر في سير الأنبياء، وعلم أنهم جميعاً كانوا يُتَّهَمُونَ بالسحر، تبين له مقدار تأثير بيانهم في جلب الناس إلى صَفِّهِمْ، ومقدار تفريط أهل الإسلام اليوم في عدم الرقي بخطابهم، وعدم استغلال الوسائل والأحداث، وعدم التزام دقيق الضوابط الشرعية ورفيع التوجيهات الربانية، في دعوة الأعداء والخصوم إلى الإسلام، حتى يُستخلص من بينهم من يدخل في دين الله تعالى وينصر شريعته، أو يُعين أهل الحق وينافح عنهم، كما كان بعض المشركين يحامي عن النبي صلى الله عليه وسلم أو يَتَحَالَفُ معه.

فإن سيادة الإسلام وعزة أمته ليس رحمة لأهل الإسلام خاصة، بل هو رحمة للعالمين عامة، فإن الحياة تحت راية الإسلام وفي حكم شريعة الرحمن، لا تعادلها في الخير حياة، ولا يبلغ إلى ما فيها من العدل منهاج، سواء بالنسبة للمسلمين، أو غيرهم من أهل الملل، كما يشهد بذلك العقل الصريح، والتجربة خلال التاريخ، فشتان بين شرع من خلق ويعلم ما خلق وهو اللطيف الخبير، وبين أحكام من علمه قليل، وجهله كثير، وعقله لا يُمكنه من تدبير حياته الخاصة بشكل سالم من الأخطاء والميل مع الأهواء؛ وكيف يعقل أن يسوى بين شرع الله الحكيم العدل العليم، وبين ما وضعه من هو مطبوع على الجهل والظلم والميل والحيف بيقين .

ولهذا جعل الله تعالى اتباع شرعه دليلا على ارتضاء أسمى حياة, و الإنصياع لمُقتضى العقل الصريح, كما في قوله تعالى: (و لكم في القصاص حياة يا اُولي الألباب لعلكم تتقون).

أما التبرم من دين رب العالمين, ومحاربة شرعه الكريم, و استضعاف أهله المؤمنين, فانخراط في الظلم, ودخول في التناقض, وجلب لأعظم المفاسد, وتغرير بالخلق, وقطع للناس كافة عن رحمة رب العالمين, وكم .. وكم خسر العالم بانحطاط المسلمين.

نشر في مجلة نداء الإسلام

العدد الثاني ؛ السنة العاشرة

جمادى الأول – رجب 1424هـ


[1] ابن القيم، أعلام الموقعين، 871.

[2] رواه أحمد (16519) ، وابن ماجه في المقدمة (43) ، وهو صحيح.

[3] أخرجه مالك برقم (1395) وغيره، وأصله في مسلم (2137).

[4] جامع البيان عن تأويل أي القرآن (2915).

[5] البداية والنهاية (2/30-32) باختصار.

[6] اقتضاء الصراط المستقيم، ص (44).

[7] التفسير ( 3094).

[8] رواه مسلم برقم (3431).

[9] رواه مسلم برقم (169) .

[10] رواه أحمد (4765)، وأبو داود برقم (3003)، وهو حسن.

[11] مجموع الفتاوى (44228) .

[12] إرشاد الفحول، ص (142-143) .

[13] رواه أحمد (6168)، وأبو داود (4242)، وغيرهما، وقال شعيب الأرنؤوط إسناده صحيح، شرح السنة للبغوي (15/20).

[14] أخرجه أحمد (2202)، وأبو داود (4/3432)، وغيرهما، وصححه الألباني.

[15] التذكرة (3962).

[16] رواه أحمد (44361)، وهو في السلسلة الصحيحة (1/7) للألباني.

[17] السلسلة الصحيحة (81).

[18] رواه البخاري برقم (6133) ومسلم (2547).

[19] مجموع الفتاوى (2919).

[20] رواه البخاري برقم (6713) ومسلم برقم (8392).

[21] رواه البخاري برقم (3062)، ومسلم برقم (111).

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s