وقائع برلمانية |بقلم؛ أحمد إبراهيم خضر


وقائع برلمانية

بقلم؛ أحمد إبراهيم خضر

*      *      *

“لم أكن أظن أن ما قضى الله به في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى موافقة عباد الله، ولكنني فوجئت أن قول الرب الأعلى يظل في المصحف – له قداسته في قلوبنا – إلى أن يوافق عباد الله في البرلمان على تصيير كلام الله قانوناً! وإذا اختلف قرار عباد الله في البرلمان عن حكم الله في القرآن؛ فإن قرار عباد الله يصير قانوناً معمولاً به في السلطة القضائية، مكفولاً تنفيذه من قبل السلطة التنفيذية! – ولو عارض القرآن والسنة – والدليل على ذلك أن الله حرم الخمر، وأباحها البرلمان، وأن الله أمر بإقامة الحدود، وأهدرها البرلمان، والنتيجة على ضوء هذه الأمثلة؛ أن ما قرره البرلمان صار قانوناً رغم مخالفته للإسلام”.

*      *      *

هذه الكلمات هي خلاصة ما انتهى إليه أحد علماء الإسلام، بعد أن قضى ثماني سنوات كنائب في البرلمان.

وكان ذلك النائب العالم قد أحس بضرورة الخطابة على المنابر، والكتابة في الصحف، بعد طول معايشته لتلك الأساليب، ازداد إيماناً بجدواها لكنه شعر أنها وحدها لا تحدث تغييراً في القوانين، ولا تأثيراً مستمراً في السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، فرشح نفسه لعضوية البرلمان بحثاً عن أسلوب جديد لإعلاء كلمة الله تعالى بتطبيق الشريعة الإسلامية، إنقاذاً للعباد من الضلالة وتخليصاً لهم من الأباطيل ودفعاً بهم إلى رحاب الإسلام.

فاز العالم بعضوية البرلمان، تحت شعار “أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين”، وأعطاه الناس أصواتهم ثقة فيه رغم كل وسائل التزييف والتزوير في الانتخابات.

واستمر النائب في عضوية البرلمان دورتين متتاليتين، ثم قال بعدها: (إنه عَزَّ على البيان الإسلامي أن يجد صداه المنطقي في هاتين الدورتين)!

ذهب النائب العالم يوماً إلى واحدة من مديريات الأمن، لقضاء مصالح مواطنيه، ففوجئ في مكتب الآداب بحوالي ثلاثين امرأة يجلسن على البلاط، فسأل قائلاً: (ما ذنب هؤلاء؟!)، فقال له المسؤول: (إنهن الساقطات)! فسأل: (وأين الساقطون؟ إنها جريمة لا تتم إلا بين زان وزانية)، فأخبره المسؤول بأن الزاني عندهم هو مجرد شاهد بأنه قد ارتكب الزنا مع هذه وأعطاها على ذلك أجراً، فهي تحاكم ليس لأنها ارتكبت الزنا، ولكن لأنها تقاضت الأجر!

فتحول المّقُرُّ والمعترف بأنه زان؛ إلى شاهد عليها، ولا يلتفت القانون إلى إقراره واعترافه بالزنا.

غضب النائب العالم غضبة لله، فقال له المسؤول ببساطة: (نحن ننفذ قانوناً أنتم أقررتموه في البرلمان).

أدرك النائب العالم أنه مهما كثرت الجماهير المنادية بتطبيق الشريعة، ومهما ساندها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن الآمال في تطبيق الشريعة لا يمكن أن تتحقق إلا عن طريق البرلمان، الذين يسمونه “السلطة التشريعية”، ولأن السلطة القضائية لا تحكم إلا بالقوانين التي تصدر عن البرلمان، وأن السلطة التنفيذية لا تتحرك لحماية القرآن والسنة، ولا لحماية الإسلام إلا بمقدار ما أقره البرلمان من هذه الجوانب المقدسة، اعتقد النائب العالم بأن الوصول إلى هذه الغاية ممكن، إذا علم نواب البرلمان أن هذا هو قول الله، وقول رسوله، وحكم الإسلام ليقروه.

انطلق النائب العالم، فقدم…

– مشروع قانون لإقامة الحدود الشرعية.

– ومشروع قانون لتحريم الربا، مع اقتراح الحل البديل.

– ومشروع قانون لتطويع وسائل الإعلام لأحكام الله.

– ومشروع قانون لرعاية حرمة شهر رمضان، وعدم الجهر بالفطر في نهاره.

– ومشروع قانون لتنقية الشواطئ من العربدة… والعديد من المشاريع الإسلامية الأخرى.

ووقع معه على مشاريع هذه القوانين عدد كبير من أعضاء البرلمان.

وذهب النائب العالم لأداء العمرة، واصطحب معه بعض أعضاء البرلمان، وعند الحجر الأسود عاهدوا الله جميعاً على مناصرة شريعة الله في البرلمان، ثم ركبوا الطائرة إلى المدينة المنورة، ثم تعاهدوا في رحاب المسجد النبوي على رفع أصواتهم لنصرة شرع الله لا لنصرة انتماءاتهم الحزبية.

حمّل النائب العالم السلطات الثلاث في الدولة مسؤولية إقرار المحرمات ومخالفة الشريعة، وتوعد وزير العدل آنذاك بأنه سيستجوبه بعد بضعة شهور إذا هو لم يقدم ما تم إنجازه من قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية.

ولم يقدم الوزير ما طلبه منه النائب، فوجه إليه النائب استجواباً – والاستجواب في عرف البرلمانات ملزم للمستجوب بالرد عليه ما لم تسقط عضوية الوزير أو يخرج الوزير المستجوب من الوزارة – وأصر النائب على استجواب الوزير، ووقفت الحكومة خلف وزيرها، وأصرت على إسقاط الاستجواب، ولما اشتد إصرار النائب على الاستجواب أحدثت الحكومة تعديلاً وزارياً لم يخرج منه إلا وزير العدل، أي أن الوزير أخرج من الوزارة ليسقط الاستجواب، وتكرر هذا العمل حتى أصبح قاعدة من قواعد التعامل مع البرلمان.

لجأ النائب العالم مرة ثانية إلى أعضاء البرلمان، وقال لهم: (إن مشاريع القوانين الإسلامية وضعت في أدراج اللجان، وقد عاهدتم الله في الحرمين على أن تكون أصواتكم لله ورسوله)، وطالب بتوقيعهم على المطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة الإسلامية؛ فاستجابوا، ووقعوا على ما طالبهم به.

ووضع النائب العالم هذه الوثيقة في أمانة البرلمان، وطالب باسم النواب جميعاً النظر في قوانين شرع الله، فقام رئيس البرلمان وطالب باسم النواب جميعاً؛ النظر في قوانين شرع الله، وقال للنواب: (إن الحكومة لا تقل عنكم حماسة للإسلام، ولكننا نطلب منكم فرصة للمواءمات السياسية)! فصفق له النواب الموقعون المتعاهدون في الحرمين على العمل على تطبيق شريعة الله، ووافقوا على طلبه، فضاعت المطالبة بالتطبيق الفوري للشريعة، وانتصرت الحكومة.

غلب اليأس النائب العالم، لعدم جدوى محاولاته في سبيل تطبيق الشريعة مع أعضاء يناديهم فيستجيبون ثم يعدلون، ثم فوجئ يوماً باقتراح من رئيس البرلمان للموافقة على تكوين لجنة عامة لقوننة الشريعة الإسلامية، وتبين حقيقة الأمر فوجد أن قرار الحكومة المفاجئ هذا لم يكن إلا تغطية لفضيحة كبرى مست كرامة البلاد، ولم تتخذ الحكومة قراراً لصالح الإسلام.

ورحب النائب بالفكرة – رغم فهمه لأبعادها – واجتمعت اللجنة، لكن النائب العالم أحس عدم جدية الدولة في تطبيق شرع الله، لأنها إذا أرادت إرضاء الله فهناك أمور لا تحتاج إلى إجراءات، فإغلاق مصانع الخمور؛ يمكن أن يكون بجرة قلم، وإغلاق الحانات؛ يمكن أن يتم بجرة قلم.

كانت هناك مظاهر تدل على ما في الأعماق حقيقة، تضافرت كلها لتترك في نفس النائب العالم انطباعاً – يشكل في حد ذاته قاعدة من قواعد التعامل مع البرلمانات – مؤداه؛ أن شرع الله لن يتحقق أبداً على أيدي هؤلاء.

فوجئ الناس وفوجئ النائب العالم بحل البرلمان بعد أن كان هو رئيساً للجنة مرافعات تطبيق الشريعة الإسلامية، وظل يوالي مع اللجنة عملية الدراسة والتقنين عبر ثلاثين اجتماعاً.

وفي غيبة البرلمان؛ صدر قرار خطير في مسألة تمس حياة الناس الشخصية، فوقف النائب العالم ضد هذا القرار، لأنه مخالف للإسلام والدستور، ولكن القاعدة تقول؛ “أن البرلمان كله يمكن أن يحل بقرار، إذا أرادت الدولة فرض أمر على الناس، حتى ولو كان مخالفاً للإسلام”!

أما أهم قاعدة يستند إليها البرلمان، فقد لخصها النائب العالم بقوله: (إنه مهما أوتيت من حجج، ومهما استند موقفي إلى الكتاب والسنة، فإن من عيوب البرلمان ومسؤوليته الفادحة؛ أن الديموقراطية تجعل القرار ملكاً للغالبية المطلقة بإطلاق وبلا قيد ولا شروط، ولو خالف الإسلام).

أحس النائب العالم بأن زحفاً من التضييق عليه يشتد من جانب الحكومة، ومن رئيس البرلمان، ومن حزب الغالبية، وافتعلت رئاسة البرلمان ثورات ضده، واتهمته بأنه يعطل أعمال اللجان… ولكنه استمر في بذل جهوده.

فقدم العديد من الأسئلة التي لم تدرج في جداول الأعمال، وقام بالعديد من طلبات الإحالة، فوجدها قد دفنت ولم تقم لها قائمة، ثم عاد إلى استخدام سلاح الاستجواب الذي لا يمكن رده؛ فاستجوب وزراء الحكومة عن ضرب الدولة للقضاء الشرعي والأوقاف، والمعاهد الدينية، ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم، وعن ضربها لمناهج التعليم في الجامعات الدينية بحجة تطويرها، وعن ضربها للمساجد بإصدارها قانوناً لا يسمح لأحد حتى ولو كان من “المشايخ” أن يدخل دور العبادة، وأن يقول ولو على سبيل النصيحة الدينية قولاً يعارض به قراراً إدارياً أو قانوناً مستقراً، ومن فعل ذلك حبس وغرم، فإن قاوم ضوعفت الغرامة وسجن!

قدم النائب العالم استجواباً إلى وزير السياحة، لأن طلاباً في المدارس الفندقية أرغموا على تذوق الخمور؛ فرفضوا ففصلوا، وقدم استجواباً آخر إلى وزير الإعلام بغية تطهير وسائل الإعلام من العربدة التي تعصف بالقيم والأخلاق ومقدسات البلاد، واستجواباً ثالثاً إلى وزير النقل والمواصلات عن صور القصور والتقصير بهذه المرافق.

وشعر النائب العالم أنه يقدم الاستجواب تلو الاستجواب إلى بالوعات، فوقف في البرلمان يحاسب رئيسه ويتهمه بالخروج على لائحة البرلمان، فأمر رئيس البرلمان في لعبة مثيرة بإدراج الاستجوابات الثلاثة في جلسة واحدة، مع أن كل استجواب يحتاج إلى أيام، ثم دعا الهيئة البرلمانية لحزب الأغلبية لتحبط هذه الاستجوابات.

ونودي على وزير السياحة فتدخلت الحكومة التي اعترضت على إدراج هذا الاستجواب في جدول الأعمال، لأن فيه كلمة نابية هي بالضبط؛ “اتهام صاحب الاستجواب الوزير بأنه جافى الحقيقة أثناء رده على السؤال”، ثم طرح الموقف على نواب البرلمان؛ فقرروا إحباط الاستجواب وعطلوا ما يسمى بـ “الحق الدستوري للنائب في محاسبة الدولة”، ثم نودي على الاستجواب الثاني المقدم لوزير الإعلام، وكما انتصر النواب للخمر، انتصروا للرقص، رغم أنهم عاهدوا الله على النصرة لشريعته، ثم نودي على وزير النقل، لكن النواب رأوا أن محاسبة الوزير تتلاقى مع أهوائهم.

فقام النائب العالم إلى المنصة، وقال لنواب البرلمان…

(يا حضرات النواب المحترمين؛ لست عابد منصب، ولست حريصاً على كرسي لذاته، ولقد كان شعاري مع أهل دائرتي؛ “أعطني صوتك لنصلح الدنيا بالدين”، وكنت أظن أنه يكفي لإدراك هذه الغاية أن تقدم مشروعات القوانين الإسلامية، لكنه تراءى لي أن مجلسنا هذا لا يرى لله حكماً إلا من خلال الأهواء الحزبية، وهيهات أن تسمح بأن تكون كلمة الله هي العليا… لقد وجدت طريقي بينكم إلى هذه الغاية مسدوداً، لذلك أعلن استقالتي من البرلمان غير آسف على عضويته).

وانصرف النائب العالم إلى داره في أبريل 1981… ورفعت الجلسة.

رحل النائب العالم عن البرلمان، ثم رحل عن هذه الدنيا كلها بعد ذلك بعدة سنوات، وبقي البرلمان يقضي ويشرع وينفذ بغير ما أنزل الله!

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s