مد الأيادي لبيعة البغدادي – تأليف ابي همام بكر بن عبد العزيز الأثري


1111

مد الأيادي لبيعة البغدادي – رابط بي دي اف

رابط وورد

https://t.co/TmS0ycezH0

 

مد الأيادي

لبيعة البغدادي

فمدّوا كي نبايعه الأيادي *** فسوقُ البذلِ تستعر اشتعالا

إعداد: أبي همام بكر بن عبد العزيز الأثري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المنعم الهادي, والصلاة والسلام على من بعث للحواضر والبوادي, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم التنادي, أما بعد:

فلست من أعضاء تنظيم أو من أبناء جماعة, ولكنني موحد من أهل السنة والجماعة, رأيت مُنكراً ونزع يد من طاعة, فوجب عليّ الإنكار على قلة في البضاعة!

رأيت ناساً أكثروا المراء والتمادي, في الطعن بالشيخ أبي بكر البغدادي, وهم في ذلك بين مقل ومكثر, ومحب منتقد وآخر عن العداوة مسفر! وإليهم جميعاً هذه الرسالة, على عجالة:

خُذْ ما تَراهُ وَدَعْ شَيْئاً سَمِعْتَ بهِ *** في طَلعَةِ البَدرِ ما يُغنيكَ عن زُحَلِ!

 [ديوان أبي الطيب المتنبي ص437].

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الأول: إعلام الرائح والغادي, ببعض مناقب البغدادي:

هو الشيخ المجاهد, والعابد الزاهد؛ أمير المؤمنين, وقائد كتائب الدين: أبو بكر القرشي الحسيني البغدادي حفظه الله ورعاه, وسدد على الخير والحق خطاه.

من أحفاد عرموش بن علي بن عيد بن بدري بن بدر الدين بن خليل بن حسين بن عبد الله بن إبراهيم الأواه بن الشريف يحيى عز الدين بن الشريف بشير بن ماجد بن عطية بن يعلى بن دويد بن ماجد بن عبد الرحمن بن قاسم بن الشريف إدريس بن جعفر الزكي بن علي الهادي بن محمد الجواد بن علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب وفاطمة بنت محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ *** هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ

هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ *** بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا

قال الله تعالى: (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) [الشورى: 23].

قال العماد ابن كثير رحمه الله: “ولا تُنكر الوصاة بأهل البيت، والأمر بالإحسان إليهم، واحترامهم، وإكرامهم، فإنهم من ذرية طاهرة، من أشرف بيت وجد على وجه الأرض، فخراً وحسباً ونسباً، ولا سيما إذا كانوا متبعين للسنة النبوية الصحيحة الواضحة الجلية، كما كان عليه سلفهم كالعباس وبنيه، وعلي وأهل بيته وذريته، رضي الله عنهم أجمعين“.اهـ [تفسير القرآن العظيم 4/133].

وقد جاء في صحيح مسلم أن أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هم نساؤه وآل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس.

وروى الإمام الترمذي في سننه (3789) والبخاري في التاريخ الكبير (183/1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : (أحبوا الله لما يغذوكم من نعمه وأحبوني بحب الله وأحبوا أهل بيتي لحبي) [صححه الحاكم ووافقه الذهبي وصححه السيوطي وغيرهم, وضعفه شيخ الاسلام ابن تيمية (وغيره) في منهاج السنة 396/5, وقال: “اسناده ضعيف, فإن الله يحب أن يحب لذاته , وإن كانت محبته واجبة لإحسانه”.].

وأخرج أحمد في مسنده عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إن قريشاً إذا لقي بعضهم بعضاً لقوهم ببشرٍ حسن, وإذا لقونا لقونا بوجوه لا نعرفها؟ قال: فغضب النبي صلى الله عليه وآله وسلم غضباً شديداً, وقال: (والذي نفسي بيده لا يدخل قلبَ الرجلِ الإيمانُ حتى يحبّكم لله ولرسوله), وفي رواية: (والله لا يدخل قلبَ امرئٍ إيمانٌ حتى يحبكم لله ولقرابتي).

لولا هواهم في القلوب وفي الحشا *** مــا ذاق قلب لــذة الإيــمان

نشأ الشيخ أبو بكر الحسيني حفظه الله في بيت خير وصلاح, وترعرع على حب الدين والفلاح, حتى واصل دراسته الأكاديمية في الشريعة الإسلامية, فنال ” البكالوريس”, ثم “الماجستير” في الدراسات القرآنية, ثم “الدكتوراة” في الفقه.

وللشيخ إطلاع واسع في علوم التاريخ والأنساب الشريفة, وكذا فقد اتقن القراءات العشر للقرآن, وله من الكتب المطبوعة:

1-  رسالة الماجستير في الدراسات القرآنية.

2-  رسالة الدكتوراة في الفقه.

3-  كتاب في أحكام التجويد.

وهذا من توفيق الله له, وإرادة الخير به, فعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين) [متفق عليه].

لذا فإن هذا هو السبب الثاني؛ لتوقير هذا الرجل الحسيني, وقد روى أبو عبد الله الحاكم والطبراني: عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه).

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه وإكرام ذي السلطان المقسط) [رواه أبو داود (4843) وحسنه النووي في “رياض الصالحين” (رقم/358) ، والذهبي في “ميزان الاعتدال” (4/565) ، وابن مفلح في “الآداب الشرعية” (1/434) ، والعراقي في “تخريج الإحياء” (2/245) وابن حجر في “تلخيص الحبير” (2/673) والشيخ الألباني في “صحيح أبي داود”].

وقال طاووس بن كيسان: “إن من السنة توقير العالم“.اهـ [واه عبد الرزاق وابن عبد البر في الجامع].

ما الفضــل إلا لأهل العلـم إنهـمُ *** على الهدى لم استهدى أدلاء

وقــدر كل امرء ما كـان يحسنـه *** والجاهلون لأهل العلم أعـداء

ولقد اجتمع في الشيخ أبي بكر ما تفرق في غيره؛ علم ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم, ونسب ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم! عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ قَالَ: “رَكِبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَأَخَذَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِرِكَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: لا تَفْعَلْ يَا ابْنَ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ. فَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا. فَقَالَ زَيْدٌ: أَرِنِي يَدَكَ. فَأَخْرَجَ يَدَهُ، فَقَبَّلَهَا زَيْدٌ وَقَالَ: هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ“. [رواه ابن سعد في الطبقات (2/360) والذهبي في السير (2/437) وابن الجوزي في صفة الصفوة (1/706) والحافظ في الإصابة (4/146) وجود إسنادها الحافظ في الفتح (11/57)].

ألا يا قاصداً أرض الرمادي *** وفجر الإنتصار بها تلالى

ألا أبلغ أبا بكر الحسيني *** نقيمك فوق هامتنا عقالا

وقد امتثل الشيخ الجليل ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: “تفقهوا قبل أن تسودوا“.اهـ [رواه البخاري تعليقاً مجزوماً به]؛ فلم يتنقل في مناصبه إلا بعد التفقه ومع التفقه, كما قال الإمام البخاري رحمه الله: “وبعد أن تسودوا فقد تعلم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كبر سنهم“.اهـ

فمن التدريس فالإمامة والخطابة في عدد من مساجد العراق, فالإمرة لبعض المجموعات الجهادية في العراق, فالعضوية في مجلس شورى المجاهدين, فالرئاسة على اللجان الشرعية والقضاء في دولة العراق الإسلامية, ثم أميراً لدولة العراق الإسلامية بمبايعة مجلس شورتها وأهل الحل والعقد فيها, حيث جاء التنصيص عليه في هذا البيان التاريخي:

“بيانٌ من مجلس شورى دولةِ العِراق الإسلاميّة

الحمدُ لله العزيز الحكيم القائل: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، والصّلاة والسلام على نبيّ الملحمة والرّحمة، الأمّي القُرشيّ القائل: (وأنا آمرُكم بخمسٍ الله أمرني بهنّ: بالجَماعة، والسّمع والطّاعة، والهجرة، والجهادِ في سَبيل الله، فإنه من خَرج من الجماعة قيدَ شِبر فقد خلعَ رِبقة الإسلام من عُنقه إلاّ أن يَرجع، ومن دَعا بدَعوى الجاهلية فهو مِن جثاء جهنّم)، وبعد..

فبعد الواقعة التي قدّر الله أن يُقتل فيها الشّيخان الجليلان، أمير المؤمنين بدولة العراق الإسلاميّة أبو عمر البغداديّ، ووزيره الأول أبو حمزة المُهاجر رحمهما الله وتقبّلهما في زمرة الشّهداء، انعقد مجلس شورى الدّولة الإسلاميّة مباشرة لحسم مسألة إمارةِ الدّولة، والتي آلت بفضل الله ومنّه إلى وِفق ما خطّط لها الشيخان الشّهيدان في مثل هذه الظّروف الخاصّة.

وظلّ مجلس الشّورى في حال انعقادٍ مستمرّ طيلة الفترة الماضية للقاء وزراء الدّولة وولاتها وأهل الحلّ والعقد وأصحاب الرأي فيها، ونبشّر أمّة الإسلام ونخصّ منهم طليعتها المُجاهدة، وفي مقدّمتهم شيوخُ الأمّة وقادة الجهاد في كلّ مكان، بأنّ الكلمة قد اجتمعت على بيعةِ الشّيخ المجاهد أبي بكر البغداديّ الحُسينيّ القرشيّ أميراً للمؤمنين بدولة العراق الإسلاميّة، وكذا على تولية الشيخ المجاهد أبي عبد الله الحَسنيّ القُرشيّ وزيراً أوّلا ونائباً له.

والشّيخان الفاضلان من أهلِ القدم الراسخة في العِلم والسّابقة في الدّعوة لدينِ الله والجهاد في سبيله نحسبهما كذلك والله حسيبُهما، نسأل الله أن يُسدّد رأيهما ويُقيّض لهما بطانةً صالحةً تأمُرهما بالخَير وتحضهما عليه، وأن يعصمهما ويُتمّ على يديهما ما بدأه الشّيخان الشّهيدان في رفع راية الجهاد والسّعي لتحكيم شرع الله وبناء دولة إسلاميّة قويّة عزيزة.

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

مجلسُ شورى دَولة العِراق الإسلاميّة”.اهـ [مركز الفجر للإعلام].

وبعد مضي بضعة أعوام, على بيعة هذا الإمام, امتد سلطان دولته إلى بعض ربوع الشام, ليكون الشيخ بذلك: “أمير المؤمنين في دولة الإسلام في العراق والشام”.. نسأل الله أن يأتي اليوم الذي نرى فيه شيخنا وقد جلس على كرسي الخلافة! وما ذلك على الله بعزيز..

لدين الله هَبّوا و استجابوا *** لصرخات الأرامل والثكالى

لِمَنْ مِنْ حدّةِ التوحيد أضحى *** يذيقَ الكفرَ أهوالاً ثقالا

فمدّوا كي نبايعه الأيادي *** فسوقُ البذلِ تستعر اشتعالا

[من شعر شاعر القاعدة].

وما كان هذا ليكون, لو كان الشيخ في سكون, بل لم يتحصل ذلك له –بعد فضل الله- إلا لعطائه المستمر, وبذله المثمر, إذ أنه لبس لأمة الحرب منذ عقد من الزمن ولم يخلعها بعد, وأقدم على الدواهي المدهية ولم يخف من أحد, ولم تلن له قناة ولا عُرف لتضحيته حد!

حيث ثار الشيخ منذ دخول الأمريكان إلى أرضه, ليدفع العدو الصائل على  دينه وعرضه, وكون جماعة سلفية جهادية أبلت في الأعداء بلاء حسنا, وواجهت ابتلاءات عديدة ومحنا..

أولئك قوم إن بنوا أحسنـوا البنـى *** وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا

وإن كانت النعماء فيهم جـزوا بهـا *** وإن أنعموا لا كدروهـا ولا كـدوا

أقلـوا عليهـم لا أبــا لأبيـكـم *** من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا!

[من شعر الحطيئة].

قال الله تعالى: (لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [الحديد: 10].

ثم قام الجهاد في العراق على سوقه, وتضعضع العدو وقرب نفوقه, فكون أهل الحل والعقد مجلس شورى المجاهدين, فانضم الشيخ إليه بمن معه من المجاهدين..

ثم جاء الفتح المبين, وسيطر الأجناد على كثير من المدن والقرى والميادين, فأعلونها دولة إسلامية, تحكم العباد بالكتاب والسنة النبوية, وعُين الشيخ حفظه الله قاضي الدولة, تُعرض عليه القضايا والمشاكل, وتُطرح عليه العويصات والنوازل..

وفي هذه المرحلة جهد الشيخ جهداً عظيماً؛ حيث كان يتنقل في الولايات, ويسمع لجميع الشكايات, ويجلس مع الكبير والصغير, والعظيم والحقير, ليحكم فيهم بحكم اللطيف الخبير..

وفي هذه الحقبة –أيضاً- كان يطوف بالقبائل والعشائر, وبالجماعات الجهادية وأجناد الإيمان والعساكر؛ يدعوهم لوحدة الصف ونبذ الفرقة والاختلاف, ويحاورهم في ذلك بحيادية تامة وإنصاف, ويطالبهم بالبيعة الشرعية لأمير المؤمنين –آنذاك- أبي عمر البغدادي رحمه الله, فاستجاب له من استجاب, من الشيب والشباب..

كما تولى في هذه الحقبة –أيضاً- اللجان الشرعية والإشراف عليها, ومراجعة كلمات بعض القادة وتصويب ما ند فيها..

قواف الشعر هيا للعراقِ *** لنمدح شيخنا ماح النفاقِ

ومنك إلى أبي بكر الحسيني *** وقولي شيخنا فمتى التلاقي؟!

أيا جبلاً على العلات يبقى *** ويا بحراً على الأهوال باقي

جهادك لم يزل كالبدر فينا *** جمعت الناس في درب الوفاقِ

ثم تحزب الأحزاب, من المرتدين والروافض وأهل الكتاب, فرموا الدولة الفتية عن قوس واحدة, حتى فُجع المسلمون بمقتل الشيخين –أبي عمر وأبي حمزة- في معركة واحدة!

قال الشيخ المجاهد أبو محمد العدناني حفظه الله: “وإننا والحمد لله لا نتلقى ضربة إلا ونزداد بها قوة وصلابة, ولما تجندل أبو عمر, قلنا أنىّ لنا بأمير كأبي عمر, فعلا في إثره أبو بكر, وما أدراكم من أبو بكر؟! إن كنتم تتساءلون عنه؛ فإنه حسيني قرشي من سلالة آل البيت الأطهار, عالم عامل عابد مجاهد, رأيت فيه عقيدة وجلد وإقدام وطموح أبي مصعب, مع حلم وعدل ورشد وتواضع أبي عمر, مع ذكاء ودهاء وإصرار وصبر أبي حمزة, وقد عركته المحن, وصقلته الفتن, في ثمان سنين جهاد يسقي من تلك البحار, حتى غدى جذيلها المحكك, وعذيقها المرجب, حري به أن يتقرب إلى الله بالغسل عن قدميه وتقبيلها, ودعوته أمير المؤمنين, وفدائه بالمال والنفس والولد, والله على ما شهدت شهيد..

ولو كان يمكنني لكشفت لكم عن اسمه ورسمه, وإني لأحسب أن الله عز وجل قد اختاره وحفظه وادخره لهذه الأيام العصيبة, فهنيئاً لكم يا أبناء الدولة بأبي بكر!“.اهـ

أولئك “أشياخي” فجئني بمثلهم* * إذا جمعتنا يا “خصيم” المجامع!

وعمل الشيخ بعلمه هو سبب ثالث؛ لحبه عند كل متحر للحق وعنه باحث, وهناك أسباب كثيرة, ومناقب غزيرة, لحب الشيخ وتوقيره, وكما قال زهير في مدح بن سنان [في ديوانه: 55]:

لو نال حي من الدنيا بمكرمة *** أفق السماء لنالت كفه الأفقا!

أما من لم يُقر بهذه المناقب؛ المتنقص من الشيخ وله ساب ثالب, فليكف عنا جشاءه! فإنه لم يسؤنا بل أساءه, ولقد أحسن الحطيئة حين هجا الزبرقان بن بدر –كما في ديوانه ص54-:

دعِ المكارمَ لا ترحلْ لبغيتها *** واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المحور الثاني: شبهات وردود, حول الأمير والجنود:

منذ زمن والشبهات تحوم حول الجهاد, والافتراءات تكال على رجالاته الآساد, وعزاؤنا أن علماء الحق وشيوخ التوحيد, قد قاموا بحوار أهلها والرد عليهم والتفنيد, وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “الراد على أهل البدع مجاهد“.اهـ [مجموع الفتاوى 4/13].

ولكن الذي أحزننا في الأيام الأخيرة, أن من تولى التسويق لبعض الشبهات هم من الصفوة والخيرة! وكما قال طرفة بن العبد:

وظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً *** عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ!

شديد على النفس أن تسمع أمثال هذه الشبه من مجاهد, وأشد عليها من ذلك؛ أن ترد على مجاهد! ولكن يخفف علينا أننا نرد على مجاهد في نصرة مجاهد, وما نحن إلا كالمرآة لإخواننا –نسأل الله أن يكتب الأجر لهم ولنا-؛ فعن أَنَس بن مالِك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ، قَالَ: (الْمُؤْمِنُ مِرْآةُ الْمُؤْمِنِ), وفي رواية عن أبي هريرة مرفوعاً بلفظ: (إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى شيئا فليمطه) [أخرجه أبو داود في سننه (8/49)، والبخاري في الأدب المفرد (239)، والبيهقي في الشعب، وابن وهب في الجامع, وقال الهيثمي المجمع (7/264): “رواه البزار والطبراني في الأوسط وفيه عثمان بن محمد من ولد ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال ابن القطان: الغالب على حديثه الوهم، وبقية رجاله ثقات”.].

ونحن هاهنا نرد على أبرز السؤالات, ونناقش أشهر الشبهات, (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) [الأنفال: 42].

أولاً: هل توفرت في الشيخ أبي بكر البغدادي شروط الإمامة؟

إن شروط الإمامة الكبرى هي ما قرره أئمة الإسلام, مدللين على ذلك بكتاب الله وسنة خير الأنام –عليه الصلاة والسلام-, ولا يُلتفت إلى ما نصت عليه أعراف الدول المعاصرة, أو ما قررته الأمم المتحدة الجائرة!

قال الإمام بدر الدين بن جماعة رحمه الله في شروط الإمامة: “فلأهليتها عشر شروط وهي: أن يكون الإمام ذكراً, حراً, بالغاً, عاقلاً, مسلماً, عدلاً, شجاعاً, قرشياً, عالماً, كافياً لما يتولاه من سياسة الأمة ومصالحها. فمتى عقدت البيعة لمن هذه صفته -ولم يكن ثمة إمام غيره- انعقدت بيعته وإمامته؛ ولزمت طاعته في غير معصية الله ورسوله –صلى الله عليه وآله وسلم-“.اهـ [تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام ص51, وانظر الروضة 10/42, والأحكام السلطانية للماوردي 6, وغياث الأمم 69].

قال السفاريني في منظومته:

وشرطه الإسلام والحريـة *** عدالة سمع مع الدريـة

وأمير المؤمنين أبو بكر الحسيني –كما مر معنا في المحور الأول- قد توفرت فيه كل هذه الشرائط, ولم يتخلف في حقه لا الشروط الواجبة ولا الشروط المستحبة.

ثانياً: كيف تصح إمرة الشيخ أبي بكر البغدادي ولم يبايعه كل الناس؟

لا يشترط بيعة كل الناس, بل ولا كل أهل الحل والعقد, بل يكفي أن يبايعه ما تيسر من أهل الحل والعقد, قال الإمام النووي في شرح مسلم -بعد أن ذكر تأخر علي بن أبي طالب عن بيعة أبي بكر رضي الله عنهما-: “ومع هذا فتأخره ليس بقادح في البيعة ولا فيه، أما البيعة فقد اتفق العلماء على أنه لا يشترط لصحتها مبايعة كل الناس ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يشترط مبايعة من تيسر اجتماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس“.اهـ [12/77].

وهذا قول الإمام ابن خلدون [انظر: المقدمة], وشيخ الإسلام ابن تيمية وغيرهم.

بل قد ذهب بعض العلماء إلى أنها تنعقد بواحد من أهل الحل والعقد مطلقاً. وهذا قول أبي الحسن الأشعري كما ذكر البغدادي، وابن حزم في “الفصل” 3/85, وهو قول الإيجي في “المواقف”, والقرطبي في “الجامع لأحكام القرآن 1/269, والباقلاني, وغيرهم, واستدلوا: ببيعة أبي بكر إذ أن عمر هو الذي بايعه.

وبقول العباس لعلي يوم السقيفة: “امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن عمه، فلا يختلف عليك اثنان” وبأن العقد حكم، وحكم الواحد نافذ.

كما استدل ابن حزم بأن أهل الشورى الذين عهد إليهم عمر تبرؤوا من الاختيار وجعلوه إلى واحد، وهو عبد الرحمن بن عوف، قال “فقد صح إجماعهم على أن الإمامة تنعقد بواحد“.اهـ

وقال القلقشندي في “مآثر الأناقة” [1/42]: “والثامن – وهو الأصح عند أصحابنا الشافعية رضي الله عنهم -؛ أنها تنعقد بمن تيسر حضوره وقت المبايعة في ذلك الموضع من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس المتصفين بصفات الشهود حتى لو تعلق الحل والعقد بواحد مطاع كفى“.اهـ

ومن قائلٍ أنها تنعقد بواحد بشرط حصول الشوكة ببيعته، وهذا قول الجويني والغزالي.

قال الإمام الغزالي رحمه الله: “ولو لم يبايعه غير عمر وبقي كافة الخلق مخالفين، أو انقسموا انقساماً متكافئاً لا يتميز فيه غالب عن مغلوب لما انعقدت الإمامة، فإن شرط ابتداء الانعقاد قيام الشوكة وانصراف القلوب إلى المشايعة”.اهـ [فضائح الباطنية: 176-177].

وقال الإمام الجويني رحمه الله: “ولكني أشترط أن يكون المبايِع ممن تفيد مبايعته مُنةً واقتهارا”.اهـ [الغياثي: 72].

أما اشتراط مبايعة كل أهل الحل والعقد فهو قول المعتزلة, وأما اشتراط مبايعة كل الناس فهو قول الديمقراطيين, فلينظر المعارض بأي النفسين يتكلم!

وأمير المؤمنين أبو بكر البغدادي حفظه الله قد تمت له الإمرة بمبايعة من توفر من أهل الحل والعقد, كما جاء في بيان الدولة الذي مر معنا –في المحور الأول-: “وظلّ مجلس الشّورى في حال انعقادٍ مستمرّ طيلة الفترة الماضية للقاء وزراء الدّولة وولاتها وأهل الحلّ والعقد وأصحاب الرأي فيها، ونبشّر أمّة الإسلام ونخصّ منهم طليعتها المُجاهدة، وفي مقدّمتهم شيوخُ الأمّة وقادة الجهاد في كلّ مكان، بأنّ الكلمة قد اجتمعت على بيعةِ الشّيخ المجاهد أبي بكر البغداديّ الحُسينيّ القرشيّ أميراً للمؤمنين بدولة العراق الإسلاميّة“.اهـ

ثالثاً: كيف تُقر إمرة الشيخ أبي بكر البغدادي وقد تغلب على بعض المناطق بالقوة وليس ببيعة أهل الحل والعقد فيها؟

إن المناطق التي تغلب عليها جنود الشيخ أبي بكر البغدادي حفظه الله كانت تحت أيد تحكمها بغير شريعة الله تعالى, واستلاب الأرض من أولئك بالقوة هو ذروة سنام الإسلام, قال الله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39)) [الأنفال].

بل حتى لو أخذها الشيخ حفظه الله من حكام مسلمين حاكمين بالشريعة, لوجب السمع والطاعة له في غير معصية ما دام محكماً للشريعة, وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله فقال: “وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأنّ طاعته خير من الخروج عليه، لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء“.اهـ [فتح الباري 13/7].

وقال شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله: “الأئمة مجمعون من كل مذهب على أنّ من تغلَّب على بلد أو بلدان، له حكم الإِمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل، قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمام واحد“.اهـ [الدرر السنية في الأجوبة النجدية 7/239].

رابعاً: كيف تصح بيعة الشيخ أبي بكر البغدادي وهو مجهول؟

لقد تقدم في المحور الأول أن الشيخ أبا بكر البغدادي ليس بمجهول, بل هو من الأعلام الفحول!

نعم؛ قد يخفى اسمه ورسمه على بعض العوام, أو بعض القاعدين من أهل الخصام!

هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ *** وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَمُ

وَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَن هذا؟ بضَائرِه *** العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجمُ!

وحتى لو كان مجهولاً عند العامة, فلا مطعن في هذه الولاة والإمامة, قال الإمام الماوردي رحمه الله: “(فصل) فإذا استقرت الخلافة لمن تقلدها إما بعهد أو اختيار لزم كافة الأمة أن يعرفوا إفضاء الخلافة إلى مستحقها بصفاته، ولا يلزم أن يعرفوه بعينه واسمه إلا أهل الاختيار الذين تقوم بم حجة وببيعتهم تنعقد الخلافة..”

إلى أن قال: “والذي عليه جمهور الناس أن معرفة الإمام تلزم الكافة على الجملة دون التفصيل، وليس على كل أحد أن يعرفه بعينه واسمه إلا عند النوازل التي تحوِج إليه، كما أن معرفة القضاة الذين تنعقد بهم الأحكام، والفقهاء الذين يفتون في الحلال والحرام تلزم العامة على الجملة دون تفصيل إلا عند النوازل المحوجة إليهم، ولو لزم كل واحد من الأمة أن يعرف الإمام بعينه واسمه للزمت الهجرة إليه ولما جاز تخلف الأباعد ولأفضى ذلك إلى خلو الأوطان ولصار من العرف خارجا وبالفساد عائدا“.اهـ [الأحكام السلطانية للماوردي ص 15].

وقال الإمام أبو يعلى رحمه الله: “ولا يجب على كافة الناس معرفة الإمام بعينه واسمه، إلا من هو من أهل الاختيار الذين تقوم بهم الحجة وتنعقد بهم الخلافة“.اهـ [الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص 27].

ومن طعن في إمرة الشيخ أبي بكر البغدادي حفظه الله لجهالته –عنده- فليطعن في إمرة عمر بن عبد العزيز رحمه الله, وكذا نلزمه بأن يطعن في الخلافة العباسية برمتها!

فقد عَهِدَ الخليفة عبد الملك بن مروان لبنيه بالخلافة من بعده، فتولى الوليد ثم سليمان، فلما حُضِرَ سليمان أشار عليه التابعي الجليل رجاء بن حَيْوَة بأن يَعْهَد إلى عمر بن عبد العزيز.

قال الإمام السيوطي رحمه الله: “قال –رجاء- تستخلف عمر بن عبد العزيز، قال –سليمان- أتخوف إخوتي لا يرضون قال: تُوَلِّي عمرَ ومن بعده يزيدَ بن عبد الملك، وتكتب كتابا وتختم عليه وتدعوهم إلى بيعته مختوما، قال: لقد رأيت”.اهـ [تاريخ الخلفاء ص 226].

وقال الإمام ابن كثير إن سليمان كتب: “بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز، إني قد وَلَّيته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم. وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب الشرطة، فقال له: أجمع أهل بيتي فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوما، فمن أبي منهم ضرب عنقه. فاجتمعوا ودخل رجال منهم فسلموا على أمير المؤمنين، فقال لهم، هذا الكتاب عهدي إليكم، فاسمعوا له وأطيعوا من وليت فيه، فبايعوا لذلك رجلا..”

إلى أن قال ابن كثير: “قال -رجاء بن حَيْوَة- فَحَرَّفته إلى القبلة فمات رحمه الله،. فغطيته بقطيفة خضراء وأغلقت عليه وأرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق، فقلت: بَايِعوا لمن في هذا الكتاب، فقالوا قد بايعنا، فقلت:  بايعوا ثانية، ففعلوا، ثم قلت قوموا إلى صاحبكم فقد مات، وقرأت الكتاب عليهم“.اهـ [البداية والنهاية 9/182].

فصحت بيعة الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز مع أن بيعته تمت لمجهول!

وهكذا حصل في البيعة لبني العباس, فقد كان بدأ الدعوة إليها بدعوة الناس لبيعة الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم، هكذا دون تحديد لشخصية أمير هذه الدعوة، وكان هذا متعمدا، لحرص العباسيين على كسب شيعة العلويين إلى دعوتهم، وآل محمد صلى الله عليه وسلم  تشتمل العلويين والعباسيين، فالمبايع له في هذه الدعوة هو شخص مجهول بالنسبة  لأغلبية من بايع باستثناء النقباء وكبار الدعاة الذين كانوا يعرفون صاحب الدعوة باسمه وعينه. [انظر البداية والنهاية  9/321، 10/5، 25، 30، 31، 39 ـ 42, نقلاً عن العمدة بتصرف].

وقال الإمام السيوطي رحمه الله: “بعث محمدٌ –أي: ابن علي بن عبد الله بن عباس- رجلا إلى خراسان وأمره أن يدعو إلى الرضى من آل محمد صلى الله عليه وسلم  ولا يسمي أحدا، ثم وجه أبا مسلم الخراساني وغيره، وكتب إلى النقباء فقبلوا كتبه”.اهـ [تاريخ الخلفاء ص 257].

خامساً: كيف تصح إمرة الشيخ أبي بكر البغدادي وليس لديه التمكين التام؟

لقد علم القاصي والداني, بل وحتى العدو الجاني, بتمكين دولة البغدادي في الديار, فوضعوا على رأس الشيخ عشرة ملايين “دولار”! والعرب تقول: “الحق ما شهدت به الأعداء!”.

ولكن هذا التمكين ليس بتام على كل البقاع, بل هو يتفاوت من مكان إلى آخر..

ومن قال بوجوب التمكين التام والعام فهذا لم يعرف دولة النبوة الأولى!

روى الإمام القرطبي رحمه الله في تفسيره (12/272) عن أبي العالية قال: “مكث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة عشر سنين بعدما أوحي إليه خائفاً هو وأصحابه يدعون إلى الله سراً وجهراً، ثم أمر بالهجرة إلى المدينة وكانوا فيها خائفين يصبحون ويمسون في السلاح، فقال رجل: يا رسول الله أما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال عليه السلام: لا تلبثون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليس عليه حديدة، ونزلت هذه الآية، وأظهر الله نبيه على جزيرة العرب، فوضعوا السلاح وأمنوا“.اهـ

ومما يستأنس به في هذا الباب ما ضُبطت به الزيادة التي رواها مسلم في المتابعات من حديث حذيفة: (وإن ضرب ظهرك، وأخذ مالك) حيث ضُبطت اللفظة على المبني للمجهول: (وإن ضُرب ظهرك، وأُخذ مالك) كما في: [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح 15/344].

ويؤيد هذا المعنى ويزيده وضوحاً ما جاء في رواية أبي داود الطيالسي وغيره لحديث حذيفة وفيه التحذير من دعاة الفتنة حيث ورد في روايته: (ثم تنشأ دعاة الضلالة فإن رأيت يومئذ لله عز وجل في الأرض خليفة، فالزمه وإن ضُرب ظهرك وأُخذ مالك).

بمعنى أنه يجب لزوم الإمام المسلم وعدم الخروج عليه وإن كان في زمن فتنة يعرضك للضرب والنهب من قبل أصحاب الفتنة، وليس للإمام شوكة تامة على كل البقاع بحيث يقضي على أصحاب الفتنة الذين يتضرر منهم عامة الداخلين تحت ولاية الإمام بسبب امتحانهم وعقوباتهم –التي منها ضرب الظهر وأخذ المال-.

كما حصل من قِبل الخوارج في امتحانهم للناس أيام إمرة –جد البغدادي- أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى إن عبد الله بن خباب بن الأرت رحمه الله لم يخلع بيعته لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه بسبب وقوعه في أيدي الخوارج مما تسبب بقتله وزوجه! [انظر: ما رواه ابن أبي شيبة 8/732، والدارقطني 3/131، والبداية والنهاية 7/288].

سادساً: كيف تكون الإمرة للشيخ أبي بكر البغدادي على الشام ولم تتم بموافقة جميع أهل الحل والعقد على هذه النقلة؟

إن مشاورة الأمير لأهل الحل والعقد من حيث الأصل على الاستحباب لا الوجوب, وهذا قول عامة الفقهاء, بل نقل الإمام النووي رحمه الله الإجماع على ذلك, فقال: “وفيه التشاور في الأمور لاسيما المهمة وذلك مستحب في حق الأمة بإجماع العلماء..”.اهـ [صحيح مسلم بشرح النووي 4/76].

ولو شاور الإمام أهل الحل والعقد فأجمعوا على أمر أو قال أغلبهم بأمر لما لزم الإمام اتباعهم, على عكس قول بعض المعاصرين الذين أصيبوا بلوثات الديمقراطية! قال الإمام النووي رحمه الله: “وفيه أنه ينبغي للمتشاورين أن يقول كل منهم ما عنده ثم صاحب الأمر يفعل ما ظهرت له مصلحة. والله أعلم”.اهـ [صحيح مسلم بشرح النووي 4/76].

وقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: “وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر، وإمام الصلاة والحاكم وأمير الحرب وعامل الصدقة يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه، فإن مصلحة الجماعة والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية“.اهـ [شرح العقيدة الطحاوية ص 424].

ومع ذلك فإن أمير المؤمنين أبا بكر البغدادي حفظه الله قد شاور أهل الحل والعقد ووافقوه على ما عزم عليه, حيث قال الشيخ في هذا الصدد: “وقد عقدنا العزم بعد استخارة الله تعالى, واستشارة من نثق بدينهم وحكمتهم..”.اهـ

وكون الأمير لم يستشر عامله على الشام –إن صح ذلك-, فهو لا يؤثر, إذ أن عامل الإمام عليه أن يسمع ويطيع فيما أحب أو كره, بل حتى في عزله لو عزله, كما أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعزل خالد بن الوليد, وأرسل بعزل سعد بن أبي وقاص.. وغير ذلك من الأحداث المعروفة, ولم يؤثر عن أحدهم أنه رفض قول الأمير بحجة أنه لم يُستشر أو يُستأمر؛ عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (السمع والطاعة على المرء فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) [متفق عليه]، وتأمل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وكَرِه)؛ أي: فيما يأمر به الأمير من التكاليف الثقيلة على النفس مما ليس بمعصية كما في حديث عبادة مرفوعاً: (مَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا) [متفق عليه].

المحور الثالث: نصائح سريعة, لآساد الشريعة:

عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الدين النصيحة) –ثلاثا- قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) [أخرجه مسلم].

فأمر النصيحة في دين الله كبير, وأجر الناصح –بعون الله- كثير, فعلى المسلم أن يكون ناصحاً من حيث الابتداء, فإن طُلبت منه فهي آكد لآصرة الدين والإخاء, فعن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (حق المسلم على المسلم ست..)؛ وذكر منها: (وإذا استنصحك فانصح له) [أخرجه مسلم].

وقد أتتني الرسائل في إثر الرسائل, تطالبني بالنصح في هذه المسائل, فاستعنت بالله الرحيم, على هذا الأمر العظيم..

أولاً: إلى جنود دولة الإسلام, في العراق والشام:

إلى الأبطال الميامين, فرسان الميادين, من باعوا الدنيا للدين, إلى أسود الساحات, رافعي أفضل الرايات, والماضين رغم الشبهات, إلى مجلس الشورى في الدولة, وإلى وزرائها وقاداتها وجنودها, إليهم جميعاً:

نصيحتي لكم, وليس مثلي ينصح مثلكم؛ عليكم بطاعة الأمير في المعروف, مهما اشتدت الأمور وتعسرت الظروف, قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)) [النساء].

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يَعصِ الأمير فقد عصاني) [متفق عليه، وهذا لفظ مسلم، وعند البخاري (أميري) بدل (الأمير) وكذلك لمسلم].

وعن أبي هريرة –أيضاً- عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك) [أخرجه مسلم].

قال الإمام النووي رحمه الله: “قال العلماء: معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصية..”.

إلى أن قال: “والأثرة هي الإستئثار والإختصاص بأمور الدنيا عليكم، أي اسمعوا وأطيعوا وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم، وهذه الأحاديث في السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم“.اهـ [شرح النووي على مسلم 12/224 ـ 225]. والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة..

وحذار من نزع اليد من طاعة, أو مفارقة الجماعة, لأجل بعض الشبهات من هنا أو هناك, أو بعض المصالح في هذا أو ذاك! فعن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً: (من كره من أميره شيئا فليصبر، فإن من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) [متفق عليه].

وفي رواية أخرى لابن عباس مرفوعاً: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية).

قال الإمام الطحاوي رحمه الله: “ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا، وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يدا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله فريضة ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة”.اهـ [انظر: شرح العقيدة الطحاوية 428].

وما أجمل ما وصلني –بالإسناد العالي- عن الشيخ المجاهد عثمان آل نازح حفظه الله, أنه لما قيل له: هل فعلاً خرجت ونقضت البيعة؟ قال: “والله لو لم يبق إلا أنا وأبو بكر ما نقضت البيعة“!

وعليكم –وجوباً لا استحباباً- توقير أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي حفظه الله وتبجيله واحترامه, وتعزيره في السر والعلن وإكرامه, وقد بوب الأئمة في كتب السنة في ذلك, كما صنع الإمام ابن أبي عاصم في كتابه السنة فقال: ” باب: في ذكر فضل تعزيز الأمير وتوقيره“, وأخرج فيه أحاديث عديدة, منها:

عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (خمس من فعل واحدة منهن كان ضامنا على الله: من عاد مريضا، أو خرج مع جنازة، أو خرج غازيا، أو دخل مع إمامه يريد تعزيزه وتوقيره، أو قعد في بيته فسلم الناس منه وسلم من الناس).

وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (السلطان ظل الله في الأرض فمن أكرمه أكرمه الله، ومن أهانه أهانه الله).

وعنه أيضاً قال: (من أَجلَّ  سلطان الله أجلّه الله يوم القيامة).

فالله الله في الأمير يا رجالات الإسلام, أضفوا عليه من التوقير والإكرام, وادفعوا عنه كل عادية أو أذى, وما عهدناكم إلا هكذا..

وليقل آحادكم: “هذا أميري فليرني امرؤ أميره!”.

ثانياً: إلى أمراء الجماعات الجهادية, وشيوخ العشائر الأبية:

إلى من قاتل في سبيل الله وما زال يقاتل, وبذل النفس والنفيس لدفع العدو الصائل, إلى أمراء الجماعات ورؤوس القبائل..

أما آن لكم أن تتكاتفوا مع إخوانكم؟ وتؤسسوا وتشيدوا دولتكم؟ فإن العدو قد اتحد لحربكم, فاتحدوا لحربه, وسار بأجناده إليكم فاقطعوا عليه دربه!

يروى أن المهلب بن أبي صفرة لما أشرف على الوفاة، استدعى ابناءه السبعة.. ثم أمرهم بإحضار رماحهم مجتمعة، وطلب منهم أن يكسروها، فلم يقدر أحد منهم على كسرها مجتمعة، فقال لهم: فرقوها، وليتناول كل واحد رمحه ويكسره، فكسروها دون عناء كبير، فعند ذلك قال لهم: “اعلموا أن مثلكم مثل هذه الرماح، فما دمتم مجتمعين ومؤتلفين يعضد بعضكم بعضاً، لا ينال منكم اعداؤكم غرضاً، أما إذا اختلفتم وتفرقتم، فإنه يضعف أمركم، ويتمكن منكم أعداؤكم، ويصيبكم ما أصاب الرماح:

كونوا جميعاً يا بنيّ إذا اعترى *** خطب ولا تتفرقوا آحادا

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسراً *** وإذا افترقن تكسرت أفرادا

ففي اتحادكم وتلاحمكم مع الدولة الإسلامية عز وتمكين, ونصر وفتح مبين.. وقبل هذا وذاك طاعة لرب العالمين, قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)) [الصف]. قال سعيد بن جبير رحمه الله: “هذا تعليم من الله للمؤمنين“.اهـ [النكت والعيون 5/528].

أيها الأكابر والقادة, يا أهل السؤدد والريادة: إن كنتم ترون أنفسكم أقراناً للشيخ الأمير, أو أنه دونكم في الفضل والخير! فتواضعوا للحق, ولا تترفعوا على الخلق.. قال الحسن بن علي رضي الله عنهما في خبطة الصلح والتنازل عن الإمارة لمعاوية رضي الله عنه: “ما بين جابلص وجابلق رجل جده نبي غيري، وإني رأيت أن أصلح بين أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وكنت أحقهم بذاك، ألا إنا قد بايعنا معاوية ولا أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين“.اهـ [أخرجه أحمد من طريق ابن سيرين].

وفي رواية الشعبي رحمه الله أنه قام فخطب على المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “أما بعد: فإن أكيس الكيس التُّقى، وإن أحمق الحمق الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية؛ إما كان حقاً لي تركته لمعاوية إرادة صلاح هذه الأمة وحقن دمائهم، أو يكون حقاً كان لامرئ كان أحق به مني ففعلت ذلك (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)“.اهـ [رواه الطبراني، والبيهقي، والحاكم، وابن سعد، وأبو نعيم، وغيرهم].

ولما قال نفير الحضرمي للحسن بن علي رضي الله عنهما: إن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة! قال الحسن جواباً عليه: “كانت جماجم العرب بيدي، يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها ابتغاء وجه الله“.اهـ [البداية والنهاية 11/206].

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فوائد رواية الصلح: “منقبة للحسن بن علي، فإنه ترك الملك لا لقلة، ولا لذلة، ولا لعلة، بل لرغبته فيما عند الله، لما رآه من حقن دماء المسلمين، فراعى مصلحة الدين ومصلحة الأمة“.اهـ [انظر: فتح الباري 13/71-72].

ولما كان من المتقرر شرعاً: أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً، لم يذهب ما فعله الحسن سدى، بل أخلفه الله خيراً وهدى، قال الإمام ابن القيم رحمه الله في شأن المهدي: “أنه رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم، من ولد الحسن بن علي، يخرج في آخر الزمان.. وفي كونه من ولد الحسن سر لطيف، وهو أن الحسن رضي الله عنه ترك الخلافة لله، فجعل الله من ولده من يقوم بالخلافة الحق، المتضمن للعدل الذي يملأ الأرض، وهذه سنة الله في عباده، أنه من ترك شيئاً أعطاه الله أو أعطى ذريته أفضل منه..“.اهـ [المنار المنيف].

وبتنازل الحسن لمعاوية بن أبي سفيان، لأجل وجه الله الرحيم الرحمن، سمي ذلك العام بـ”عام الجماعة“، وعلى أثره اندحر الكفر وتلاشت أطماعه، فعادت الفتوحات من جديد، وصارت الصولة لأهل التوحيد، فعن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: “قد رأيت أن أعمد إلى المدينة فأنزلها وأخلي بين معاوية وبين هذا الحديث، فقد طالت الفتنة، وسقطت فيها الدماء، وقطعت فيها الأرحام، وقطعت السبل، وعُطَّلت الفروج –يعني الثغور-“.اهـ [الطبقات 1/331].

وعن أبي زرعة الدمشقي رحمه الله أنه: “لما قتل عثمان، واختلف الناس، لم تكن للناس غازية، ولا صائفة، حتى اجتمعت الأمة على معاوية“.اهـ [مرويات خلافة معاوية ص310].

وعن أبي بكر المالكي: “فوقعت الفتنة.. واستشهد عثمان رضي الله عنه، وولي بعده علي رضي الله عنه، وبقيت إفريقية على حالها إلى ولاية معاوية رضي الله عنه“.اهـ [رياض النفوس 1/27].

فمدوا الأيادي, لبيعة البغدادي, و(يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)! [أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعاً, وبمعناه عند البخاري].

ولتشنجوا أسماعنا, بقولكم -زرافات ووحدانا-:

وأنت أميرنا رغم الأعادي *** بحبك قد شهدنا باتفاقِ

أمير الدولة العظمى أميري *** وهذي بيعتي قبل الفراقِ

أبايع شيخنا البطل الحسيني *** أميراً للشآم وللعراقِ

ولا أخفيكم يا أهل الإقدام والمضي؛ أن عجبي لا ينقضي؛ من بعض الناس –ليسوا من بينكم- رضوا ببيعة الطاغوت لسنين, ولم يرضوا ببيعة أمير المؤمنين!

 

ثالثاً: إلى أبناء الشام؛ من علماء وطلبة علم وعوام:

إلى أهل اليُمن والخير, إلى المُزَكيَن على الغير, إلى خير أهل الصلاح والرشاد, إلى خير العساكر والأجناد, الذي جاءت الوصاية بهم وعليهم, كما أخرج الحاكم “4/ 510″، وأحمد “5/ 33″، وابن عساكر “1/ 47-56” وغيرهم: عن عبد الله بن حوالة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ستنجدون أجنادًا، جُنْدًا بالشام، وجُنْدًا بالعراق، وجندًا باليَمَنِ), قال عبد الله: فقمت، قلت: خِرْ لي يا رسول الله! فقال: (وعليكم بالشام، فمن أبى فليلحق بيمنه، وليستق من غُدُرِه، فإن الله -عز وجل- قد تكفَّل لي بالشام وأهله).. قال ربيعة: فسمعت أبا إدريس يحدث بهذا الحديث، يقول: “ومن تكفَّل الله به فلا ضيعة عليه“!

وعن زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام، يا طوبَى للشام), قالوا: يا رسول الله! وبِمَ ذلك؟ قال: (تلك ملائكة الله باسطو أجنحتها على الشام). [أخرجه الترمذي 2/331, وصححه الألباني].

فأرضكم مباركة طيبة, بلا شك أو ريبة, ولكن كما قال سلمان الفارسي لأبي الدرداء -رضي الله عنهما: “إن الأرض المُقدسة لا تقدس أحدًا، وإنما يُقدس الإنسان عمله“! [رواه مالك في “الموطأ” 2/235].

فأوصيكم بالأعمال الصالحة النبيلة, والأخلاق الفاضلة الأصيلة, ومنها جهاد الكفار وسل السيوف, ووحدة الكلمة مع المؤمنين ورص الصفوف, لاسيما مع من أحسن إليكم وبذل المعروف!

تذكرون –جيداً- يا أهل الشام, أنكم خُذلتم من سائر الحكام! عدا الشيخ أبي بكر البغدادي حفظه الله, فقد فداكم بماله ورجاله, وباشر بنفسه حرب بشار وقتاله, حتى حرر من بلادكم أرضاً واسعة, وأمّن منها ربوعاً شاسعة, قال أمير المؤمنين أبو بكر الحسيني حفظه الله: “وأما في الشام فقد انشئوا خلايا تقتصر على الإعداد والإمداد, تنتظر فرصة لمتابعة مسيرة الرقي الذي يجب أن يستمر, فلما وصل الحال في الشام إلى ما وصل؛ من سفك للدماء وانتهاك للأعراض, واستنجاد أهل الشام وتخلي أهل الأرض عنهم, ما كان لنا إلا أن نهب لنصرتهم, فانتدبنا الجولاني, وهو أحد جنودنا, ومعه مجموعة من أبنائنا, ودفعنا بهم من العراق إلى الشام على أن يلتقوا بخلايانا في الشام, ووضعنا لهم الخطط, ورسمنا لهم سياسة العمل, ورفدناهم بما في بيت المال مناصفة في كل شهر, وأمددناهم بالرجال ممن عركوا ساحة الجهاد وعركتهم, من المهاجرين والأنصار, فأبلوا إلى جانب إخوانهم من أبناء الشام الغيارى أيما بلاء, وامتد نفوذ الدولة الإسلامية إلى الشام..”اهـ [وبشر المؤمنين].

وقال الشيخ أبو محمد الجولاني: “ثم شرفني الله بالتعرف على الشيخ البغدادي, ذلك الشيخ الجليل, الذي وفى لأهل الشام حقهم..”

إلى أن قال: “ثم أردفنا بشطر مال الدولة رغم أيام العسرة التي كانت تمر بهم..”.اهـ

ولله در دعبل الخزاعي حين قال كما في ديوانه 1/182:

وليس الفتى المعطي على اليُسر وحدَه *** ولكنه المعطي على اليسرِ والعسرِ!

فحري بكم –يا أهل الشام- وأنتم أهل الوفاء؛ الوفاء, ببيعته أميراً عليكم فهو من خير الأمراء! قال الله تعالى: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60)) [الرحمن].

وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (مَن صَنَعَ إِليكُم مَعرُوفًا فَكَافِئُوه، فَإِن لَم تَجِدُوا مَا تُكَافِئُوا بِهِ فَادعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوا أَنَّكُم قَد كَافَأتُمُوهُ) [أخرجه أبو داود في سننه برقم “5109”، والنسائي في الزكاة باب “72”: من سأل بالله عز وجل “5/ 61” وأحمد “2/ 68، 99″، والبيهقي “4/ 199″، والحاكم في “المستدرك” “1/ 103” وقال: “هذا حديث صحيح على شرط الشيخين”].

بل إن المتأمل في سيرة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم يجده يشكر الكافر على معروفه إلينا فكيف بالمؤمن؟!

وليس أدل على ذلك مما رواه البخاري في صحيحه من قول النبي صلى الله عليه وسلم بعد غزوة بدر في شأن أسارى المشركين: (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له) أي لفك أسارهم جميعا شكرا له؛ وذلك لأنه كان قد عمل على إجارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحمايته لما رجع من الطائف إلى مكة ..وقيل أن سبب ذلك أنه كان من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب, فتأملوا!

الخاتمة –نسأل الله حسن الخاتمة-:

هنيئاً يا أسود دولة الإسلام بالشيخ أبي بكر أميراً لكم, وهنيئاً للشيخ أبي بكر بكم, فنعم الدولة ونعم أميرها, وتعساً لمبغضيها وشانئيها!

لقد أثبتم وبكل جدارة, أنكم الأجدر على مواجهة العدو غارة بعد غارة! ولقد اجتمع عليكم كل لعين, فصاروا أثراً بعد عين! قال الله تعالى: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (3)) [الكوثر].

قيل للإمام أبي بكر بن عياش رحمه الله: إن بالمسجد قومًا يجلسون ويجلس إليهم، فقال: “من جلس للناس جلس الناس إليه، ولكن أهل السنة يموتون ويحيى ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم، لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول، فكان لهم نصيب من قوله: (ورفعنا لك ذكرك), وأهل البدعة شنؤا ما جاء به الرسول فكان لهم نصيب من قوله: (إن شانئك هو الأبتر)“.اهـ [نقله القرطبي في تفسيره].

وإني لأحسب أنه لم يبق على النصر إلا القليل, بعون الواحد الجليل, فقد ابتليتم وامتحنتم, فصبرتم وأيقنتم.. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ (24)) [السجدة]. فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين“.اهـ [مجموع الفتاوى 3/358].

وقال العماد ابن كثير رحمه الله: “قال بعضُ العلماء: بالصبر واليقين، تُنال الإمامة في الدين“.اهـ [تفسير القرآن العظيم 3/572].

فـ(اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128], وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين..

وكتب: أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري

13/رمضان/1434هـ

أنَا ما كَتبتُ لكَي أُمجِّدَ طاغِياً *** حَاشاكَ – يَا قَلَمَ العُلا – حَاشَاكا

يَا ربِّ، عطِّرْ لي حُروفيَ بِالرِّضَا *** مَا ضلَّ مَن يسعَى لِنَيلِ رِضاكا

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s