رسالة قيمة [موجبات الانضمام للدولة الإسلامية في العراق والشام] للشيخ أبي الحسن الأزدي


KkMB3

للتحميل

https://archive.org/download/daolh1/daolh1.pdf

https://archive.org/download/daolh1/daolh1.doc

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مؤسسة المأسدة الإعلامية

تقدم

رسالة قيمة بعنوان :

 

موجبات الانضمام

للدولة الإسلامية في العراق والشام

(اعتراضات و جوابات)

بقلم الشيخ : أبي الحسن الأزدي حفظه الله

 

 

 

 

1434 هـ | 2013 م

 

 

 

 

بسم  الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذاكر لمن ذكره، الواعد بنصر من نصره، جعل الجنة مستقراً لأوليائه البررة، والنار مثوىً لأعدائه الكفرة، والصلاة والسلام على النبي الخاتم المستقيم لربه كما أمره، وعلى آله وصحبه ومن تقفا من بعدهم أثره.

وبعد:

فإن الخُلْف بين المسلمين ظاهرة ليست ببدع من الأحوال التي تحل بساحتهم! واختلاف الناس في المدارك والعلوم والعقول، وتباينِ حظوظهم من نوازع النفوس ولماتِ القلوب، وتعددِ مراتبهم في خشية الله وتقواه والإيمانِ به واليقينِ من نظره ومراقبته وعلمه بالغيب والشهادة، كل ذلك وما إليه محتِّم في قدر الله وسنته حصولَ الاختلاف، وليس من مجتمع فاضلٍ إلا ويقع فيه من محتوم هذا القدر، وما الشأن في ذلك أنه يقع، لكن الشأن في موجِب وقوعه، وحال المسلم وشأنه مع ذلك الواقع!

ليس من ضير أن يقع اختلاف بين أهل الجادة الواحدة ما دام الموجِب له صحيح النظر، والمـُتغيا من ورائه إصابة الحق، والظفر بمرضاة الله، مع حفظ حق المخالف، ورعاية عهد الأُخوّة وجامعةِ المسلك.

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: (وقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه! لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف، فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحداً، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر، كما تقدم من اختلاف الصحابة، فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة[1]).

لكنك إذ ترى في الخلاف من يتخوض فيه بأضداد المـُؤمَّل! ويسارع فيه من غير أن يتأهل! ويحتشد له من غير هديٍ محصَّل! فيؤجج ناراً بين المؤمنين قد كان أعداؤهم أحوج بقذفها إليهم، وإضرامها في محلَّتهم، فيُشتغل من جراء ذلك عن الشاغل، ويعطّل سداد الواجب الماثل! ترى إذ ذاك ظاهرةً دخيلة على تلك الظاهرة التي ما كان لمثلها أن يفسد وداداً، أو يعكر صفواً! ولكن المتقحِّم بالوِقْرِ الدخيل يأبى أن يكون إلا ذلك!!

ولاقتضاء الإخوة الإيمانية النصحَ للمسلمين عامة وإخْوة الدرب خاصةً كما أخرج مسلم عن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة) قلنا: لمن؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم[2]).

ولأن النصح لهم فيما اختلفوا فيه ألزم مما سواه، فإني عارَضٌ بمشيئة الله إلى جملةٍ من الخلاف في شأن الدولة الإسلامية في العراق والشام بما يـُحتمه عهد الديانة، وتوجِبه رعاية الأمانة، ومشيرٌ قبل ذلك إلى شيءٍ من أضرب دخيلة على شريف الخلاف، لتنبو عنها عينُ تنشد الرشاد فيما عليها من الخلاف قد أشكل، وتجوزها إلى ساحة الأشراف، وحَمَلَةِ كريم الأوصاف، وليُعلم أن ما وراء أولئك إنما هو مفصح عن خلال أصحابه، فيقصر عليه ما يستحقه أمثاله، ولا يُعدَّى حكمه ويعمم إلى إحدى عدوتي الخلاف.

فمن تلك الأضرب باختصارٍ وإجمال:

طائفة تجهد في الانتصار لجهة مالت إليها نفوسهم، وليس فيما جهدت في الانتصار به موجِب للميل للكفة التي انتصرت لها، ولا مسوّغ للعدول عن الجهة الأخرى، فمحصَّل ما أتته عند مُحقِّق النظر ميل نفسي وهوى قلبي لا عن حجة وبرهان، ولا غلبة ظن ولا استيقان!

ثم الأسوأ من ذلك أن ترى من هذا الضرب جهداً في الحطِّ والوقيعة فيمن عدلوا عنه، استظهاراً واستنهاظاً بتلك النقيصة في دعم وتقوية من مالوا إليه!! فلما أعوزهم صحيح البرهان لم يجدوا غير الوقيعة بمن ناوأوه سبيلاً يرفعون به في ظنهم من نصروه!!

وأنت إذا نظرت في حطِّهم ونقيصتهم لم تجد مبناها على علمٍ محقق، ولا خبرٍ مصدق، بل هي بمحض الظن أو بنسجٍ مُلفَّق، {ومَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا}[يونس:36].

ولا أنت كذلك راءٍ في أهل هذا الضرب ذا علمٍ يَصدر عنه، ويَستضيء بنوره، وإذا قلّ حظُّ المرء من العلم الهادي والميزان العادل كان المستعاض به عنهما بغي وهوى!!

وإما شئتَ آيةً على ذلك فانظر إلى من وصفتُ لكَ وقد قعد رَصَداً للطائفة التي حاد عن سبيل العدل معها، فأشهر من أمرها ما يراه من مساءة ومذمة -وإن لم يكن في نفس الأمر كذلك-، وإن كان ما رآه حقيراً يسيراً! وأعمى عينه وأصم أذنه عن محاسنها وفضائلها وإن طرَقَت كل سمع وتجلَّت لكل عين!! لكأنما يصدق في حاله معها قول الله تعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} [آل عمران:120].

ثم لا تجد له في غير هؤلاء ما كنت واجداً له معهم، وكما قيل:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة          ولكن عين السخط تبدي المساويا!!

أتراه يا صاح قد سلم من هوى النفس وبغيها على الخلق من طفق يذم عباد الله المجاهدين ويشنع عليهم بالنقص الملازم لبني آدم والذي لا ينفك عنه تجمع ولا فئة ولا طائفة بحكم الجِّبلّة؟!

قال أبو العباس ابن تيمية رحمه الله: (البغي مذموم مطلقاً، سواء كان في أن يُلزم الإنسان الناس بما لا يلزمهم، ويذمهم على تركه، أو بأن يذمهم على ما هم معذورون فيه، والله يغفر لهم خطأهم فيه، فمن ذم الناس وعاقبهم على ما لم يذمهم الله تعالى ويعاقبهم فقد بغى عليهم، لا سيما إذا كان ذلك لأجل هواه، وقد قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [ص:26][3]).

وقال رحمه الله: (وأنت إذا تأملت ما يقع من الاختلاف بين هذه الأمة علمائها وعبادها وأمرائها ورؤسائها وجدت أكثره من هذا الضرب الذي هو البغي بتأويل أو بغير تأويل، كما بغت الجهمية على المستنة في محنة الصفات والقرآن، محنة أحمد وغيره، وكما بغت الرافضة على المستنة مرات متعددة، وكما بغت الناصبة على علي وأهل بيته، وكما قد تبغي المشبهة على المنزهة، وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم، وإما على نوع من المبتدعة بزيادة على ما أمر الله به، وهو الإسراف المذكور في قولهم: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا}[آل عمران:147][4]).

  فهذا ضرب من أضرب دخيلة على الخلاف.

 

 

وضرب ثانٍ:

وقد ترقَّى أهله عن السابقين بعلمٍ حَمَلوه، وبرهان حصَّلوه، والناظر إلى هؤلاء وإلى مسالكهم ومعتاد طرائقهم في الاستدلال والاحتجاج، ونَفَسهم في فقه الشريعة، يجد لهم هدياً تحصّل لهم به اختصاص عن نظرائهم، لكنك تلحظ عدم اطرادهم في ذلك الهدي حينما يتعلق الخلاف بالدولة الإسلامية، وتفقد منهم نَفَسَاً حين ذاك قد كنت تعرفهم به!!

ولك أن تعجب -على سبيل المثال- إذ ترى من لا يخرم في اختياراته وفتاواه اعتبار فقه المصالح والمفاسد والسياسة الشرعية، ولربما رأيتَ له فيه توسعاً لا يُرتضى، ثم تراه في شأن الدولة الإسلامية يضيِّق ما يتوسع فيه بل ربما يلغيه! فيستدل فيما يستدل به على عدم شرعيتها بجهالة عين أميرها نصره الله، وأن الله أمر بطاعة ولاة الأمر، ولازمُ أمره انتفاء الجهالة لتتحقق الطاعة!!

ومع وهاء هذا الاستدلال، وتنصيص بعض أهل العلم على عدم اعتبار المدلول، أفلا ترى صاحبه قد خرم معتاد نَفَسٍ قد كان يعتبره؟! وهل ضاق على الدولة وإخفاء عين أميرها عن العامة منضبط فقه المصالح والمفاسد بله متوسعه، مع تزكية أهل الثغور لهم، واستعلانهم بمنهجهم، وذيوع طيّب أفعالهم، في وقت تمر فيه على أهل الإسلام أشرس الحروب وأفتكها وأخبثها؟! مع ما في عدم ظهور الأمير للعامة من حياطةٍ للبيضة، وحفاظ على الرأس الذي حفظه حفظٌ للصف وتثبيت للقلوب!! ولكنه الإنصاف!!

أحرام على بلابله الدوح      حلال للطير من كل جنس؟!

يقول الشيخ المجاهد الشهيد أسامة بن لادن تقبله الله: (وهنا مسألة: إن كثيراً من الناس لا يعرفون سيرة أمراء المجاهدين في العراق؟!

فأقول: سبب ذلك ظروف الحرب ودواعيها الأمنية, إلا أني أحسب أن الجهل بمعرفة أمراء المجاهدين في العراق جهل لا يضر إذا زكاهم الثقات العدول فالامتناع عن مبايعة أمير من أمراء المجاهدين في العراق بعد تزكيته من الثقات العدول بعذر الجهل بسيرته يؤدي إلى مفاسد عظام من أهمها تعطيل قيام جماعة المسلمين الكبرى تحت إمام واحد , وهذا باطل[5]).

ولو تتبعتَ أهل هذا الضرب مقارناً بين مسالكهم مع الدولة ومع غيرها لرأيتَ عجباً، وإنّ خلافاً يدفع إليه حِمل الصدور، أو يحمل على الزيادة فيه وعدم النَصَفة، لهو خلاف عريٌ عن الشرف، وما أخلقه بالضرب عليه، وعدم النظر فيه!

قال ابن القيم رحمه الله: (والله تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرجل، خصوصاً من نصب نفسه حكماً بين الأقوال والمذاهب، وقد قال الله تعالى لرسوله: {وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ}[الشورى: 15]، فورثة الرسول منصبهم العدل بين الطوائف، وألا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل يكون الحق مطلوبه، يسير بسيره وينزل بنزوله، يدين دين العدل والإنصاف ويحكم الحجة، وما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو العلم الذي قد شمر إليه، ومطلوبه الذي يحوم بطلبه عليه، لا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذه فيه لومة لائم، ولا يصده عنه قول قائل[6]).

وضربٌ ثالث:

لا من هؤلاء ولا أولئك، ولا هو بمخلص لوِداد المختلفين من أهل المسلك كذلك، بل هو ذو ضغنٍ على الجميع، ولكنَّه رأى في مادة الخلاف فُرجة يَنُصُّ إليها للنيل من أغيظهم له! ورمي بعضهم ببعض!!

فلا هو مع الدولة ولا مع القاعدة ولا مع الجبهة، وقد كان ينظر إلى الجميع بنظر أشْوَس! ووجهه من صنائعهم أعبس! فلمَّا رأى الأُولى أسرعهم إلى تحطيم آماله، دخل في الخلاف مناهضاً لها متعززاً بإخوانها، فغدى يؤجج ولا يسكِّن! ويفسد ولا يصلح! مادحاً في سبيل مبتغاه من قد كان يذم! وما حبٌ به ولكنَّ توهيناً قد أمَّ!!

والمؤسف أن ترى في غمرة الخلاف من يستبدل موالاة إخوانه الأقرباء بأولئك البعداء لمجرد موافقتهم لرأيه في الدولة! مع علمه بسابقة أولئك ومواقفهم من خط السلفية الجهادية، ولكنَّ بعض الخلاف يعمي ويصم!!

روى الشيخان في صحيحيهما في قصة كعب بن مالك رضي الله عنه وتخلفه عن غزوة تبوك، وما عوقب به من هجران المسلمين له خمسين ليلة: أن ملك غسان أرسل إليه بكتاب قال فيه: (أما بعد، فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان، ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك).

قال كعب: (فقلت لما قرأتها: وهذا أيضاً من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها[7]).

وهكذا من يدخل بين الإخوان في الخلاف مع حِمله على الجميع ليستقوي ببعضهم على بعض فحُّقه أن تُسجَّر مساعيه وتحرق، لا أن تستثمر ويُشاد ويستقوى بها!

وروى الإمام أحمد بإسناده عن زر بن حبيش، قال: (استأذن ابن جرموز على علي رضي الله عنه وأنا عنده، فقال علي: بشر قاتل ابن صفية بالنار، ثم قال علي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن لكل نبي حوارياً وحواري الزبير[8])).

وروى بإسناده أيضاً عن إبراهيم النخعي قال: (استأذن ابن جرموز الذي قتل الزبير أو أشرك في قتله على علي، فرأى في الإذن جفوة، فلما دخل على علي قال: أما فلان [9]فلان فيؤذن لهما، وأما أنا فلا قاتلُ الزبير، قال له علي:  بفيك التراب، بفيك التراب، إني لأرجو إن أكون أنا والزبير وطلحة من الذين قال الله عز وجل: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ}[10]) [الحجر: 47].

وحريٌ أن يُسمع من يسعى بين أهل الخندق الواحد بالفتنة إذا اختلفوا وهو لهم خصمٌ قبل ذلك، أو كان مسعاه لإخراجهم عن مقتضى العدل في الخلاف، وحملهم على البغي فيه، وتصريم حبال بينهم لا يُقطِّعها الخلاف مهما اشتد، حري أن يُسمع ما أسمعه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابن جرموز إذ قال له: بفيك التراب!!

فإن الأشراف وإن اختلفت فهي أشراف! والأغيار وإن تقاطعت معهم المسالك يوماً فهم أغيار! والخلاف وإن اشتد سعاره لا يُطغي ولا يُعمي، ولا لعهد أُخوَّة وفضلٍ يُنسي، وهذا فقه شريف منيف لا يفقده إلا من فقد مكانه من بروج الشرف!

ولما اشتغل المسلمون في خلافة أمير المؤمنين الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه بحرب بعضهم، و(رأى ملك الروم اشتغال معاوية بحرب علي تدانى إلى بعض البلاد في جنود عظيمة، وطمع فيه، فكتب إليه معاوية: والله لئن لم تنته وترجع إلى بلادك يا لعين لأصطلحن أنا وابن عمي عليك ولأخرجنك من جميع بلادك، ولأضيقن عليك الأرض بما رحبت[11]).

ومن يستغلُّ خلاف المؤمنين لينفذ من خلاله إلى خسيس مآربه، فلا ريب أن له نصيباً مستحقاً من هذا الإغلاظ، فاللهم ارض عن صحابة نبيك، وقفِّنا آثارهم يا كريم.

فهذا الضرب الدخيل حقيق بالإقصاء والإبعاد، وذينك السابقين حقيق أهلهما والناصحُ لهما قبل ذلك باتقاء الله وخشية عقابه، فإنه سبحانه قد افترض فيما افترض على عباده أن يردوا إليه ما اختلفوا فيه، فقال سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ} [الشورى]، وقال جل شأنه: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59)} [النساء].

ومقتضى أمر الله بالرد إليه وإلى رسوله أن يُتنزه عن دواخل النفوس وأهوائها، وأن تتجرد القلوب في تطلب حكم الله، وتلزمه وإن كانت راغمة كارهة، فمن شرفه الله بالعلم فهذا سبيله، ومن قصُر عن ذلك فليسأل أهل الذكر وليكفَّ عن الجدال وليقف حيث لا يعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

هذا ما عنَّ لي التعريج عليه بين يدي المبحث الأهمّ في هذه الرسالة، ولم يكن غرضاً لي أن أستقصي ضروب الخلاف الدخيل، فبما أشرت إليه أكتفي عما قد فات، وبالله التوفيق.

 

مسلَّمات قبل الخلاف

أبتدئ بعون الله طرق هذا المبحث منطلقاً من مسلَّمة حكمية بين المتنازعين، وذانك أن منشأ الدولة الإسلامية في العراق قد كان منشأ شرعياً صحيحاً لا شائبة فيه، فقد تأسست دولة العراق الإسلامية بعد اجتماع أغلب فصائل المجاهدين في حلف المطيبين، وعينوا بعد المشورة الشيخ الشهيد أبا عمر البغدادي تقبله الله في عليين أميراً للدولة الإسلامية، وبايعه جمهور الناس وسوادهم، وقد قامت الدولة على أجزاء واسعة من أرض العراق، وانعقدت لأميرها بيعةُ إمامة باختيار جمهور أهل الحل والعقد.

يقول المجدد الراحل الشيخ أسامة ابن لادن رحمه الله: (وهنا ينبغي ذكر أهل الفضل السابقين في باب الوحدة والاجتماع بما هم أهلٌ له، فلقد سر المسلمين تسابق عدد من أمراء الجماعات المقاتلة في سبيل الله مع عدد مع شيوخ العشائر المرابطة المجاهدة لتوحيد الكلمة تحت كلمة التوحيد فبايعوا الشيخ الفاضل أبا عمر البغدادي أميراً على دولة العراق الإسلامية[12]).

يقول الشيخ المجاهد أيمن الظواهري حفظه الله: (وقد كان الشهيد كما نحسبه أبو مصعب الزرقاوي رحمه الله سَبَّاقاً في هذا المضمار, فأعلن انضمامه إلى جماعة قاعدة الجهاد فكانت بيعته للشيخ أسامة ابن لادن حفظه الله طعنةً نجلاء و ضربة قاصمة للمشروع الصليبي الصهيوني المستهدِف لأمتنا و حرماتنا, وأحيا في الأمة المسلمة روحَ الوحدة و التضامن و النصرة ثم سعى وإخوانه المجاهدون بارك الله في مجهودهم فشكَّلوا شورى المجاهدين فكانت قفزةً كبيرةً على طريق العمل الجهادي في العراق، ثم لما أكرمه الله بالشهادة كما نحسب و جاء مِن بعده رفيقه على درب الجهاد و التوحيد أبو حمزة المهاجر حفظه الله سعى مع إخوانه الكرام المخلصين كما نحسبهم فأسسوا دولة العراق الإسلامية, فكانت بشرى للمسلمين باقترابهم خطوةً من أكناف بيت المقدس و من إقامة الخلافة بإذن الله.

وإنشاء الحكومات من قبل الحركات المقاومة و المناضلة أمرٌ معهود في التاريخ حتى إنهم لينشئون حكومات في المنفى , فما بالك إذا صار للمجاهدين شوكة و تمكن وسيطرة على أجزاء كبيرة من أرض الإسلام … -إلى أن قال-: واليوم تقام دولة العراق الإسلامية داخل العراق, و يحتفل المجاهدون بها في شوارع العراق , ويتظاهر الناس لتأييدها في مدن و قرى العراق , و يُعلَن تأييدُها و البيعة لها في مساجد بغداد[13]).

ويقول حفظه الله ونصره: (أود أن أوضح أنه ليس هناك شيء الآن في العراق اسمه القاعدة, ولكن تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين اندمج بفضل الله مع غيره من الجماعات الجهادية في دولة العراق الإسلامية حفظها الله, وهي إمارة شرعية تقوم على منهج شرعي صحيح وتأسست بالشورى وحازت على بيعة أغلب المجاهدين والقبائل في العراق[14]).

ويقول: (دولة العراق الإسلامية رايتها وعقيدتها من أصفى الرايات والعقائد في العراق، فهي قد أقامت دولةً إسلاميةً لا تتحاكم إلا للشريعة، وتعلي الانتماء للإسلام والموالاة الإيمانية فوق كل الانتماءات والولاءات. وهو الأمر الذي لا زالت تتلطخ بأوحاله كثيرٌ من الحركات المنتسبة للإسلام، وهي دولةٌ تدعو وتسعى وتجتهد في إعادة دولة الخلافة المنتظرة، وتحرض المسلمين على ذلك[15]).

وقال الشيخ عطية الله الليبي رحمه الله: (إن دولة العراق الإسلامية تحظى بالشرعية المستندة إلى الحق الثابت المتقرر في الشريعة الإسلامية وفقهها، وتحظى بقدر طيب وكافٍ من الشعبية… بل هي إمارة وولاية أقامها مسلمون مجاهدون في سبيل الله تعالى حصلت لهم شوكة وقوة في بعض بقاع الأرض فأقاموا إمارة واختاروا رجلاً منهم بايعوه عليهم، وأقاموا ما قدروا عليه من الدين وأحكام الشريعة، وهم باذلون جهدهم في ذلك، وهم بحمد الله موثوقون أهل دين وصدق وجهادٍ في سبيل الله… وهذه الإمارة (الدولة) تثبت وجودها في الميدان وعلى الأرض، وتزداد قوة بحمد الله وتتطور رغم كيد أعدائها الكبّار العظيم جداً[16]).

وبعد استشهاد الشيخ أبي عمر البغدادي تقبله الله، انعقد مجلس شورى الدولة واختاروا أميراً للدولة الإسلامية في العراق الشيخ أبا بكرٍ البغدادي حفظه الله ونصره، فانعقدت له البيعة باختيارٍ ومشورة كما انعقدت لسلفه أبي عمر تقبله الله.

فالمحصَّل من هذا أمور ثلاثة:

الأول: أن الدولة تأسست ببيعة شرعية، واختيارٍ ومشورة.

الثاني: أنها لم تقم إلا بعد تمكين وشوكة وبسطة سلطانٍ على أجزاء واسعة من أرض العراق.

الثالث: أن البيعة قد انعقدت للشيخ أبي بكر البغدادي حفظه انعقاداً صحيحاً باختيار ومشاورة أهل الحل والعقد.


صورة الخلاف الطارئ وأبرز أسبابه

فإن تحققتَ هذا فلنعرض لصورة الخلاف وما أشكل فيه:

وغير خاف عليك أن موجِبه هي حرب النظام النصيري الكافر لأهلنا في الشام، فكان أن وجب نصرهم على كل مسلم، فانتدب فيمن انتدب إليهم أمير الدولة الإسلامية في العراق وبعث إلى الشام بالرجال والمال، ثمّ لما بسط الله لجنده السلطان على أجزاء من بلاد الشام وأدالهم على عدوهم، أعلن أمير المؤمنين عن تمدد دولته إلى الشام، فخالفه الأمير المنتدب من قِبَله في الشام، ونزع اليد من بيعته، وكان من الخلاف ما كان! والله المستعان!

حجة من تحفَّظ على تمدد الدولة:

وقد كان من حجة من خالف الشيخ أبا بكر البغدادي نصره الله فيما ذهب إليه أن قالوا أموراً:

أولاها: أن إقامة الدولة في الشام لا يستأثر بقراره الشيخ البغدادي، وفي الشام جماعات وكوادر تنشد حكم الإسلام وتسعى إليه، فلا يكون ذلك إلا بمشاورتهم ومشاركتهم، والخِيرة إنما تكون للأمة في تعيين أمير الدولة الإسلامية في الشام، وليس لأحد أن يفرض نفسه على الناس ما لم تختره الأمة وترضى به.

ثانيها: أن الدولة الإسلامية في العراق جماعة جهادية كغيرها من الجماعات، وليس لأميرها بيعة إمامة عامة (بيعة حكم)، ولو كانت كذلك في مبدأ أمرها لـمَّا كان للدولة سيطرة على الأرض، وتمكن وشوكة، فليس الحال كذلك الآن، فكثير من الأرض قد انتقض، والشوكة قد ضعفت، وإذ الحال كذلك فالدولة قد آل أمرها إلى جماعة مجاهدة في الأرض كغيرها من الجماعات، فلا مزية لها على غيرها، والدولة المنشودة إنما يقيمها الجميع لا جماعة دون جماعة.

ثالثها: ولو قيل بأن الدولة الإسلامية في العراق لها بيعة إمامة، فإن دخول أجنادها إلى الشام دخولٌ ماثلهم فيه جماعاتٌ أُخَر، فلا يكون مع هذا الواقع للدولة تمدد شرعي صحيح بمجرد وجودٍ يشترك غيرهم معه فيه!

هذه أبرز حجج من خالف تمدد الدولة الإسلامية، وليست هي بمجتمعة في كل خالف الدولة، وإنما الشأن أنها أبرز حجج المخالفين للدولة إجمالاً، وسأعرض لنقاشها بشيءٍ من التفصيل بما أدين الله به في هذه القضية، ومنه وحده أستمد العون والسداد.

 

جوابات التحفظات على تمدد الدولة الإسلامية

تمهيد

قد كان من المتقرر أن الدولة الإسلامية في العراق تأسست على سوق صحيحة، ولا نزاع في سلامة النشأة، وصحة المبتدأ، أمَا وقد سُلِّم بهذا القدْر، فلا بد من التذكير بمهمات تنبني عليه:

أولاها: أن السمع والطاعة لأمير الدولة واجب مُحتَّم، وفرض يلحق بعدم مراعاته المأثم، ما لم يأمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء:59].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر رضي الله عنه: (اسمع وأطع ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة) رواه البخاري[17].

وفي الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة[18]).

وثانيها: حرمة منازعته الأمر، وحرمة الخروج عن طاعته، ونكث بيعته، وإن وقع في شيءٍ من معصية الله، قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ}[النحل:91]، وقال في وصف المؤمنين أولي الألباب: {الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ (20)}[الرعد]، وقال تعالى: {وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)}[الإسراء].

قال أبو محمد ابن عطية رحمه الله: (وقوله {بِالْعَهْدِ} لفظ عام لكل عهد وعقد بين الإنسان وبين ربه، أو بينه وبين المخلوقين في طاعة، وقوله {إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا} أي: مطلوباً ممن عهد إليه أو عوهد هل وفى به أم لا؟[19]).

وفي الصحيحين وغيرهما عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا: (أن بايعنا على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان[20]).

وفي صحيح مسلم[21] من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم)، قالوا: قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، ألا من ولي عليه وال، فرآه يأتي شيئاً من معصية الله، فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة).

وفي صحيح مسلم[22] من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له).

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات، فميتة جاهلية[23]).

وأخرج مسلم[24] بإسناده عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة فمات، مات ميتة جاهلية).

قال الطبري رحمه الله: (والصواب أن المراد من الخبر لزوم الجماعة الذين في طاعة من اجتمعوا على تأميره فمن نكث بيعته خرج عن الجماعة[25]).

وقال الأمير الصنعاني رحمه الله في سبل السلام: (قوله: (عن الطاعة) أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم بأمورهم).

وثالثها: وجوب نصرته على من ناوأه أو بغى عليه، ومؤازرته ما كان عادلاً مقيماً لكتاب الله، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما الإمام جُنَّة، يُقاتَل من ورائه، ويُتقى به[26]).

فقوله: (يُقاتل من ورائه) دالٌ على لزوم حياطته والذب عنه.

قال ابن بطال رحمه الله: (قال المهلب: قوله: (من وراء الإمام) يعنى: من أمام الإمام كما قال تعالى: {وكان وراءهم ملك} أي: أمامهم… وقال غيره: تأويل: (يقاتل من ورائه) عند العلماء على الخصوص وهو في الإمام العدل خاصة، فمن خرج عليه وجب على جميع المسلمين قتاله مع الإمام العدل نصرة له، إلا أن يرى الإمام أن يفعل ما فعل عثمان فطاعة الإمام واجبة…[27]).

وقال النووي رحمه الله: (ومعنى (يقاتل من ورائه) أي: يقاتل معه الكفار والبغاة والخوارج وسائر أهل الفساد[28]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام سواء كان ذلك من خلفه حقيقة أو قدامه، ووراء يطلق على المعنيين[29]).

وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله على هذا الحديث بقوله: (بابٌ يقاتل من وراء الإمام ويتقى به)، وأخرج فيه قبل الحديث السالف حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نحن الآخرون السابقون[30]).

وقد ذكر ابن المنيّر رحمه الله معنىً لطيفاً في مناسبة إخراج هذا الحديث تحت الترجمة فقال: (أي هو أولٌ -أي الإمام- في إسناد الهمم والعزائم إلى وجوده! وهو آخرٌ في صورة وقوفه! فلا ينبغي لأجناده إذا قاتلوا بين يديه، أن يظنوا أنهم حموه، بل هو حَمَاهم! وصان بتدبيره حِماهم! فهو وإن كان خلف الصف، إلا أنه في الحقيقة جُنَّة أمام الصف، وحُقَّ للإمام أن يكون محله في الحقيقة الأمام[31]).

قلت: وكأن من فسّر الوراء في الحديث بالأمام استحضر حالة التقاء الصف في الحرب، وتقدُّم الـمُدافِع في تلك الحال، وتأخر الـمُدافع عنه، وتفسير الوراء بالحياطة أوسع في المعنى وأعمُّ في جهة الدفع، وقد جاء في وصية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه للخليفة بعده لما احتضر أنه قال: (وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم[32]).

قال الإمام الماوردي رحمه الله: (وإذا قام الإمام بما ذكرناه من حقوق الأمة، فقد أدى حق الله تعالى فيما لهم وعليهم، ووجب له عليهم حقان: الطاعة، والنصرة، ما لم يتغير حاله[33]).

وقال الإمام أبو يعلى رحمه الله: (وإذا قام الإمام بحقوق الأمة وجب له عليهم: الطاعة، والنصرة، ما لم يوجد من جهته ما يخرج به عن الإمامة).

وقال الشيخ محمد رشيد رضا رحمه الله: (ومتى تمت المبايعة وجب بها على المبايعين وسائر الأمة بالتبع لهم الطاعة للإمام في غير معصية الله والنصرة له، وقتال من بغى عليه أو استبد بالأمر دونه[34]).

فهذه واجبات ثلاث للإمام كما ترى، وليس يجوز بحال من الأحوال أن يُبخس الإمام حقه منها أو يُتهاون في شيءٍ منها إلا من موجِب شرعي فيه من الله برهان.

فهل نقصُ مُكْنة قد كانت متحصّلةً للإمام، أو استلاب العدو أرضاً قد كان له سلطان عليها، أو إخراجه من دار كانت عامرةً به، هل ذلك وما إليه موجِب في دين الله انحلال إمامته، وانتقاض لزوم طاعته؟!

 

أول الجوابات

جواب من زعم انحلال بيعة الإمام لنقص مُكْنته أو استلاب العدو لأرضه

الأقوال والمذاهب حين تعرى عن برهانٍ صحيح يُلزم بقبولها فهي وعدمها وسواء، والحجة الملزمة في الديانة إنما تكون بصحيح أدلة السمع، أو بصريح براهين العقل، وليس الزعم الذي صُدِّر به هذا المبحث حظيّاً بهذا ولا بذاك، ولا لقائلٍ به سلطان ولا برهان، بل تضافرت ضروبٌ من الأدلة على إبطاله، فمنها:

أولاً: عموم النصوص الآمرة بالسمع والطاعة للإمام في جميع الأحوال، والشارع قد خص من ذلك العموم حالة إضاعة الدين وترك إقامته، فما سوى ذلك من الأحوال داخل في العموم الواجب ما لم يُقم على استثنائه برهان صحيح، وليست حالة ضعف المسلمين أو دهم العدو ونزوله بالعقر مما يندر وقوعه ليُستثنى من العموم، فإخراجه منه إذ ذاك إهدار لمدلولٍ قد اقتضاه الدليل، وهذا محض التحكم!

ثانياً: أن الدول الإسلامية على مر العصور قد كان ينتابها من الضعف وضياع الأرض ما يعلمه كل مطالع للتأريخ، ولم يكن شيء من ذلك موجباً لانحلالها ما بقيت فيها الشوكة.

ثالثاً: أن الدولة الإسلامية التي أسسها خير البرية عليه الصلاة والسلام قد امتد سلطانه فيها على معظم أرجاء جزيرة العرب، ثمّ لمـّا أن توفاه الله، خلفه على الأمر فيها صديق الأمة أبو بكر رضي الله عنه، فانتقض عليه بعد خلافته معظمها، وتمرَّد عن طاعته أكثرها، قال ابن إسحاق رحمه الله: (وارتدت العرب عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلا أهل المسجدين مكة والمدينة، وارتدت أسد وغطفان، وعليهم طليحة بن خويلد الأسدي الكاهن، وارتدت كندة ومن يليها، وعليهم الأشعث بن قيس الكندي، وارتدت مذحج ومن يليها، وعليهم الأسود بن كعب العنسي الكاهن، وارتدت ربيعة مع المعرور بن النعمان بن المنذر، وكانت بنو حنيفة مقيمة على أمرها مع مسيلمة بن حبيب الكذاب، وارتدت سليم مع الفجاءة، واسمه أنس بن عبد ياليل، وارتدت بنو تميم مع سجاح الكاهنة[35]).

وقال ابن كثير رحمه الله يصف الحال: (فلما مات عظم الخطب، واشتد الحال، ونجم النفاق بالمدينة، وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق، ولم تبق الجمعة تقام في بلد سوى مكة والمدينة… وقد كانت ثقيف بالطائف ثبتوا على الإسلام، لم يفروا ولا ارتدوا[36]).

وثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها فيما رواه الإمام أحمد رحمه الله أنها قالت: (قبض النبي صلى الله عليه وسلم فارتدت العرب، واشرأب النفاق بالمدينة، فلو نزل بالجبال الرواسي ما نزل بأبي لهاضها[37]).

وقد وقع بالمسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وارتداد العرب ما يعجز اليراع عن وصفه، وضاقت على أهل الإسلام الأرض بما رحبت، فانتقضت معظم البلاد، وأضحى المسلمون قلة بعد أن كانوا وفرة، حتى روي عن أبي بكرٍ أنه جعل الحرس على أنقاب المدينة وألزم الناس بحضور المسجد، وقال فيما قال لهم: (إن الأرض كافرة … وإنكم لا تدرون ليلا تؤتون أم نهارا، وأدناهم منكم على بريد[38]).

ومع كل هذا فما انحلَّت بيعته، ولا انتقضت بعد إبرامها إمامته، ولا كان في الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم من زعم هذا الزعم، أو داخل صدره ذلك الفهم! بل لو أزيح أهل الإسلام في ذلك الوقت عن مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألجأتهم جحافل الردة إلى شعف الجبال أو سواحل البحور، ما كان ذلك فاسخاً لصفقةِ يدٍ عاقدت! ولا فاصماً لبيعة عليها الرجال تواثقت!

رابعاً: روى البيهقي بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: (والذي لا إله إلا هو لولا أن أبا بكر استُخلف ما عُبد الله! ثم قال الثانية! ثم الثالثة! ثم قيل له: مه يا أبا هريرة فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَّه أسامة بن زيد في سبع مائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قُبض النبي صلى الله عليه وسلم، وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا بكر، رد هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة ‍‍‍ فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم[39])، وهذا ثابت عن الصديق[40] رضي الله عنه.

وروى سعيد بن منصور بإسناده عن سليمان بن يسار قال: (أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة على جيش وأمره أن يحرق قرية يبنا، فمضى أول الجيش وجعل أسامة يتردد حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل أسامة على أبي بكر، فقال: ما تأمرني؟ فقال: تمضي على أمرك الذي أمرك رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أزيد فيه ولا أنقص منه! فقال الناس: إنك إن تبعث أسامة ومعه حد الناس فترتد هذه الأعراب فتميل على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: والله لو أني أعلم أن الذئاب والكلاب تنهشني بها ما رددت أمراً أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم[41]).

فأنت ترى أن الخليفة الراشد صديق هذه الأمة، وخير الخلق بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، قد عزم وصمم على إمضاء الجيش ولو أحيط بالمسلمين حتى خُلِصَ إلى أمهات المؤمنين ومِيلَ على ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم!

أفتراه يُخلص إليهن وفي المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيَّة؟! ولو قد مِيل على ثقل رسول الله عليه الصلاة والسلام فأي قرح تُراه قد حلَّ بالناس دونهم؟! وأيُّ مُكنة هم فيها؟!

ومع كل هذا فلو قد كان ذلك فقد أقسم الصديق رضي الله عنه أن يُنفذ من ورائه جيش أسامة! وما عزَبَ عن نظره رضي الله عنه إذ قال ما قال، أنْ لو وصل بالمسلمين وأمهات المؤمنين ذلك الحال، أن شيئاً منه يُبطل إمامته، أو يَحُل في الدين زعامته! بل إنه سينفذ من بعده جيش أسامه! وهل كان إنفاذه إليه لو كانت قد ارتفعت إذ ذاك عنه الإمامة؟!!.

خامساً: ما حصل للخليفة الراشد ذي النورين أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في أواخر خلافته، فقد ثار عليه الثوار الفجرة، وحصروه في داره حتى لم يكن يخرج لجمعة ولا جماعة، قال ابن كثير رحمه الله: (وانقطع عثمان عن المسجد، فكان لا يخرج إليه إلا قليلاً في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره[42]).

وقد روي أن ابن عديس وهو من رؤوس الثوار صلى بالناس في إحدى الجُمَع، وتنقص في خطبته من عثمان رضي الله عنه[43].

وإن شئتَ أن تعلم مبلغ تمكن أولئك الثوار، واستفحال شرهم، فانظر إلى إرجاء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ تولى الخلافة القصاص من قتلة عثمان لعدم قدرته عليهم، حتى كان هذا سبباً في امتناع معاوية رضي الله عنه من البيعة، وخروج الزبير وطلحة وعائشة رضي الله عنهم إلى العراق طلباً لقتلة عثمان، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

قال الإمام الآجري رحمه الله في تعداده لأسباب أمر عثمان رضي الله عنه للصحابة بالكفّ عن نصرته: (ووجه آخر: وهو أنه قد عُلم أن في الصحابة رضي الله عنهم قلة عدد , وأن الذين يريدون قتله كثير عددهم , فلو أذن لهم بالحرب لم يأمن أن يتلف من صحابة نبيه بسببه, فوقاهم بنفسه إشفاقاً منه عليهم، لأنه راع والراعي واجب عليه أن يحوط رعيته بكل ما أمكنه[44]).

وقال: (ولبَّسوا -أي الثوار- على أهل المدينة أمرهم للمقدور الذي قدره عز وجل أن عثمان يقتل مظلوماً, فورد على الصحابة أمر لا طاقة لهم به, ومع ذلك فقد عرضوا أنفسهم على عثمان رضي الله عنه ليأذن لهم بنصرته مع قلة عددهم, فأبى عليهم[45]).

ومع هذا فلم يكن شيءٌ من ذلك مبطلاً للبيعة، أو مزيُحاً للخليفة الراشد ذي النورين عن منزل بوأه الله، وقميصٍ ألبسه إياه، ولو كان شيءٌ من ذلك كذلك لبادر إلى إشهاره الثوار الفجرة، مع سعايتهم في زحزحة الخليفة عن أمر الناس، لكن العلم متحقق عندهم وعند غيرهم أن لا سبيل إلى طلبتهم إلا بعزل الخليفة الراشد لنفسه، أو قتلهم له، فهل يكون أولئك الفجرة أفقه ممن انتصب لذلك الزعم؟!

روى الإمام أحمد[46] والترمذي[47] وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعثمان: (يا عثمان، إن الله عز وجل لعله أن يقمصك قميصاً، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه).

وفي لفظ: (يا عثمان، إن الله عز وجل عسى أن يلبسك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني، يا عثمان، إن الله عسى أن يلبسك قميصا، فإن أرادك المنافقون على خلعه، فلا تخلعه حتى تلقاني. ثلاثاً[48]).

قال الطحاوي رحمه الله: (تأملنا هذا الحديث، فوجدنا بيعة عثمان رضي الله عنه، قد كانت بيعة هدى ورشد واستقامة، واتفاق من المهاجرين، والأنصار، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سواهم عليها، لم يتنازعوا في ذلك، ولم يختلفوا فيه، وجرى الأمر له رضوان الله عليه على ذلك ما شاء الله أن يجري له من مدة خلافته، ثم وقع بين الناس في أمره ما وقع من الاختلاف، وادعى بعضهم عليه التبديل، والتغيير لما كان عليه قبل ذلك، وحاش لله عز وجل أن يكون كان ذلك كذلك، حتى كان سببا لتحزبهم عليه في أمره، واختلافهم عليه فيه، وحتى هم بعضهم بإزالته عن ذلك لدعواه عليه الخروج عنه بالأحداث التي ادعوا عليه أنه أحدثها، مما لا يصلح معها بقاؤه عليها، وكان ما تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره، مما خاطبه به في عهده إليه في ذلك الأمر، مما أطلعه الله عز وجل عليه منه، ما قد رويناه في هذا الحديث دليلاً على أن أحواله رضوان الله عليه حينئذ هي الأحوال التي استحق بها ما استحق من الخلافة في بدء أمره، وفي اجتماع الناس على ذلك له، لم يتغير عن ذلك، ولم يحل عنه إلى ما سواه[49]).

ومنه تعلم أن الاختلاف على الخليفة الراشد بعد استقامة البيعة في مبدأها وإن أوهى من تمكن الخليفة واضطره إلى لزوم داره، وإلى قتله بعد الإحاطة به وحصره، لـمَّا لم يكن له موجِب من تُبدُّل ديانه، أو قهرٍ لا مخلص له منه، أو زوال أهلية، لم يكن مجرَّد الاختلاف الموهي من مُكنة صف الإسلام موجباً له، وإن وهو أفضى إلى حبس الإمام، وإراقة دمه الحرام، وما فهم إيجاب[50] هذا لا عثمان ولا من سواه من الصحب الكرام، ولو كان هذا مما تقرر عندهم ما صبر عثمان رضي الله عنه نفسه للقتل، بل لأقر عليها بتحقق العزل! ولو كان هذا مما تقرر عند الصحابة الكرام لسارعوا إلى تنصيب إمام بمجرد حصره، ولأقاموا للناس من يتولى أمرهم، وما شيء من ذلك قد كان، والله المستعان.

قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله: (فإن قيل: كان عثمان رضي الله عنه إذا حوصر في الدار ساقط الطاعة، فما قولكم في إمامته مدة بقائه إلى أن استشهد؟

قلنا: كان إماماً إلى أن أدركته سعادة الشهادة، وما كان سقوط الطاعة مأيوس الزوال، وإنما حاصره شرذمة من الهمج الأرذال، ونزاع القبائل، وكان يرى رضي الله عنه المتاركة والاستسلام والإذعان لحكم الله تعالى، ولم يؤثر أن يراق بسببه محجمة دم، حتى قال لغلمانه: “من ألقى سلاحه، فهو حر”..[51]).

سادساً: وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من شأنه في خلافته أن خضع لسلطانه جميع ديار الإسلام عدا الشام، وبعد موقعة صفين سُلِبت مصر من سلطانه باستيلاء أهل الشام عليها، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة ثمانٍ وثلاثين: (فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر ليأخذها من محمد بن أبي بكر الصديق، واستناب معاوية عَمراً عليها.. إلخ[52]).

وفي سنة أربعين من الهجرة انتقضت المدينة على علي رضي الله عنه، ودخلها جيش من أهل الشام عليه بُسر بن أرطأة وأخذ البيعة من أهلها[53]، ثم توجه إلى مكة، ومنها إلى اليمن في أخبار معلومة في مظانها.

والمقصد تقلص نفوذ أمير المؤمنين الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وما سقطت بهذا خلافته، ولا انفسخت إمامته! ولا كان اتساع نفوذ أهل الشام وازدياد مُكنتهم بمُحيلٍ وجوبَ بيعتهم لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، بل كل مسلم يعلم أن انعقادها له لا يُـحَل ولا يُبطَل ولو آل الأمر إلى استيلاء أهل الشام على أكثر من ذلك، ولو قد اضطروا علياً رضي الله عنه إلى الفيافي والقفار، أو حصروه كعثمان في الدار، ما لم يقع عليه قهر ميؤوس منه.

سابعاً: ويقال: لو كان نقص المـُكنة وفقدان الأرض حالّاً لعقد الإمامة، لكان انتقاض الناس على الإمام بترك السمع والطاعة له حالّاً لعقدها من باب أولى، ولو صحّ ذلك للزم بطلان خلافة أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وإبطالُ إمامته باطل بلا مرية، وما لزم منه ذلك كذلك.

فإن علياً رضي الله عنه قد ملَّ الناس وسئمهم في آخر خلافته، وقد كان يأمرهم ويستنهضهم ويحضهم فلا يطيعون له ولا يمتثلون، قال ابن كثير رحمه الله: (كان أمير المؤمنين رضي الله عنه قد انتقضت عليه الأمور، واضطربت عليه الأحوال، وخالفه جيشه من أهل العراق وغيرهم، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام وصالوا وجالوا يميناً وشمالاً زاعمين أن الأمر لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما علياً وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الإمرة عن أحد، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق ووهنوا، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، فهو أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه، وقد كان يعطيهم العطاء الكثير والمال الجزيل، فلا زال هذا دأبهم معه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: ماذا يحبس أشقاها -أي ما ينتظر- ما له لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه -ويشير إلى لحيته- من هذه -ويشير إلى هامته-[54]).

أفرأيته لو كان هذا الذي آل إليه أمر أمير المؤمنين علي رضي الله عنه مبطلاً لإمامته أكان يبقى بعد سَأَمه للناس متمسكاً بما انعقد له من الأمر قبل انفراط أمر الناس طرفة عين؟!

وهل كنت سترى كبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم لو كان الأمر كذلك محجمين عن نصب إمام يسوس الأمة بعد انحلال عقدها لعلي؟!

ولهذا لما ظن من ظن من بني أمية أن علياً رضي الله عنه ليس بخليفة لعدم انتظام الأمر في خلافته، وبلغ سفينة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، قال: (أخطأت أستاه بني الزرقاء!).

روى أبو داود بإسناده عن سعيد بن جمهان، عن سفينة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء) قال سعيد قال لي سفينة: (أمسك عليك أبا بكر سنتين، وعمر عشرا، وعثمان اثنتي عشرة، وعلي كذا) قال سعيد، قلت: لسفينة إن هؤلاء يزعمون أن علياً عليه السلام لم يكن بخليفة قال: (كذبت أستاه بني الزرقاء -يعني بني مروان-[55]).

ففي هذا غاية الدلالة على فساد ذلك المزعم، فإن أمر إمامٍ ينتقض عليه الناس أوهن من أمره إذا سَلِمَت له طاعة الناس وضاعت منه الأرض، وإذا كان اجتماعهما لا يُـحَل به عقد صح انعقاده للإمام، فوجود أحدهما مع انتفاء الآخر من باب أولى، فكيف والمتحقق من الأمرين في أمر الدولة الإسلامية في العراق والشام أقلهما وهناً؟!

ثامناً: فعل أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، قال ابن كثير رحمه الله في حوادث سنة ثلاث وسبعين: (وهذه ترجمة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه -إلى قال:- بويع بالخلافة أيام يزيد بن معاوية، ولما مات يزيد غلب على الحجاز واليمن والعراقين ومصر وخراسان وسائر بلاد الشام إلا دمشق، وتمت البيعة له سنة أربع وستين، وكان الناس بخير في زمانه[56]).

وقال رحمه الله: (كان على صفات حميدة، وقيامه في الإمارة إنما كان لله عز وجل، ثم هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت البيعة له في الآفاق، وانتظم له الأمر[57]).

وكان من أمره رضي الله تعالى عنه وعن أبيه بعد أن بسط الله له السلطان في أغلب أرجاء المعمورة، أن رفض بيعته وخرج عليه مروان بن الحكم في أهل دمشق، وانتهض لقتال ابن الزبير وقتال ولاته، ثم آل الأمر من بعده لابنه عبدالملك بن مروان فجدّ في حرب أمير المؤمنين ابن الزبير رضي الله عنهما، وكان من قدر الله أن انتقض على ابن الزبير ما كان تحت يده من الأرض واحدةً بعد الأخرى، واستولى عليها جند عبدالملك بن مروان، حتى حُصر ابن الزبير رضي الله عنهما في المسجد الحرام، وثبت في القتال وصابر وانفض عنه أغلب أصحابه، فما سلَّم الأمر حتى قتل شهيداً رضي الله عنه وأرضاه.

روي عن ابن الزبير رضي الله عنهما أنه قال وهو محصور: (والله إن أبالي إذا وجدت ثلاث مائة يصبرون صبري لو أجلب علي أهل الأرض[58]).

وذكر ابن كثير وغيره أن ابن الزبير دخل على أمه في آخر أيامه (فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك؟ فقالت: يا بني، أنت أعلم بنفسك، إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك، يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين، وإلى كم خلودكم في الدنيا؟! القتل أحسن.

فدنا منها، فقبل رأسها، وقال: هذا والله رأيي. ثم قال: والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته، ولكني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتيني بصيرة مع بصيرتي[59]).

فهذا أمير المؤمنين عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما ما تزحزح عن منصب الإمامة، ولا خلاها من يده، ولم يكن استلاب من ناوأه لأرض عليها سلطانه واحدة تلو أخرى بحاملٍ له على ذلك، بل لم يكن انفضاض الناس عنه بعد أن رَهَقهم حصار الحجاج وجهدتهم الحرب بموجِبٍ لذلك عنده، بل ثبت حتى أتت الحرب على نفسه! واستأسد إلى آخر رمق!

وتالله لو كان انحلال إمامته بضياع أرض حَكَمها، وضعف مُكنة حصّلها، لسّلَّم الأمر لأهله عند ذلك، ولا صبر نفسه لقتالٍ يعلم فساد منزعه فيه، كيف وهو الزاهد العابد، القانت الهاجد!!

ولكنّه قد علم كما علم سلفه أن انبرام البيعة لا يُـحـَل كرهاً إلا أن تنفرد السالفة! وتُخضد الشوكة!

تاسعاً: أن ذلك الزعم لا أثارة لقائله عليه من علم، ولا صحيحِ فهم، وقد ذكر أهل العلم ما يخرم بيعة الإمام، ولم تعرِّج لذكره منهم الأقلام، فهل فاتهم ما حظي بدركه الخالف؟! أم تحقق أنه لمحجتهم مخالف؟!

ولو صحَّ ما زُعِم لاشتهر، وشاع العلم به وانتشر، ولرأيت ذيوع طرقه في كتب أهل العلم لكثرة تحقق مقتضيه في واقع الدول، والذي يوجِب بيان حكمه في دين الله، وكل ذلك لم يكن، وإذ هو غير كائنٍ فما ذاك إلا لعدم كونه مقتضياً، ولو صحَّ للزم سكوتهم عن البيان، ولا تجتمع هذه الأمة ضلالة!

عاشراً: أن أهل العلم قد ذكروا حالة هي أبعد مما نحن فيه، ونصوا على عدم انخرام بيعة الإمام حال كونها، وذلك حين يؤسر الإمام إن كان خلاصه مرجواً.

قال الماوردي رحمه الله: (وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة، فعلى كافة الأمة استنقاذه لما أوجبته الإمامة من نصرته، وهو على إمامته ما كان مرجو الخلاص مأمول الفكاك، إما بقتال أو فداء[60]).

ونصّ على هذا القاضي أبو يعلى بنحو هذه العبارة.

وقال الجويني رحمه الله: (إذا أسر الإمام وحبس في المطامير، وبَعُدَ توقع خلاصه، وخلت ديار الإسلام عن الإمام، فلا سبيل إلى ترك الخطط شاغرة، ووجود الإمام المأسور في المطامير لا يغني، ولا يسد مسداً، فلا نجد والحالة هذه من نصب إمام بداً[61]).

ومفهوم كلامه أنه إن لم يَبعُد خلاص الإمام، فلا يجوز نصب سواه لذلك المقام.

وقال أيضاً: (ووقوع الإمام في الأسر وإن كان مقطوعاً به لا أراه مقتضياً انخلاعاً، فإنَّ فَرْض فكه مما يتعلق بالاختيار والإيثار من آسريه، ولو قُدِّر ذلك قبل خلعه كان إماماً).

ومعنى عبارته: أن الإمام إذا وقع في الأسر، فإنَّ تحقُّقَنا من كونه مأسوراً لا يقتضي انخلاعه وانحلال إمامته ما دام فكُّ أسره فرضاً محتملاً ولو بطريق تخلية آسريه له اختياراً من غير مفاداة أو قهر، فإمامته ما كان هذا الفرض قائماً باقية، فلو نُصِّب إمام آخر مع قيام هذا الفرض فلا بد من خلع الأول، ولا يكون أسره مع احتمال فكه انخلاعاً بذاته.

فتأمل إلى أيِّ مدى تستديم إمامة الإمام!! وإلى أي حالٍ تُستصحب!!

وقال القلقشندي رحمه الله: (أن يأسر الكفار الإمام ويقع اليأس بذلك من خلاصه من أيديهم، فيخرج عن الإمامة ويستأنف أهل الحل والعقد ببيعة غيره…. أما لو كان مرجو الخلاص من أيدي الكفار أو أيدي أهل البغي فإنه يكون باقياً على إمامته وعلى كافة الأمة استنقاذه من أيديهم [62]).

ومنه تعلم أن نصرة الإمام التي لزمت بعقد الإمامة لا تسقط ولو كان في الأسر، وإذا لم تكن ساقطة مع أسرٍ يرجى منه الخلاص، فهل تسقط مع ضعف شوكة؟! أو انفضاض حاضنة أهلية؟! أو انتقاض أرض وذهاب أمصار؟! أو إلجاءٍ إلى جبالٍ وقفار؟!!

وقد بان لك من هذا أن تنصيص أهل العلم على هذا القدر من الحال دليل ساطعٌ وبرهان ناصعٌ على فساد القول بانخرام عقد الإمامة لطروء ضعف، أو انحسارٍ عن أرض، وأن عدم بطلانها بالأسر المرجو خلاص الإمام منه دال على عدمه فيهما بالأولوية.

فهذه عشرةٌ وافية، والحجة فيها عافية ضافية، وهي لطالب الحق بإذن الله كافية شافية، وقد ظهر لك منها أن ليس يخرم بيعة الإمام العدل، الذي هو للإمامة أهل، إذا أعطاه الناس صفقة أيديهم، وثمرة أفئدتهم، إلا قهرٌ مأيوس الزوال، وخضد شوكة أو تبدل حال، وعلى الله دوام الاتكال.

وأختم هذا الجواب بنقلين مهمين:

يقول الشيخ المجاهد أسامة ابن لادن تقبله الله: (ولو أن التمكين المطلق شرط لقيام الإمارة الإسلامية في هذا الزمان لما قامت للإسلام دولة لأن الجميع يعلم أنه مع التفوق العسكري الهائل للخصوم وأنهم يستطيعون أن يغزو أي دولة ويسقطوا حكومتها وهذا ما رأيناه في أفغانستان وكما أسقطوا حكومة العراق البعثية,  فسقوط الدولة لا يعني نهاية المطاف ولايعني سقوط جماعة المسلمين وإمامهم , وإنما يجب أن يستمر الجهاد ضد الكفار كما هو الحال في أفغانستان والعراق والصومال , ومن تدبر كيف حالُ دولة الإسلام الأولى يوم أحد ويوم الأحزاب إذ بلغت القلوب الحناجر واقتحمت القبائل وحاصرت المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى , ومن رأى كيف كان حال المسلمين يوم أن ارتدت جزيرة العرب إلا قليلاً  بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعَلِمَ أن التمكين المطلق ليس شرطاً لانعقاد البيعة للإمام أو لقيام دولة الإسلام، فلا يصح أن يقال لمن بويع على إمارة إسلامية نحن لا نسمع لك ولا نطيع لأن العدو يستطيع إسقاط حكومتك! ومن العجيب إن بعض الذين يثيرون مثل هذه الأمور يعيشون في دول الخليج ومنها الكويت ولم نسمع منهم مثل هذا الكلام  عندما أسقط البعثيون حكومتهم , وإنما كان خطيبهم المفوَّه يقول بصوت عال : “نحن مع الشرعية” يعني مع حكام الكويت آل الصباح المعاندين لشرع الله تعالى والذين لم يكونوا يملكون من أمر الكويت شيئاً وإن قل[63]).

ويقول الشيخ المجاهد أيمن الظواهري حفظه الله: (وأنا أسأل الذين يشككون في تمكن دولة العراق الإسلامية ثلاثة أسئلةٍ:

الأول: هل تنكرون أن دولة العراق الإسلامية هي أخطر تهديدٍ على المخططات والأطماع الصليبية والإيرانية في العراق؟

الثاني: هل تنكرون أن دولة العراق الإسلامية هي أقوى قوةٍ مجاهدةٍ من حيث عدد أنصارها؟

فإن كان الجواب بنعمٍ، وهو كذلك بفضل الله، فما السبب في ذلك إلا التأييد الشعبي لها، هل يمكن أن تبلغ جماعةٌ هذه القوة، وتتصدى لكل هذه الهجمات من أقوى قوةٍ في العالم، وتفشل كل هذه المؤامرات، وتفضح كل هذه الدعايات، وهي لا تتمتع بشعبيةٍ أو قبولٍ. إن المسلمين في العراق يؤيدون دولة العراق الإسلامية، ويدافعون عنها، لأنهم يعلمون أنها من أصدق القوى في الدفاع عنهم ضد العدوان الصليبي والإيراني.

السؤال الثالث: أقول للذين يشككون في تمكن دولة العراق الإسلامية وسيطرتها على الأرض؛ هل يستطيع أحدٌ أن ينكر أن الدولة المباركة تسيطر على الأقل على كيلومتر مربعٍ واحدٍ من أرض العراق؟

فإن كان الجواب بنعمٍ، وهو كذلك بفضل الله، إذن فلماذا تنكرون عليها أن تقيم دولة إسلاميةً على الأرض التي تسيطر عليها؟ وكم كانت مساحة دولة المدينة المنورة قبل غزوة الأحزاب؟ وكيف كان حالها في غزوة الأحزاب؟[64]) ا.ه

 

ثاني الجوابات

جواب من عارض تمدد الدولة الإسلامية

إذا كان قد تحقق لك أن الدولة الإسلامية في العراق قد صحَّ لها الأمر مبدأً، ولم يكن ثمَّ موجِب يمنع استدامة ما صحّ، وعلمتَ أن ما جاورها من بلاد الإسلام واجبٌ استنقاذه لأسباب:

الأول: اعتلاء الطواغيت على تلك البلاد، وتنحية شرع الله عن حكم العباد، وقد تقرر عند علماء الإسلام أن الحاكم إذا كفر، واستبدل شرعة ربِّ البشر، فإن خلعه واجب على من قدر من المسلمين.

الثاني: استنقاذ المستضعفين والمظلومين من المسلمين، وفك أسراهم.

الثالث: أن يدهم العدو شيئاً من تلك البلاد، سواء دهمها العدو الأبعد، أو تغوَّل على أهلها طاغوت البلد، فوجوب نصرهم والحالة هذه على المسلمين متحتم، وأوجب في التقديم على من وجب نصرهم لتحقق السببين الآنفين إن تضايقا وتشاحّا.

وبوضوح هذا فإما أن يقال: قد كان واجباً على الدولة الإسلامية في العراق أن تغيث المسلمين في الشام من بطش النظام النصيري الكافر، وترد عاديته عنهم بكل ممكن، وإما أن يقال: ليس عليها ذلك بواجب، ولا فرض لازب!

ولا يقول بالثاني قائل يعلم شيئاً من دين الله، بل العلم متحقق أن الوجوب على الدولة الإسلامية آكد عليها من غيرها، لـِما انتصبت له من إقامة الدين، ورد عادية المعتدين، واستنقاذ المستضعفين، ولما منَّ الله به عليها من قوة ومُكنة، ودُربة على مقارعة الباطل، ودراية بسبيل التشريد به! لا يضارعها فيه مضارع، أو يوازيها فيه سابق!

وإذا كان الأمر كذلك فإن كلَّ شِبر من أرض المسلمين تـُخلِّصه الدولة وتستنقذه من حكم الطاغوت فهو امتداد شرعي سننيٌ لسلطان الإسلام، ونافذ عليه حكم الإمام.

والمنازع في هذا ليس من قولٍ في نزاعه إلا أحد قولين:

الأول: إما أن يقول لم يكن على الدولة أن تستنقذ ما استنقذته من بلاد الشام، ولا يقول بهذا عاقل.

الثاني: وإما أن يقول قد وجب عليها إغاثة المسلمين وليس لها حكم ما استنقذته من الديار.

فيقال له: فإن كان ما قلت فهل تُخلي ما حررته عن سلطانها وتتركه بلا سلطان؟! أم تُسلِمه إلى من يحكم فيه بسلطان آخر؟!

فإن قلتَ بالأول فقد قلتَ بما يعلم القاصي والداني فساده، قال الإمام ابن حزم رحمه الله: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج، على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا لا يلزم الناس فرض الإمامة وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم[65]).

وإن قلتَ بالثاني فإن أولوية من خلَّص الدار ونزع يد البغي عنها بالحكم على غيره لا يماري فيها ذو نظر، ولا ينازع فيها ذو عقل، لِما له من فضل التخليص من علوٍ في رتبة الاستحقاق، فتقديم غيره عليه تقديم لخلاف مقتضي التقديم، فهو تحكم.

ثم يقال له: فهذا الذي أردتَ أن يُسلَّم له الحكم، أفيحكم فيه بسلطانٍ تابعٍ للأول؟! أم بسلطان مستقل؟!

فإن قلت بالأول رجعت إلى قولنا، وإن قلتَ بالثاني فقد نقضت ما سلَّمتَ به من صحة انعقاد البيعة للأول، وقد كان مقتضاها على ما سلَّمتَ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما[66]).

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ستكون خلفاء فتكثر)، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (فوا ببيعة الأول، فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم[67]).

قال الإمام النووي رحمه الله: (ومعنى هذا الحديث إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء[68]).

وقد مال بعض الفقهاء إلى تجويز عقد البيعة لإمامين إذا تناءت الأمصار عند الاضطرار، وليس كذلك ما نحن فيه.

ثم يقال له: أفرأيتَ جند الإمام ومن دخلَ معهم في بيعته من أهل البلد المحرر، فإمّا أن توجب عليهم مفارقة تلك الدار إلى ما سلَّمتَ بنفاذ حكم الإمام فيه، وإما أن تلزمهم ببيعة من ترى أحقيته في حكم البلد الذي هم فيه ونكث بيعتهم للإمام الأول، وإما أن تُرخِّص لهم في البقاء حيث هم فيه والوفاء ببيعتهم للإمام الأول دون معارضتهم للإمام الثاني!

وما لقائلٍ أن تكون خيرته منها آخرها، فإما الأولى وإما الثانية.

فإن قلتَ بالثانية فقد حرَّمتَ عليهم ما أوجب الله ورسوله من طاعة الإمام، وأوجبتَ ما حرَّم الله ورسوله عليهم من إبطال بيعة الإمام الثاني، والمسلم إنما سعيه وجِدُّه وكدحه في امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما زجر عنه!

فإن كانت الخيرة لك في أولاها، فأين في كلام الله أو هدي رسوله برهانُ ما أوجبتَ؟!

فإن كانت إنما هي الحدود التي وضعتها الأيدي الآثمة الخاطئة فما أمرها من دين الله في شيء، ووجودها في الشِّرعة كعدمها سواء، إذ المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.

وغير خافٍ عليكَ أنها إنما وضعت وحُرسِت للتفريق بين المؤمنين، وتوهين صفهم، وتشتيت أمرهم، وزرع الضغائن والأحقاد بينهم، ولتكون من وراء ذلك تثبيّتاً لصف الذين كفروا، وسنداً لهم في حرب الذين آمنوا بالله ورسله، ولعمر الله لو بُني أحب ما لله في البلاد من تلك المساجد التي يعمرها القائمون والعاكفون والركع السجود، وشيِّد لشيءٍ مما رُسمت له تلك الحدود، لكان حكمه في دين الله أن يُحرق وينسف ويتبَّر تتبيراً، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمسجد الضرار الأول، الذي قال فيه الحق سبحانه: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110)} [التوبة].

فكيف بتلك الحدود الرجس! التي رسمتها أيدي النَجَس؟!

وإني ضاربٌ لكَ مثالاً يَبينُ منه أن استثقال كثير ممن استثقل تمدد الدولة الإسلامية إنما هو لما خلَّفته السنين من إلفٍ بهذه الحدود جعلت من خارِمه آتياً لمستنكر!

أفرأيتَ لو أن الدولة الإسلامية في العراق لم يكن لها من سلطان ومُكنة وشوكة إلا في بغداد، ولم يكن ما حولها من مدن العراق قد لحقه ما لحقها من الحرب التي آلت إلى نشأة الدولة، ثمَّ لما تغوَّل النظام النصيري على أهل الشام طالَ شرر حربه إلى مدن العراق التي كانت آمنة مطمئنة، وعمَّها من القتل والتشريد ما عمَّ المدن الشامية، فانتهضت الدولة برجالها ومالها وعتادها إلى تلك المدن فحررتها وبسطت سلطانها عليها! أتراه يستنكر عليها هذا التمدد والتوسع ويستثقله كثير ممن كان منه ذلك لـمَّا كان في الشام؟!

فإن أنصفت من نفسك فما أرى الأمر إلا قد انجلى لك! وإذ ذاك فما تلك الحدود التي ألفها الناس إلا كالأصنام يجب السعي إلى تحطيمها وطمس معالمها.

وإن قلتَ بعد هذا: ليس بي إذ عارضتُ تمدد الدولة ما ذكرتَ من موروث الحدود في النفوس، وإنما الشأن أن في الشام جماعات وأطيافاً عدة شاركت في تحرير البلاد الشامية، ورد عادية النصيرية، وهم لا يرضون الأمر إلا عن شورى، ولا يسلِّمون قيادهم دون ذلك.

فيُقال: فأما إذ ذكرتَ ما ذكرت فإما أن يكون من يعارض توسع الدولة إلى الشام يعارضها في ذلك بإطلاق، أي حتى في ما بسطت سلطانها عليه من المدن الشامية، وإما أن تكون معارضته لها في أحقية توسيع حكمها على ما سوى ذلك من المناطق مما حررته الكتائب الأخرى أو شاركت الدولة في تحريره.

فإن كانت المعارضة على الوجه الأول فهو عينه موروث الحدود الذي وصفتُ لك، وما بُني على باطل فهو باطل.

وإما أن يكون نوع المعارضة هو الثاني، فيقال: فما موجِب هذه المعارضة؟!

فإما أن يكون لعدم الشورى والاستئمار، وانتصاب الدولة للأمر والاستئثار.

وإما أن يكون لعدم أهلية أمير الدولة لمنصب الإمامة.

وإما أن يكون لرؤية الـمُعارض من نفسه أحقية لذلك المنصب ليس يماثله فيها من انتصب لها.

فخذ جواباتها..

 

ثالث الجوابات

جواب من عارض تمدد الدولة الإسلامية لعدم الاستشارة، أو لظن الأحقية

فإن كنت أيها المخالف لتوسع الدولة إنما خالفتها فيه لعدم أهلية أمير الدولة لمنصب الإمامة، فجوابك من وجهين:

الأول: أن البيعة لأمير الدولة قد تمت وانعقدت، واختلال بعض الشروط -لو سُلِّم لك- لا يجيز نكث البيعة، ولا عقدها لأمير آخر كما تقدم، ما لم يكن ما اختلَّ هو عقد الديانة، أو خروجٌ مطلقٌ عن شرط الإمامة بجنون أو قهرٍ لازبٍ ونحو ذلك، ودون إثبات تحقق ذلك في الدولة وأميرها خرط القتاد، واخضرار الرماد!!

الثاني: أن شروط الإمامة قد تحققت في أمير الدولة أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي نصره الله، بما لا يضارعه فيه مضارع، أو يعتلي فيها عليه منازع.

وإن كنت إنما تنازعه لأحقيَّة تراها في نفسك لهذا المنصب، فما هذا يجيز منازعته في دين الله، ولو كنتَ كالذي تظن بنفسك وبايعك على ذلك من بايعك بعد أن عقدت البيعة لغيرك فالبيعة باطلة، وقد تقدم قول النووي رحمه الله: (وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها).

وإن كان إنما حملك على معارضتها هو عدم مشاورتها لك في إقامة الدولة في الشام، واستئثارها بالأمر دونك، فجوابك على هذا من عشرة وجوه:

الوجه الأول: أن جمهور أهل العلم المتقدمين على عدم وجوب الشورى على الإمام وإن كانت مستحبة، وهي بكل حال مسألة خلافية، فلا يكون في ترك الإمام إن تركها على قول الجمهور أكثر من تركه مستحباً، ولا تثريب عليه في ذلك، إذ هو من موارد الاجتهاد، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (أئمة أهل السنة والجماعة، لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد، ولا يكرهون أحداً عليه[69]).

وإذا لم يكن للعلماء أن يلزموا عامة الناس بما يقولونه في موارد الاجتهاد، فهل يكون لهم أن يلزموا به أمير الدولة الإسلامية؟!

وقال شيخ الإسلام رحمه الله: (أما إلزام السلطان في مسائل النزاع بالتزام قول بلا حجة من الكتاب والسنة فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين[70]).

وإذا لم يكن للسلطان أن يلزم عامة الناس بقولٍ فيما اختلف العلماء فيه من غير حجة، أفتراه يجوز أن يُلزَم السلطان بما لا يجوز له أن يُلزِم به؟!!

الوجه الثاني: أن من كبار الصحابة من لم يُستشر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الخلافة، ولم يكن ذلك بمسيغ لواحدٍ منهم أن يشق عصا المسلمين، أو يترك البيعة لأبي بكرٍ الصديق رضي الله عنه، وفي مستدرك الحاكم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه خطب الناس بعد توليه الخلافة واعتذر لهم، وأن علياً والزبير رضي الله عنه قالا: (ما غضبنا إلا لأنا قد أخرنا عن المشاورة، وإنا نرى أبا بكر أحق الناس بها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه لصاحب الغار، وثاني اثنين، وإنا لنعلم بشرفه وكبره[71])، وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

الوجه الثالث: وكذلك الصديق رضي الله عنه لما استخلف من بعده عمر الفاروق رضي الله عنه ما شاور في ذلك لا كل الصحابة ولا جمهورهم ولا الكثير منهم، وقد ورد أنه شاور منهم نفراً يسيراً، فما كان هذا منه رضي الله عنه بموجِبٍ لعدم بيعة من استخلفه بحجة الاستئثار وترك الاستئمار!

الوجه الرابع: أن عدم مشاورة الإمام للبعض لا يعني عدم تحقيقه للشورى، إذ ليس بلازم له ولو قيل بوجوب الشورى أن يستشير كل أحد، وهذه أفعال الصحابة رضوان الله عليهم شاهدة بهذا.

الوجه الخامس: أن امتداد الدولة إلى الشام ولو قيل بوجوب الشورى فليس مثله مما يرِد عليه الوجوب، وذلك أن الامتداد وإحراز الأرض فرعٌ لوجوب نصرة المسلمين في الشام، فالمطالب به كالمطالب بالشورى في نصرة المسلمين وغوثهم من اصطلام الكافرين!!

الوجه السادس: وهو أيضاً -أي امتداد الدولة- مما لا يرِد فيه الوجوب لأن الشورى فيه قد تحققت، وانعقدت البيعة لأمير الدولة بناء عليها، فهو مطالبة بتحصيل الحاصل! وتحقيق ما قد تحقق!

الوجه السابع: وإن كان المطالب بالشورى يطالب بإعادتها وإن كانت قد تحققت، بحجة الامتداد لأرض توفر فيها من هو من أهل الشورى، فهذا من الباطل، لعدم لزوم مشاورة الكل، ولاستلزامه نقض عقد قد أُبرِم على وجه صحيح.

الوجه الثامن: ويُبطل كذلك بأن الشورى إنما تكون لمن توفر وجوده من أهل الحلِّ والعقد وقت لزوم تنصيب الإمام، ولو لزم استشارة أهل الأصقاع لما صحت خلافة واحدٍ من الخلفاء الراشدين المهديين رضي الله عنهم.

فإن قلتَ: فإنما كان ذلك متعذراً في زمانهم لتنائي الديار، ومشقة الأسفار، وتأخر وصول الأخبار، بخلاف الحال في هذه الأعصار!

فيقال: فهو منتقض عليك بعهد الصديق للفاروق، وعهد الفاروق للستة رضي الله عن الجميع!

 وهو كذلك لازمٌ عليك من جهة طرد ما استوى في معنى ما ذكرتَ أو فاقه فيه! فلتقل بمثل ما قلتَ في تنصيب الإمام في قُطْرٍ انعتق قبل غيره من حكم الطاغوت، واحتفَّ به من شدة الظروف ما لعله يربو على الحال التي كانت في الصدر الأول!

فهذا ظرف لا بد له من النظر إليه بما يلائمه من الفقه، وقد كانت الخلافة الراشدة تنعقد وتلزم ببيعة أهل الحل والعقد أو جمهورهم في المدينة، ولهذا قاتل علي رضي الله عنه من لم يدخل في بيعته بعد ذلك وقد كان محقاً مصيباً، ولو كان لازماً مشورة من نأى أو اختياره لاحتج عليه بذلك أهل الشام وعلى رأسهم معاوية رضي الله عنه.

وأنت ترى في واقع الأمة اليوم أن الدولة الإسلامية قد قامت في العراق بعد تحريره ولم يكن شيءٌ جاورها من البلاد محرراً من ربقة الطواعيت، وحال إنشاء الدولة وما تطلبه من تحقيق الشورى قد كان يتم في ظروف بالغة الصعوبة، في وقتٍ تقدمت في أساليب الحرب، وتحصَّلت للعدو من أسبابها ما يلاحق به أهل الإسلام ويبغتهم في أي وقت وعلى أي أرض، فلا مقارنة بينه وبين ظروف إقامة الخلافة الراشدة في زمن النبوة، ومع ذلك لم يكن ما تطالب به الدولة الإسلامية اليوم معتبراً في زمن الخلاف الراشدة، والبون شاسع بين الحالتين!!

ولله در الشيخ أسامة تقبله الله إذ يقول إبان قيام الدولة في العراق: (إن الذين وجدوا في أنفسهم بسبب عدم مشاورتهم إن كان لهم همة ورغبة في توحيد كلمة المسلمين فوَجْدُهُم لاحرج فيه كما سبق ذكره, و أما إن كانوا يصرحون بأن الوقت غير مناسب ويأخرون حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم بآرائهم طيلة هذه السنوات فهؤلاء وجدهم غير مبرر وما ينبغي انتظارهم وتعطيل أمور الدين, ولكن لما نشأ الناس وعاشوا بعيداً عن ظل الدولة المسلمة تبلد حس الكثير منهم ولم يعودوا يشعرون بحرج كبير لتأخير قيامها, فينبغي أن يناصَح الأخوة في ذلك, ورغم أهمية الشورى في الإمارة والنصوص في ذلك واضحة بينة وقول عمر رضي الله عنه في ذلك لا يخفى، إلا أن أمر اجتماع الكلمة على الأمير مُقدَّم عليها إذا تعذر استيفاؤها من جميع المعنيين بها، كما لو تكررت ظروف شبيهة بظروف السقيفة, ولو أن الإمارة لا تتم في مثل ذلك الحال إلا بعد مشاورة جميع من يعنيهم الأمر لما أقدم عمر على مبايعة أبي بكر دون استيفاء المشاورة, ولما قبل أبو بكر أن يبسط يده لقبول البيعة, ولما أقدم جُلُّ الصحابة على مبايعته رضي الله عنهم أجمعين[72]).

وقال رحمه الله: (قد سمع المسلمون بأن بعض الأخوة من الأمراء والعلماء في بعض الجماعات المجاهدة قد وجدوا في أنفسهم إذ أبرم الأمر ولم يحضروه وقضي ولم يشهدوه فأقول إن وَجْدَ هؤلاء لاحرج فيه, وإن لم يغضبوا فذاك السبيل بسبب الأوضاع الأمنية الصعبة مما يُعسِّر الحركة والاتصال[73]).

الوجه التاسع: فهب بعد هذا أن أمير المؤمنين أبا بكر البغدادي حفظه الله ونصره قد استأثر بالأمر، وقد كان واجباً عليه أن يستشير ويستأمر، فليس ذلك منه بمجيز لك منازعته! ولا إحداث بيعة بعد البيعة التي انعقدت له! قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله: (لو وثب رجل يصلح للإمامة فبايعه واحد فأكثر، ثم قام آخر ينازعه ولو بطرفة عين بعده، فالحق حق الأول، وسواء كان الثاني أفضل منه أو مثله أو دونه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “فوا بيعة الأول فالأول من جاء ينازعه فاضربوا عنقه كائناً من كان”[74]).

الوجه العاشر: وهب أيضاً أنه استأثر بالأمر، فنحسبه والله حسيبه باراً راشداً في ذلك، وإنما حمله عليه الخشية أن تُفتلت الثمرة من أيدي الصادقين، ويقع الفساد في الأرض، وله فيه من الصحابة الكرام سلف، قال الإمام ابن حزم رحمه الله: (إن مات الإمام ولم يعهد إلى أحد أن يبادر رجل مستحق للإمامة، فيدعو إلى نفسه ولا منازع له ففرض اتباعه، والانقياد لبيعته، والتزام إمامته وطاعته، كما فعل علي إذ قُتل عثمان رضي الله عنهما، وكما فعل ابن الزبير رضي الله عنهما، وقد فعل خالد بن الوليد إذ قتل الأمراء زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة، فأخذ خالد الراية عن غيره إمرة، وصوب ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ بلغه فعله، وساعد خالداً جميع المسلمين رضي الله عنهم، وأن يقوم كذلك عند ظهور منكر يراه فتلزم معاونته على البر والتقوى، ولا يجوز التأخر عنه لأن ذلك معاونة على الإثم والعدوان[75]).

وانظر وتدبر كيف تمَّ تنصيب أول خليفة في هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، وكيف أُسرِع في الأمر دون مشورة جميع الصحابة حتى كان الحال كما قال عمر رضي الله عنه: فلتة وقى الله شرها، وقارن بعد هذا بين حال قد اقتضى الصحابة وألجأهم إلى ذلك، وهم أسمى وأشرف وأرقى مجتمعٍ في هذه الأمة، وبين حال تمر به الأمة اليوم في مجتمعاتٍ خالفة، تشعبت بأهلها السُبل، وتفرقت بهم المسالك، وراجت على الكثير منهم سوءات ملة الكفر في مفاهيم الحكم والسياسة! فأي الحالين تراه بعد ذلك أولى باقتضاء ما اقتضاه؟!

وقل مثل ذلك في انتصاب ابن الزبير رضي الله عنهما للأمر، فأي الحالين تراه أولى باقتضاء فعلٍ كفعل كالذي فعله رضي الله عنه؟!

يقول الشيخ المجاهد أيمن الظواهري حفظه الله: (إقامة الإمارة أو الدولة الإسلامية فريضةٌ شرعيةٌ وضرورةٌ واقعيةٌ، ولا يمكن تأخيرها لعدم توافر الظروف المثلى لاختيار الحاكم، وإلا لاستولى المفسدون وأعداء الإسلام على البلاد، وضاع الأمن وهددت الحرمات، ولوقعت الفتن، التي أضاعت ثمرة الجهاد في أفغانستان لولا قيام الإمارة الإسلامية، والتي يمكن أن تضيع ثمرته في العراق، فجميع الظروف الداخلية والخارجية في البلدين مهيأةٌ ومتوفرةٌ لإذكاء القتال الداخلي، إلا إذا قامت سلطةٌ شرعيةٌ متمكنةٌ تحبط تلك المؤامرات[76]).

وفي مثل هذا الحال الذي ذكره الشيخ فلو انتصب لسياسة الناس، ودرء ما يُخاف من الشر المتوقع من لم تجتمع فيه شرائط الإمامة فإن طاعته لازمة، قال ابن الهمام رحمه الله: (لو تعذر وجود العلم والعدالة فيمن تصدى للإمامة، وكان في صرفه عنها إثارة فتنة لا تطاق، حكمنا بانعقاد إمامته كي لا نكون كمن يبني قصراً ويهدم مصراً[77]).

فكيف والمنتصب لها بحمد الله ممن توافرت فيه الشرائط، وليس يعوز خِلالَهُ منها ما أعوز سواه؟!

 

الخلاصة

موجبات الانضمام للدولة الإسلامية في العراق والشام

إذا تمهد ما سبق من جواباتِ أبرز الاعتراضات والتحفظات على إقامة الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتوسعها وتمددها في أرض الله، فلنختم بذكر ما تفرق فيها وما لم يُذكر من موجبات -كما نحسب- للانضمام لهذه الدولة:

الأول: صحة المنشأ، وسلامة البيعة، وعدم طروء موجب لحلها.

الثاني: توافر شروط الإمامة في أميرها.

الثالث: حرمة استحداث بيعة لإمام آخر.

الرابع: حرمة التفرق، ووجوب الاعتصام بحبل الله، قال تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}[آل عمران:103].

قال الشيخ أسامة تقبله الله: (والمقصود والمطلوب شرعاً اعتصام المسلمين بحبل الله واجتماعهم تحت أمير واحد لإقامة دين الله ونصرته, ومعلوم أن هذا الأمر يجب المسارعة في إقامته فهو واجب من أعظم الواجبات في دين الله تعالى[78]).

الخامس: أن الدولة فاقت كل الجماعات في شدة البأس، ونكاية الشوكة، وبسطة السلطان، ومِراس الصعاب، وإغاظة أعداء الملة، وحماية البيضة، ونصرة المسلمين، وهي فوق ذلك من انعقدت لأميرها دون غيرها بيعة الإمامة.

قال الشيخ أيمن الظواهري حفظه الله: (أما دولة العراق الإسلامية نصرها الله فهي لا زالت حتى اليوم بفضل الله القوة الأساسية في مواجهة الصليبيين وعملائهم وفي التصدي للمطامع الإيرانية.

ورغم كل حملات الأمريكان وعملائهم، ورغم أنهار الدولارات التي جندت حشود الخونة والمرتدين، فقد تصدت دولة العراق الإسلامية لكل هذه الحملات، ولا زالت بفضل الله وقوته تكيل الضربات القاصمة للأمريكان وعملائهم، الذين فشلت كل خططهم، وهي بفضل الله ومنته باعتراف الجميع الموافق والمخالف أقوى قوةٍ في مواجهة الأطماع الصليبية والإيرانية في العراق[79]).

السادس: أن في الانضمام إليها توحيداً للصف، ولـمَّاً للشمل، وحفظاً للدماء، وصيانة للحرمات، وتوهيناً للأعداء، وتعاوناً على البر والتقوى وكل هذا واجب، وفي سوى ذلك التفرق، وإشغال المسلمين ببعضهم، وتوهية صفهم، وإضعاف حدهم، والتعاون على الإثم والعدوان وكله محرم.

السابع: أن عدم الانضمام للدولة تعللاً بالتحفظات عليها فيه من فساد المآل ما يربو على تلك التحفظات وأضعافها معها، ولا ريب أن درء أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما مقدَّم على عكسه.

الثامن: أن ما يُتعلل به من تحفظات على الدولة لو سُلِّم فليس مثله يجيز تفريق المسلمين بترك الانضمام لها، أو إحداث بيعة لإمام آخر، ومناكفتها ومنازعتها.

التاسع: أن معهود الشارع تقديم من تحصَّل زيادة فضل على من دونه، كما في أحقية الإمامة، وولاية الإمام في الصف، وابتداء الصغير السلام على الكبير، وتقديم المتيامن في الشرب ونحوه، وتقديم الكبير في الحديث، وتقديم الأحفظ للقرءان في القبر وما إلى ذلك.

وانضمام الجماعات للدولة دون انحلال الدولة فيها، لما للدولة من سبق في الفضائل، هو من رعاية معهود الشارع، وعكسه خروجٌ عنه، فكيف إذا أضفت إلى ذلك انعقاد البيعة لأمير الدولة؟!

وقد سئل الشيخ المجاهد أيمن الظواهري حفظه الله هذا السؤال: (ما موقفكم من الحركات الجهادية في العراق وعلى رأسهم دولة العراق الإسلامية وجماعة أنصار السنة؟ ولماذا لم يبايع أحدهم الآخر؟).

فأجاب: (الدولة خطوةٌ في سبيل إقامة الخلافة أرقى من الجماعات المجاهدة، فالجماعات يجب أن تبايع الدولة وليس العكس[80]).

العاشر: أن كل عاقل يعلم أن الجماعات إن تأبَّت الانضمام إلى الدولة وهي أقلُّ حظاً منها في الفضل والسابقة والقوة والتمكين، فتأبِّي الدولة للاندماج في الجماعات ومكانُها ما قد علمتَ أولى وأحرى، وإذ ذلك كذلك فاحتمال أدنى الأمرين والحكم به هو المتحتم عند أولي الحجا، وبالله التوفيق وإليه الملتجا.

الحادي عشر: أن مشروع الدولة الإسلامية في العراق والشام قد فات أوان الرجعة فيه، وتفارط الزمن عن إمكانية الإياب عنه، لعدة أسباب، والمعارض للدولة مهما كان لمعارضته لمشروعها من وجاهة في مبدأ الأمر، فهذا لا يُسيغ له استدامة المعارضة وقد أضحى المشروع حقيقة واقعة لا مجال لرفعها ونسخها.

 

خاتمة

هذا ما تيسر للفقير كتابته، وقد أعرضت عن حجج وبراهين، وإيرادات وجوابات، اكتفاء بالأهمّ، وأحسب بعد هذا أن جهوداً قد بذلت في صد الناس عن الدولة ومشروعها لو صرفت في سبيل توحيد الصف، وتجميع الشمل، لرُئي أثرها يانعاً طيباً.

وإني لأحيي كل مجاهد شريف تنزه عن حظوظ نفسه.. وسما بنظره عن رغباتها حفاظاً على ريح الإسلام أن تزول بعد عصفها بأعداء الله.. فبادر إلى الالتحاق بالدولة الإسلامية.. وأوهن عزيمة الملة الغوية.. فبارك الله مسعاهم.. وشكر مأتاهم.. وألحق بهم في الخير البقية.. وأعاذ من شرِّ الفُرْقة الأمة المحمدية..

اللهم اجمع كلمة المجاهدين في سبيلك على ما يرضيك.. وألف بين قلوبهم.. واهدهم سبل السلام..

سبحانك اللهم وبحمدك.. أشهد ألا إله إلا أنت.. أستغفرك وأتوب إليك.

كتبه / أبو الحسن الأزدي

2/شوال/1434

فوالله لو لم يبق تحت أديمها .. إلّايَ ينصر ليثنا البغدادي

لحللتُ حبوة عزمتي وفديته .. بالروح وليشنأ أولو الأحقاد

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مع تحيات إخوانكم في

مؤسسة المأسدة الإعلامية

” صوت شبكة شموخ الإسلام “

 

ادعوا لإخوانكم


[1] الصواعق المرسلة (2/519).

[2] صحيح مسلم (55).

[3] درء التعارض (8/408).

[4] مجموع الفتاوى (14/482-483).

[5] من كلمة للشيخ بعنوان: السبيل لإحباط المؤامرات، (باختصار).

[6] إعلام الموقعين (3/78).

[7] صحيح البخاري (4418)،

[8] المسند (681) ط الرسالة.

[9] كذا في المطبوعة بدون واو.

[10] فضائل الصحابة (2/ 930-931).

[11] البداية والنهاية (11/400).

[12] كلمة للشيخ بعنوان: السبيل لإحباط المؤامرات.

[13] كلمة للشيخ بعنوان: نصيحة مشفق – جمادى الآخر 1428.

[14] لقاء الشيخ الرابع مع مؤسسة السحاب، والمعنون بـ(قراءة للأحداث).

[15] اللقاء المفتوح 2008م – الحلقة الثانية.

[16] لقاء مركز يقين 1428.

[17] صحيح البخاري (696).

[18] صحيح البخاري (7144)، وصحيح مسلم (1839).

[19] المحرر الوجيز (3/455).

[20] صحيح البخاري (7055)، وصحيح مسلم (1709).

[21] (1855).

[22] (1851).

[23] صحيح البخاري (7054)، وصحيح مسلم (1849).

[24] صحيح مسلم (1848).

[25] فتح الباري (13/73).

[26] صحيح البخاري (2957)، وصحيح مسلم (1841).

[27] شرح صحيح البخاري (5/128).

[28] المنهاج (12/230).

[29] فتح الباري (6/116).

[30] صحيح البخاري (2956).

[31] المتواري على أبواب البخاري (74).

[32] صحيح البخاري (3700).

[33] الأحكام السلطانية (42).

[34] الخلافة (34).

[35] انظر البداية والنهاية (9/440-441).

[36] البداية والنهاية (9/421).

[37] فضائل الصحابة (1/119).

[38] البداية والنهاية (9/441).

[39] الاعتقاد (345).

[40] انظر جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة لأبي بكر (143).

[41] انظر السابق.

[42] البداية والنهاية (10/286).

[43] البداية والنهاية (10/297).

[44] الشريعة (4/1982).

[45] الشريعة (4/1980).

[46] المسند (25162)، وقال محققوه: إسناده حسن.

[47] السنن (3705).

[48] المسند (24566)، وصححوه.

[49] شرح مشكل الآثار (13/336).

[50] أي كونه موجِباً.

[51] غياث الأمم (125).

[52] البداية والنهاية (10/654).

[53] انظر البداية والنهاية (10/682).

[54] البداية والنهاية (11/5-6).

[55] السنن (4646)، وفي السنن للخلال (2/325) قال أبو بكر المروذي: ذكرت لأبي عبد الله حديث سفينة، فصححه. وقال: قلت: إنهم يطعنون في سعيد بن جمهان، فقال: سعيد بن جمهان ثقة، روى عنه غير واحد، منهم حماد، وحشرج، والعوام، وغير واحد. قلت لأبى عبد الله: إن عياش بن صالح حكى عن علي بن المديني ذكر عن يحيى القطان أنه تكلم في سعيد بن جمهان، فغضب وقال: باطل، ما سمعت يحيى يتكلم فيه، قد روى عن سعيد بن جمهان غير واحد.

[56] البداية والنهاية (12/186-187).

[57] البداية والنهاية (12/206).

[58] سير أعلام النبلاء (3/376).

[59] البدابة والنهاية (12/180).

[60] الأحكام السلطانية (47).

[61] غياث الأمم (116).

[62] مآثر الإنافة (1/70-71).

[63] السبيل لإحباط المؤامرات.

[64] اللقاء المفتوح 2008 – الحلقة الثانية.

[65] الفصل (4/72).

[66] صحيح مسلم (1853).

[67] صحيح البخاري (3455)، وصحيح مسلم (1842).

[68] المنهاج (12/231-232).

[69] الفتاوى الكبرى (6/339).

[70] مجموع الفتاوى (3/240).

[71] المستدرك (4422).

[72] السبيل لإحباط المؤامرات.

[73] السابق.

[74] الفصل (4/131) بتصرف يسير اقتضاه السياق.

[75] الفصل (4/131).

[76] اللقاء المفتوح 2008 – الحلقة الثانية.

[77] انظر رد المحتار على الدر المختار (4/263).

[78] السبيل لإحباط المؤامرات.

[79] اللقاء المفتوح 2008 – الحلقة الثانية.

[80] اللقاء المفتوح 2008 – الحلقة الثانية.

2 responses to “رسالة قيمة [موجبات الانضمام للدولة الإسلامية في العراق والشام] للشيخ أبي الحسن الأزدي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s