التعقب على رسالة أبي قتادة – عجَّل الله بفكاك قيده – أبو القاسم الأصبحي


التعقب على رسالة أبي قتادة – عجَّل الله بفكاك قيده –

بسم الله الرحمن الرحيم


أما بعد : –
فقد صدرت اليوم رسالة منسوبة لأبي قتادة – عجَّل بفكاك أسره وهلاك طاغوت الأردن – وهي موسومةٌ بـ « رسالة لأهل الجهاد بالشام » .
وقد رأيت أبا قتادة فيها قد أصاب في غالب رسالته إلا في مواضع سيأتي معنا بيانها .
وقد علم كل ناظرٍ في ساحة العراق والشام – وخاصةً الأولى – أن القائم فيها على الجبهات – في الأغلب – مقاتلاً عدو الله ورسوله هي الدولة الإسلامية في العراق والشام أعزّها الله وأعزّ أميرها ومكَّن لها في الأرض .
بل في العراق لا يوجد جهادٌ قائم على سوقِه إلا جهاد جنود الدَّولة , فقد ذهب الزبد جفاءً ؛ لأنه لا ينفع الناس , وأما ما نفع الناس فقد مكث اليوم في أرض العراق محارباً للرافضة المشركين ومن أعانهم من المرتدين .
حينئذٍ كان الأولى بمن يلقي بالنصح إليهم أن يراعي حال المنصوحين وأنهم اليوم هم القائمون على كل ثغور العراق وكثيرٍ من ثغور الشام .
وهذا الأمر كفيلٌ أن يردع كل من يطلق لسانه فيهم تصريحاً أو تلميحاً .
واعلموا أن التصدّر والإفتاء ولايةٌ لا يُولَّاها أسير لا يدري ما حوله ؛ لأن الأسير لا يتمكن من معرفة الواقع وإنما يعتمد في ذلك على ما يُنقل له , ولا يصح لأسير في سجون الطواغيت أن يتكلم فيما شجر بين المجاهدين اليوم لأننا نقطع بجهله بواقعهم وحقيقة حالهم .
وهذا ما نبّه عليه أبو قتادة نفسه في رسالته فقال :
« أحذر إخواني المجاهدين من قادة وجنود من الاستماع إلى ما يصدره البعض من فتاوى عن بُعد » انتهى .
فهذا الكلام يشمل أبو قتادة نفسه , فإنه يتكلم وهو أسير بعيدٌ عن المجاهدين ولا يدري حقيقة أفعالهم ولا ما شجر بينهم .
والحكم على شيء فرعٌ عن تصوِّره , وإذا فقد الناصح التصور الصحيح للمسألة حاد في نصيحته وخبط فيها خبط عشواء , وهو نظير ما وقع فيه أبو قتادة في مواضع .
فعجباً لمن ينكر شيئاً ولا يعلم أنه متلبس بذلك المنكر !!
وهذه الرسالة شَابَها ما شابَ كثيرٌ من الرسائل التي أرسلها من نظنّ بهم الخير والصلاح إلى أهلِ الشام , فيتركون أصلَ الدَّاء ومَنْبَت الْعَطَن ويبحثون في أمورٍ اجتهادية – في أقل الأحوال – , ثم يُهوِّلون من هذه الأمور الاجتهادية حتى أنك تظن أنه شغل الناس اليوم وأنهم قد اقتتلوا على التسمي بأميرِ المؤمنين ونحوها من الأمور التي أقلّ أحوالها الاجتهاد السائغ .
ثم هم يتركون المناهي العظام التي اقترفها خلقٌ من المجاهدين في الشام وهي أمورٌ محرَّمةٌ قطعاً وإجماعاً كما يفعله كثير من الكتائب التي تنتسب للإسلام في الشام من تَنَحُّلِ نِحْلَةِ الديمقراطية الكافرة وكذلك موالاةِ كتائبٍ شهيرةٍ للنصارى الأمريكيين والرُّكون إلى حكَّام تركيا المرتدين المحاربين لدين الله وكذلك نزع اليد من طاعة الأمير وغيرها من المنكرات المعلومة .
وهذا الأخير قد فشى وشاع حتى استساغ تعاطيه كثيرٌ من الكتائب فيصبح المرء منهم مبايعٌ لأميره ثم يُمسِي ناكثاً لبيعته دون نكير أو استشعار لعظيم المنكر الذي اقترفه .
فرسالةُ أبي قتادة – على ما فيها من الحق – إلا أنها خلت من التعريج على المنكرات العظيمة التي هي أصول الفساد في المجاهدين على ثغر الشام في اليوم .
وسبب هذا أن أبا قتادة لم يتصور الواقع الصحيح للمجاهدين وإنما نُقل له أوهامٌ وخيالات لا وجود لها في الخارج .
فرُبَّ قائلٍ يقول : يا أبا القاسم قد والله حِدْتَ عن الحق وجانبت الصواب , فإن أبا قتادة تكلّم عن أصل الفساد في الشام اليوم ألا وهو الاختلاف الحاصل بين المجاهدين , فما بالك تزعم أنه لم يُنبِّه على أصول الفساد العِظام ؟
قلنا لك : إن الاتفاق أو الافتراق لا يمدحان بإطلاق , فقد تكون المفارقة في بعض المواضع مذمومةً وفي مواضع أخرى محمودةً , وكذلك الاتفاق فقد يكون في مواضع مذموماً وفي مواضع أخرى محموداً .
وما حصل في الشام اليوم في أغلبه هو من الافتراق المحمود وهو مفارقة تلك الكتائب الديمقراطية ومباينتها في نهجها وكذلك مباينة المتدثرين بالإسلام ظاهراً والمبطنين الديمقراطية في قلوبهم .
وقد يوجد افتراق مذموم في الشام ولكنه قليل كما هو الحال في تخلّف البعض عن بيعة أبي بكر الحُسني الهاشمي حفظه الله , فإنّا نحسب تأخرهم هذا هو تهاون في أداءِ واجبٍ عظيم اتفق الأئمة ô على وجوبه ألا وهو اتفاقهم على وجوبِ نصبِ إمامٍ للمسلمين .
وهذا استطراد لابد منه إذ أن أبا قتادة يتكلم في رسالته عن خلافٍ حاصلٍ بين المجاهدين في الشام , فقد كان الأولى بأبي قتادة أن يضع يده على أصل هذا الخلاف وأن يحقَّ الحقّ فيه ويبطل الباطل .
فيقول لمن نكث بيعته : اتقِّ الله ولا تعصِ أميرك بله أن تخلع بيعته من عنقك جهاراً نهاراً !!
فالطاعة على العبد متعيِّنةٌ , ولو كان المُتأمِّر عبداً حبشياً كأن رأسه زبيبة , فما بالك وقد تأمّر أبو بكر الحُسَنِيّ الْهاشِمِيّ حفيدُ فاطمة بنت رسول الله ^ ؟!
وهذا آوان الشروع في ذكر ما أخطأ فيه أبو قتادة في رسالته السالفة .
قال أبو قتادة – عجّل الله بفكاك قيده – :
« من نافقة القول تذكير إخواني أن الإمرة اليوم هي إمرةُ جهادٍ والطوائف الآن طوائف جهاد , فليس هناك أميرٌ ممكنٌ يُعامل معاملة الخليفة أو ما أشبهه من الأسماء والألقاب » انتهى .
قلتُ : إطلاق القول بأن الإمرة اليوم هي إمرة جهاد هو إطلاق فاسدٌ قطعاً .
ولا يقع في هذا إلا أحدُ رجلين :
أولهما : الجاهل بالواقع المنصرف عن تحقيق الوقائع .
وثانيهما : الجاهل بأحكام الإمامة .
وغالب من يتكلم اليوم ويخطأ في هذه المسألة هو جاهل بأحكام الأمامة وتنزيلها اليوم , لذلك تجد كلامهم فيه ملتبس لا ينضبط .
ومن هذا الالتباس هو ما وقع فيه أبو قتادة ههنا إذ وصف الإمرة في الشام اليوم بأنها إمرةُ جهاد .
وهذا القول لا يصدر إلا عن من لا يفهم إطلاقات الأئمة للولايات ومقصودهم بذلك , وهذا كثير في المتصدرين اليوم وسببه الأول هو جهل كثير من طلبة العلم بأحكام الإمامة لبعد العهد بها .
ونظيرُ هذا ما تكلّم عليه أبو العباس ابن تيمية من أن كثيراً من العلماء يخطئون في مسائل الحج لبعدهم عن أداء مناسك الحج والعمرة وهذا ظاهرٌ بحمد الله .
فليس كلام العالم المجاور لمكة ككلام العالم في أقصى المغرب أو المشرق !!
فالأول قد أدّى المناسك وتعاطاه حتى أتقنه , أما الثاني فهو بعيد عنه ولم يتعاطاه فلم يتقنه .
كذلك اليوم في مسائل الإمامة , فإنك تجد بعض الطلبة يخبط فيها خبطاً عجيباً , ومن هذا الخبط هو ما أشرنا إليه .
فإن الأئمة لا يطلقون كلمة « أمير الجهاد » ويقصدون بها كل أمير تأمّر على نفرٍ من المجاهدين في بقعة من الأرض , فهذا الإطلاق لم يرد معناه على ألسنتهم .
بل مقصودهم بأمير الجهاد هو الأمير الذي يولِّيه إمام المسلمين إمرة الجهاد فتكون إمارته خاصةً بالجهاد ولا تتعدّى غيره , وليس مقصودهم بذلك أن يُسمّى كلُّ من تأمّر على نفرٍ من المجاهدين في بقعة من الأرض بأمير الجهاد , فهذا غلطٌ وخبط في فهم كلامِ الأئمة وهو كثير في كلام المتصدرين اليوم .
فحينئذٍ ليست هي من الولايات المستقلّة بذاتها بل هي من الولايات التي يضعها إمام المسلمين , وأنت تجد هذا كثير في كتب السياسة الشرعية .
أما توصيف الحال في الشام اليوم فيُقال : امتَّد إليها سلطانُ إمامٍ صحَّت له بيعةٌ شرعية .
وهذا الإمام هو أبو بكر الحُسني الهاشمي حفظه الله , فقد صحّت له بيعةٌ شرعية من أهل الحل والعقد وبويع أميراً للمؤمنين .
ثم امتد سلطانه إلى الشام بعد أن أرسل إليها جنوداً ومالاً وسلاحاً فحكموا كثيراً من المدن في الشام , وقد بايعه خلقٌ كثير من المجاهدين الصادقين في الشام .
والشام يوم أن امتدّ إليها سلطانُ أبي بكر كانت تحت سلطان مرتد وليس فيها إمامٌ للمسلمين , فلم يفتأت أبو بكرٍ على أحدٍ بحمد الله .
ولا حرج في ذلك شرعاً ولا حجّة لمن تخلّف عن هذه البيعة بسبب عدم مشاورته , فأبو بكر الصديق ترك مشاورة عليٍّ والزبير – وحسبك بهما – ومع ذلك لم يكن ذلك قادحاً في خلافة أبي بكر الصديق .
فهذا توصيف صحيح فصيح لحال المجاهدين في الشام , أما ما سوى هذا الوصف فلا حقيقة له ألبتَّة .
حينئذٍ لا يصح إيراد ما اصطلح عليه الأئمة بإمرة الجهاد وتنزيل ذلك على المجاهدين في الشام .
أما الكلام في التمكين وهل يُشترط ذلك للإمام ؟
فالكلام فيه واسع متشعب , وجِمَاعُه أن يُقال : لا يُشترط في إمام المسلمين أن يكون مُمكَّناً تمكيناً تامًّا بلا نقصان , فإذا بايع الإمام عددٌ من أهل الحل والعقد صحّت بيعته ولزم المسلمين كافةً طاعته , ولو كان الأمر غير ذلك لما صحّ للمسلمين إمام البتّة .
فهذا أبو بكر رضي الله عنه قد ثار المرتدون من العرب عليه حتى لم يبقى معه من جزيرة العرب إلا أقلُّ القليلِ , فلم يكن ذلك ناقضاً لبيعته التي عُقِدت .
وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد حُصر وامتّدت له يد الخوارج والبغاة وهو في عقر داره محاصراً لا يلْوي على شيء حتى قتلوه شهيداً سعيداً رضي الله عنه , وحسبك بهذا المثل في ظهورِ فقدان التمكين عن عثمان بن عفان فقد حصروه أياماً وليالياً فلم يكن ذلك ناقضاً لبيعته التي عُقدت .
فهل توجد صورةٌ لفقدان التمكين أشدَّ من هذه ؟!
اللهم لا .
وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه قد امتنع أهل الشام مع أميرهم معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه عن بيعته وكانت خارجةً عن سلطانه وغيرها عدد من البلاد , فلم يكن ذلك ناقضاً لبيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
حينئذٍ انتقضت شبهة الذين يزعمون اشتراط التمكين التام حتى تنعقد البيعة للإمام .
قال أبو قتادة – عجّل الله بفكاك قيده – :
« وإن ما ينتجه تسمية الأوهام بالحقائق والتعلق بالأسماء والهياكل والألقاب فمن الإثم العظيم في دين الله تعالى أن يقتل أهل الإسلام بعضهم بعضاً من أجل أُمراء أو أسماء تنظيمات وضعها الناس » انتهى .
قلتُ : هذا تعريضٌ ظاهر جليّ بالدولة الإسلامية في العراق والشام , وقد كان الأولى بمن علم حالهم أن يمسك لسانه عنهم حتى لو رأى فيهم خطأً فلا يُشهر ذلك على الملأ ؛ لأنهم اليوم قائمون على سوق الجهاد في العراق ذائدون عن ثغره بلا منازع , فوجب حينئذٍ إمساك اللسان عن الطعن فيهم ونبزهم بأن ما هم عليه أوهام عريةٌ عن الحقائق .
فهذا النبز اشتهر به ضباع الجهاد اليوم فيزعمون أن هذه الدولة وهمية لا وجود لها في الخارج وإنما هي في خيالات محبيها فقط , وقد كذبوا في ذلك وما أصابوا الحق فهي دولة حقيقية على الأرض وإن رغمت أنوفُهم .
والدولة الإسلامية في العراق والشام ليست وضعاً من الناس أو من اختراع قادتها , بل هو امتثال لأمرٍ شرعي قد انعقد الإجماع عليه ألا وهو وجوب نصب إمامٍ للناس .
حينئذٍ لا يصح وصفها بأنها من وضع الناس بل هو أمرٌ ربانيّ اتفقت عليه الأمة بلا مخالف .
قال أبو قتادة – عجّل الله بفكاك قيده – :
« فإني رأيت بعض من تسمّى بالخليفة أو أمير المؤمنين هو في هذا الباب على دين الرفض دون أن يدري , فإنهم هم من يرون الأمراء والأئمة وضعاً إلهياً لا اختياراً بشرياً يخضع للمصلحة دون غيرها » انتهى .
قلتُ : لا نعلم أحداً من المجاهدين اليوم في الشام يقول بقول الرافضة ألا وهو أن الأئمة يُنصبون من الله لا من الخلق .
فهذا القول لا وجود له فيمن انتسب للجهاد اليوم , وذكره ههنا لا حاجة منه وهو من جنس ذكر الأشياء التي لا وجود لها في الخارج ومن الاستكثار بما لا حقيقة له .
فلعمري أين من زعم ذلك في الناس اليوم ؟!
فانظر رحمني الله وإياك كيف يُصدف بعض الناس عن إنكار منكرات ظاهرة واقعة في الشام وعدم التعريج عليها , ثم يخترعون أقوالاً من رؤوسهم لا حقيقة لها ولا نعلم أحداً قال بها ابتداءً فينكروها !!
وبالجملة فقد سبق أن وصفنا لك رسالة أبي قتادة بأنها صدفت عن ذكر المنكرات الخطيرة التي وقعت في الشام والتنبيه عليها ونصح أهلها , وانشغلت بأمور أقل أحوالها الاجتهاد بل ذكرتْ أموراً لا وجود لها في الخارج ولا نعلم من قال بها .
وهذا آخر التعقُّب على أبي قتادة والله يغفر لنا وله .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s