خط المداد في الرد على الدكتور إياد | للعالم الرباني المجاهد أبي همام الأثري بكر بن عبد العزيز



للتحميل بصيغة بي دي اف

http://www.gulfup.com/?deTGY0

المقدمة

الحمد لله القوي المنتقم, والصلاة والسلام على من أوتي جوامع
الكلم, وعلى آله وصحبه ومن إلى سنته احتكم, أما بعد:
فقد أخرج ابنُ أبي حاتم في «مقدمة الجرح والتعديل » ص 345 ، 346 ،
والحاكمُ في «علوم الحديث » ص 76 ، والبيهقي في «شعب الإيمان »
برقم: ) 9237 ( ، وابنُ عساكر في «تاريخ دمشق 699/10 » ، 700 ،
وغيرهم.. من طريق محمد بن مسلم بن وارة الرازي قال: حضرتُ
مع أبي حاتم الرازي محمد بن إدريس عند أبي زرعة الرازي وهو
في النزع -يعني: في فراش الموت- فقلتُ لأبي حاتم: تعال حتى
نلقِّنه الشهادة. فقال أبو حاتم: إني لأستحيي من أبي زرعة أن ألقنه
الشهادة!
ولكن تعال حتى نتذاكر الحديث، فلعلَّه إذا سمعه يقول. فدخل عليه.
فقال محمد بن مسلمٍ: فبدأت فقلتُ: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال:
حدثنا عبد الحميد بن جعفر.. فارتج عليَّ الحديث حتى كأني ما
سمعتُهُ ولا قرأتُهُ، فبدأ أبو حاتمٍ وقال: حدثنا محمد بن بشارٍ، قال:
حدثنا أبو عاصم النبيل، عن عبد الحميد بن جعفر، فارتج عليه،
حتى كأنه ما قرأه ولا سمعه.
فأشار أبو زرعة إليهما أن أجلساني. فجلس فقال: حدثنا محمد بن
بشار، قال: حدثنا أبو عاصم النبيل، قال: حدثنا عبد الحميد بن
جعفر، عن صالح بن أبي عريب، عن كثير بن مُرَّة، عن معاذ
بن جبلٍ، قال: قال رسول الّله صلى الله عليه وسلم: )من كان آخر
كلامه من الدنيا لا إله إلا الّلَه

(. وخرجت روحه مع الهاء من قبل أن
يقول: )دخل الجنة(.

فهذا أبو حاتم الرازي رحمه الله –وهو هو- يستحي أن يلقن أبا
زرعة الرازي رحمه الله الشهادة! فكأنه يقول: كيف لي أن ألقن من
أفنى حياته كلها لأجل التوحيد؛ التوحيد؟!
نعم؛ هذا هو خلق الحياء, الذي عُرف به سلفنا الأتقاء, أما اليوم
فنُبهر عندما نسمع دعوات وصيحات, ونرى رسائل ومقالات؛ من
أمثال الدكتور يوسف الأحمد, والدكتور إياد قنيبي, والدكتور حامد
العلي وغيرهم من الدكاترة يناشدون فيها الدولة التي ما قامت إلا
لشرع الله بالتحاكم لشرع الله!
هذه الدولة التي قتل تحت رايتها أكثر من أربعين ألفاً من خيار
الخيار, لأجل تحكيم شرع الله في الديار؛ تُخاطب بمثل هذه الخطابات
الجائرة, من أمثال هؤلاء الدكاترة!
حياءَك فاحفظْه عليك فإنَّما *** يدلُّ على فضلِ الكريمِ حياؤهُ!
تمهيد:
قد منّ الله عليّ بالبدأ في تدوين سفر من الأسفار, في الذود عن
إخواننا الأبرار؛ في «دولة الإسلام في العراق والشام », وهو عبارة
عن تفنيد جل الشبهات المثارة حولهم, من قبل المخالفين لهم.
وكان من المفترض أن أبحث فيه مسألة التحكيم, بين القول القويم
والقول السقيم, غير أنني رأيت الدكتور إياد قنيبي هداني الله
وإياه قد طرقها, ثم ادعى أنه لم يجد رداً علمياً عليها! فقال:
«بعد نشر مقالي «نزع فتيل الفتنة في الشام 1( » و 2(, وكذلك
«اجراءات عاجلة » من قبل, كنت أتوقع أن أرى مبحثاً شرعياً من
أحد المناصرين يرد فيه على ما ورد رداً علمياً, ويحاول ولو مجرد
محاولة أن يثبت –مثلا- أنه يجوز شرعاً وعقاً أن تكون جهة ما
الخصم والحكم في الوقت ذاته… ».اه
مما حدى بي أن أفرد هذا الرد عليه, مع تنبيهي إلى أن هذا الرد
سيكون فصلا من فصول السفر الموعود, بإذن ربنا المعبود.

أولاً: نبذة يسيرة عن الدكتور إياد قنيبي:

كان أول سماعي عن الدكتور إياد هو من حديث شيخي أبي محمد
المقدسي فك الله أسره لي عنه, حيث ذكر لي أنه يصلي الجمعة
عنده كونه أخف الخطباء –عندهم- وأحسنهم حالاً, وأقربهم إلينا
منهجاً.
إذ أن الدكتور إياد قنيبي كان وما زال مهتماً بقضايا المسلمين في
الشرق والغرب؛ يحزن لحزنهم, ويفرح لفرحهم –نحسبه والله حسيبه
ولا نزكي على الله أحداً-.
وقد اشتهر الدكتور وذاع صيته منذ أن سُجن مع شيخنا أبي محمد
المقدسي فك الله أسره قبل أعوام, ولا زال الدكتور يزداد قبولاً لدى
المثقفين والعوام.
غير أن الدكتور إياد لم يعرف بطلب العلم الشرعي أو النبوغ فيه,
لا في حلقات الأشياخ ولا على مدارج الدراسة النظامية؛ إذ أن تخصصه
الذي جد فيه واجتهد, ومر فيه بأطوار ومراحل: هو الصيدلة والأدوية.
فقد تخرج الدكتور إياد من كلية الصيدلة بجامعة العلوم والتكنولوجيا
الأردنية.
ثم تابع دراسته حتى حصل على الدكتوراة في علم الأدوية في
جامعة هيوستن الأمريكية.
لذا لا يستغرب من أمثال الدكتور أن يأتي بالأعاجيب إذا تكلم في
المسائل الفقهية الدقيقة غير المشهورة, أو في أبواب السياسة الشرعية
المهجورة! قال الإمام الشافعي رحمه الله في الرسالة:«وقد تكلم
في العلم مَن لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساكُ
أولى به، وأقربَ من السلامة له إن شاء الله ».اه
وقال الإمام الجرجاني رحمه الله في دلائل الإعجاز «إذا تعاطى الشيء
غير أهله، وتولى الأمر غير البصير به، أعضل الداء واشتد الباء! .»
ا ه
وقال الإمام أبو المظفر السمعاني في القواطع: «…فكان الأولى به عفا
الله عنه أن يترك الخوض فى هذا الفن ويحيله على أهله, فإن من
خاض فيما ليس من شأنه فأقل ما يصيبه افتضاحه عند أهله! ».اه
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: «واغرب الكرماني فقال :
هذا الحديث من مراسيل الزهري، ولا يصير بما ذكره اخرا مسندا
لأنه قال يحدث بمثله لا بنفسه .
كذا قال؛ وليس مراد المحدث بقوله في هذا »بمثله » إلا نفسه، وهو
كما لو ساق المتن بإسناد ثم عقبه بإسناد آخر ولم يعد المتن
بل قال »بمثله » ، ولا نزاع بين أهل الحديث في الحكم بوصل مثل
هذا، وكذا عند أكثرهم لو قال »بمعنا ه » خلافا لمن يمنع الرواية
بالمعنى .
وقد أخرج الحديث المذكور الإسماعيلي عن ابن ناجية عن محمد
بن المثنى وغيره عن عثمان بن عمر وقال في آخره »قال الزهري
سمعت سالما يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم »
فعرف أن المراد بقوله مثله نفسه، وإذا تكلم المرء في غير فنه أتى
بهذه العجائب! ».اه ]فتح الباري 3/ 584 [.
قال العلامة أحمد شاكر رحمه الله معلقاً على كلمة الحافظ: «إذا
تكلم المرء في غير فنه أتى بهذه العجائب!
هي كلمة حكيمة، وحكمة نادرة، قالها الحافظ ابن حجر العسقلاني،
في فتح الباري )… ج 3/ص 466 (.
والحافظ ابن حجر هو إمام أهل العلم بالحديث، وخاتمة الحفاظ، بل
هو المحدث الحقيقي الأوحد منذ القرن الثامن الهجري إلى الآن.
وقد قال هذه الحكمة الصادقة في شأن رجل عالم كبير، من طبقة
شيوخه، هو )محمد بن يوسف الكرماني( شارح البخاري، إذ تعرض
لمسألة من دقائق فن الحديث لم يكن من أهلها، على علمه
وفضله، فتعرض لما لم يكن من أهلها، على علمه وفضله، فتعرض
لما لم يتيقن معرفته. والكرماني هو الكرماني، وابن حجر هو ابن
ابن حجر! ».اه ]كلمة الحق ص114 [.

ثانياً: وقفات سريعة مع بعض عبارات الدكتور إياد قنيبي:

قال الدكتور معنوناً لمقاله: «الوقوف مع «الدولة » على مفترق
طرق ».اه وهذا إضمار مفاصلة منه للدولة بغير سبب شرعي, والأصل
عدم مفاصلة المسلم وإن أخطأ, بل مناصحته –سراً- والأخذ على
يده.
إلا أن الدكتور إياد تعجل ذلك لينحاز بكليته إلى جماعته التي لم
يبرح يرقع لها, ويغض الطرف عن زلاتها!

وقال الدكتور إياد في نفس المقال: «من تصرف الطرفين في
جماعتي الأحرار والدولة ».اه وهذا تعبير وتوصيف خاطئ ناتج عن
تصور خاطئ, لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره!
ولما كان تصور الدكتور إياد لمسألة الدولة تصوراً خاطئاً نتج عنه
توصيفه الخاطئ لها بأنها جماعة!
وقد بين الشيخ أيمن الظواهري حفظه الله من قبل أنها دولة شرعية
وليست جماعة, حيث جاء في اللقاء المفتوح مع الشيخ أيمن الظواهري
حفظه الله -الحلقة الثانية-: «أبو هاجر الطائفي يسأل: ما تقييمكم
للوضع الحالي في العراق؟ وما موقفكم من الحركات الجهادية في
العراق وعلى رأسهم دولة العراق الإسامية وجماعة أنصار السنة؟
ولماذا لم يبايع أحدهم الآخر؟ وهل صحيحٌ أن تنظيم القاعدة قد
انحل في العراق، وانضم إلى ما يسمى دولة العراق الإسامية؟ ولماذا
لم تبايع دولة العراق الإسامية تنظيم القاعدة في العراق؟ ومع
العلم أن الشيخ أبا مصعبٍ الزرقاوي -رحمه الله- أمير تنظيم القاعدة
قد بايع الشيخ أسامة؟ فكيف ينحل هذا التنظيم بسهولةٍ؟ كما جاء
على لسان الشيخ أبي عمر البغدادي؛ أن تنظيم القاعدة قد انحل،
وبايع دولة العراق الإسامية. وما موقفكم من أبي عمر البغدادي؟
جوابي على الأخ أبي هاجرٍ كما يلي:
أولاً: الوضع في العراق يبشر بانتصار الإسام واندحار الصليبيين ومن
وقف تحت رايتهم قريباً بإذن الله.
ثانياً: بالنسبة للأخوة الكرام في أنصار السنة فقد بينت خلاصة
رأيي من قبل.
ثالثاً: الدولة خطوةٌ في سبيل إقامة الخلافة أرقى من الجماعات
المجاهدة، فالجماعات يجب أن تبايع الدولة وليس العكس، وأمير
المؤمنين أبو عمر البغدادي -حفظه الله- من قادة المسلمين والمجاهدين
في هذا العصر، نسأل الله لنا وله الاستقامة والنصر والتوفيق ».اه

ثم قال الدكتور إياد بعد أن ذكر إفراج جماعة أحرار الشام عن
بعض أسرى الدولة: «وفي المقابل لا زالت جماعة الدولة تحتجز
بعض الأسرى من الأحرار ».اه
وفات الدكتور أن أسرى الدولة عند الأحرار إنما هم جنود لا علاقة
لهم بخصام أو نحوه, كل جرمهم أنهم مروا على نقاط للأحرار
فاعتقلوا ثم تم الإفراج عن بعضهم.
ولا يُقاس حال هؤلاء الأبرياء على من أسرتهم الدولة الإسامية فإنهم
أُدينوا في قضايا يبت فيها الشرع.
فمن التعدي المطالبة بتسريحهم, زد على ذلك مساواتهم بمن أسرته
الأحرار دون جرم أو ذنب!

ثم قال الدكتور متسائلاً: «هل تقبل الدولة حقيقة برقابة الأمة
ومحاسبتها وتوجيهها؟! »
ونحن هنا ننزه الدكتور وهو ممن جهد في محاربة الديمقراطية
وشبهات الديمقراطيين أن يطلق نحو هذه الإطلاقات المنسجمة مع
نفس الديمقراطيين!
إذ أن الدولة في الإسام لا تتم الرقابة عليها من الأمة, بل من أهل
الاختصاص في الأمة كالحسبة وأهل الحل والعقد.
قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَ تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا
وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) 104 (( ]البقرة[.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا
بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من
الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص عليهم لعائن الله
فإذا أرادوا أن يقولوا: اسمع لنا يقولون: راعنا. يورون بالرعونة ».اه

ثم قال الدكتور متسائلاً –أيضاً-: «ثم بأي حق تحتجز جماعة
الدولة أسرى من المجاهدين؟! »
فنجيب سؤاله بسؤال: وهل المجاهد لا يُحتجز إن فعل ما يوجب
ذلك؟! وقد روي «عن إبراهيم بن محمد ابن سعد، عن أبيه، قال:
لما كان يوم القادسية أتى سعد بأبي محجن وهو سكران من الخمر،
فأمر به فقيّد، وكان بسعد جراحة فاستعمل على الخيل خالد بن
عُرفطة، وصعد سعد فوق البيت لينظر ما يصنع الناس، فجعل أبو
محجن يتمثل:
كفى حزنا أن ترتدي الخيل بالقنا *** وأترك مشدودا عليّ وثاقيا !»
]انظر: الإصابة في تمييز الصحابة 4/ 2351 [.
وتأمل قوله: «يوم القادسية » يعني هم في حرب وقتال, فهم من
أحوج الناس لإطاق الأبطال!

ثم قام الدكتور إياد بتوجيه اتهامات شتى لجنود الدولة وقادتها,
كنحو اتهامهم أنهم يرفضون التحاكم لشرع الله! وكذا اتهامهم
بأنهم يغتصبون أموال ومقرات غيرهم! وكذا اتهامهم بتنفير الناس
والمساهمة أو التسبب في إنشاء صحوات كردة فعل.. وغيرها
وأنا ليست حريصاً هاهنا لأبرأ ساحة الدولة الإسامية من هذه التهم
الساقطة بقدر حرصي على تذكير الدكتور بما أخرجه أحمد وغيره
وصححه الألباني عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
الّلَِه صَلَّى الّلَُه عَلَيِْه وَسَلَّمَ يَقُولُ: )

مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ،
أَسْكَنَهُ الّلَُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ
فاعد للسؤال جواباً, وللجواب صواباً!

ثالثاً: القول القويم, في مسألة التحكيم:

يجنح الدكتور إياد قنيبي وغيره إلى تكرار مطالبة الدولة الإسامية
في العراق والشام للاحتكام والتحاكم إلى محكمة مستقلة غير تابعة
لأحد !
والجواب على هذا الطلب الباهت يحصل بمعرفة ما يلي:
إن إقامة شرع الله وتنفيذ الحدود واجب شرعاً, وهذا الواجب مناط
بالإمام الشرعي, فتنصيب الإمام الحاكم بالشرع واجب؛ إذ أن ما
لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, قال الإمام الماوردي رحمه الله:
«وعقدها –أي: الإمامة- لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع ».اه
]الأحكام السلطانية ص 5[.
ثم قال بعد تقرير وجوبها: «فصل: فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها
على الكفاية ».اه ]الأحكام السلطانية ص 6[.
وقال الإمام ابن جماعة رحمه الله: «ويجب نصب إمام يقوم بحراسة
الدين, وسياسة أمور المسلمين ».اه ]تحرير الأحكام ص 48 [.
وقال السفاريني في نظمه:
لا غنى لأمة الإسلام *** في كل عصر كان عن إمام
وقد انتصب للإمامة في العراق والشام أمير المؤمنين أبو بكر
البغدادي حفظه الله, فاسقط الإثم عن غيره, ووجب على المسلمين
في القطر بيعته والتحاكم إليه.
فإن وقعت جناية من بعض جنده فحكمه إليه, كذا لو وقعت من
بعض رعيته, بل كذلك لو وقعت من أهل الذمة من أهل الكتاب
–ومن له شبهة كتاب- ممن هو داخل في سلطانه.
ولا يقال بحال: أنه يجب التقاضي أو التحاكم في الدولة الإسامية
لغيرها من الهيئات أو المحاكم أو الجماعات بحجة الحياد أو أنها
طرف ثالث!
إذ أن هذا جهل أو تجاهل بمنزلة القضاء في الدولة الإسامية عبر
العصور, وأن القضاء لا سلطان عليه إلا الشرع, والقاضي لا يحكم بإملاء
من أحد أو مجاملة لأحد, بل وفق ما توصل إليه باجتهاده ونظره.
أضف إلى ذلك أن القضاء يحتاج إلى إلزام, والإلزام يحتاج إلى قوة
وشوكة, وذلك حاصل في الدولة الإسامية.
قال الإمام ابن فرحون المالكي رحمه الله: «قال ابن رشيد: حقيقة
القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. قال غيره:
ومعنى قولهم قضى القاضي أي ألزم الحق أهله، والدليل على ذلك
قوله تعالى: )فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ( ]سبأ: ١٤[. أي ألزمناه وحتَّمنا
به عليه، وقوله تعالى: )فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ( ]طه: ٧٢[, أي ألزِم
بما شئت واصنع ما بدا لك ».اه ]تبصرة الحكام 1/ 11 [. وهذا هو
أهم الفروق بين القضاء والإفتاء, لذا قال ابن فرحون أيضاً: «وأما
فيما عدا التنفيذ فالحاكم والمفتي فيه سواء ».اه
وقال الإمام النووي رحمه الله «قال الزهري رحمه الله تعالى: القضاء
في الأصل إحكام الشيء والفراغ منه، ويكون القضاء إمضاء الحكم،
ومنه قوله تعالى: )وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ( ]الإسراء: ٤[. وسُمِّي
الحاكمُ قاضيا لأنه يُمضي الأحكام ويُحكمها. ويكون قضى بمعنى
أوجب.
فيجوز أن يكون سُمي قاضيا لإيجابه الحكم على من يجب عليه.
وسمي حاكما لمنعه الظالم من الظلم، يقال حكمتُ الرجلَ وأحكمته
إذا منعته، وسُميت حكمة الدابة لمنعها الدابة من ركوبها رأسها،
وسميت الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها ».اه ]صحيح مسلم
بشرح النووي 12 / 2[.
فيتبين أن المحاكم الأخرى –إن قلنا بنزاهتها وتزكيتها- هي إما أنها
مستقلة عن سائر الجماعات في الشام فليس لها قوة تلزم الناس
بما يصدر عنها من أحكام, وبالتالي فإن حقيقتها أنها دار إفتاء أو
هيئة شرعية –لا أكثر-.
وإما أنها تابعة لجماعة معينة من الجماعات المقاتلة في الشام,
فعنئذ نلزم الدكتور إياد ومن على شاكلته بما فروا منه وهو عدم
التحاكم لمحكمة تابعة لجهة ما, والأمر بالتحاكم إلى محكمة مستقلة!
وهذا عينه الذي وقع فيه الدكتور إياد في مقاله المردود عليه فقال
متسائلاً: «لماذا ترفض جماعة الدولة الاحتكام إلى الهيئة الشرعية
في حلب؟ »
فنقول جواباً عليه: هذا باطل من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: إن جماعة أحرار الشام مشاركة في هذه الهيئة, فبالتالي
هي ليست مستقلة كما يظن الدكتور! فأين مناداته المتكررة للتحاكم
لجهة مستقلة ومحايدة؟!
الوجه الثاني: إن الهيئة الشرعية ليست هيئة نزيهة أو مزكاة, بل
إن العامة قبل الخاصة يعلمون سوء أحكامها وتعامل بعض قضاتها
بالرشوة والمداهنة!
الوجه الثالث: إن الهيئة الشرعية وإن كانت تسعى للحكم بين الناس
وفض النزاعات إلا أنها غير ممكنة؛ وهذا ما يفسر حكمها في بعض
المسائل دون بعض, وبعض القضايا دون الأخرى!

رابعاً: شبهات وردود حول مسألة التحكيم:

يُدلل المطالبون بطرف ثالث في التحكيم مع وجود الدولة الإسامية
ومحاكمها وقضاتها على ما يذهبون إليه ببعض الأدلة التي لا تعدو
كونها في أحسن حال من المتشابهات أو الشبهات!
الشبهة الأولى: استدلالهم بقول الله تعالى: )وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا
فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَحًا يُوَفِّقِ الّلَُ
بَيْنَهُمَا إِنَّ الّلََ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ) 35 (( ]النساء[.
والجواب على ذلك بفهم المراد من التحكيم في الآية, فالذي يظهر
أن التحكيم هاهنا بمعنى التوكيل للصلح ونحوه كما قال: )إِنْ يُرِيدَا
إِصْلَحًا..(.
قال الإمام الطبري رحمه الله: «يبعثهما الزوجان بتوكيل منهما إياهما
بالنظر بينهما. وليس لهما أن يعملا شيئًا في أمرهما إلا ما وكَّلاهما
به، أو وكله كل واحد منهما بما إليه، فيعملان بما وكلهما به مَن
وكلهما من الرجل والمرأة فيما يجوز توكيلهما فيه، أو توكيل من
وُكل منهما في ذلك ».اه
أما إن قلنا أن للحكمين صلاحية فيما سوى الصلح من أحكام, فيُقال
أن الباعث لهما –في هذه الصورة- هو السلطان أو من ينوب عنه –لا
غير – .
عن الإمام الضحاك رحمه الله: )وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا
من أهله وحكمًا من أهلها(، قال: «بل ذلك إلى السلطان ».اه
وقال الإمام الطبري رحمه الله: «إن الذي يبعث الحكمين هو السلطان،
غير أنه إنما يبعثهما ليعرفا الظالم من المظلوم منهما، ليحملهما
على الواجب لكل واحد منهما قِبَل صاحبه، لا التفريق بينهما ».اه
وبهذا تعلم أنه في مثل مسائل الشقاق والخاف سواء كان بين
الزوجين أو بين جماعتين أو فصيلين أو نحو ذلك فيجوز أن يبعث
حكماً عن كل منهما, ولكن هذا يتم بإذن أو تخويل أو تنسيق من
المحكمة التابعة للدولة الإسامية, وإلا لكان ذلك افتئات على السلطان
المسلم ودولته, فتأمل!
الشبهة الثانية: استدلالهم بقصة تحكيم سعد بن معاذ رضي الله عنه
على المطالبة بمحكمة مستقلة أو إيجاد طرف ثالث!
وهذا من أغرب الاستدلالات! إذ أن سعد بن معاذ رضي الله عنه
ليس بمستقل ولا بطرف ثالث, بل هو أحد جنود دولة الإسام.
أضف إلى ذلك أنه مخول من الإمام بالحكم والفصل في قضية
اليهود, قال الإمام الطبري رحمه الله: «وكان رسول الله صلى الله عليه
وسلم قد قال لقومه حين أصابه السهم بالخندق اجعلوه في خيمة
رفيدة حتى أعوده من قريب فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه
وسلم في بني قريظة أتاه قومه فاحتملوه على حمار قد وطئوا له
بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما ثم أقبلوا معه إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: يا أبا عمرو أحسن في مواليك
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم فلما
أكثروا عليه قال: قد آن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم فرجع
بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل فنعى لهم
رجال بني قريظة قبل أن يصل إليهم سعد بن معاذ عن كلمته
التي سمع منه.
قال أبو جعفر: فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حدثنا ابن وكيع
قال حدثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال حدثني
أبي عن علقمة في حديث ذكره قال:
قال أبو سعيد الخدري: فلما طلع -يعني سعدا- قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: )قوموا إلى سيدكم( أو قال: )إلى خيركم
فأنزلوه( فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: )احكم فيهم( قال:
فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم وأن تقسم
أموالهم. فقال: )لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله(.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق, وأما ابن إسحاق فإنه قال
في حديثه: فلما انتهى سعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
والمسلمون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: )قوموا إلى سيدكم(
فقاموا إليه فقالوا: يا أبا عمرو إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم. فقال سعد: عليكم بذلك عهد
الله وميثاقه أن الحكم فيها ما حكمت؟ قالوا: نعم قال: وعلى من
ها هنا في الناحية التي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو
معرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إجالا له فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: )نعم( قال سعد: فإني أحكم فيهم بأن تقتل
الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء ».اه ]تاريخ الطبري
.]101/2
فتأمل في قوله: «فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في
بني قريظة », وفي قولهم لسعد: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم ». وفيما روي عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أنه قال لسعد: )احكم فيهم(, وكذا قوله لما سأل
سعد: «وعلى من ها هنا في الناحية؟ » قال: )نعم(.
كل ذلك يبين لك أن سعداً تولى القضاء في هذه المسألة بإذن
وتخويل من الإمام.
فلا ضير أن يختار الإمام من القضاة أو المحاكم الشرعية من يخوله
في البت في هذه المسألة أو تلك.
الشبهة الثالثة: استدلالهم بقصة التحكيم بين علي بن أبي طالب
ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم.
وهذه القصة على الرغم من انتشارها واشتهارها إلا أنها ضعيفة
سنداً ومتناً!
فأما من حيث الإسناد فإن فيها أبو مخنف, قَالَ عَنْهُ الإمام ابْنُ
مَعِينٍ رحمه الله: «لَيْسَ بِشَيْءٍ ».اه وَقَالَ عنه الإمام أَبُو حَاتِمٍ رحمه
الله: «مَتُْروكُ الْحَدِيثِ ».اه
وقَالَ عنه الإمام الدَّارَقُطْنِيُّ رحمه الله: «ضَعِيفٌ ».اه وقَالَ عنه الإمام
ابْنُ حِبَّانَ رحمه الله: «يَرْوِي الْمَوْضُوعَاتِ عَنِ الثِّقَاتِ ».اه وَقَالَ عنه
الإمام الذَّهَبِيُّ رحمه الله: «إِخْبَارِيٌّ تَالِفٌ لَ يُوثَقُ بِهِ ».اه ]وانظر: الْجَرْح
وَالتَّعْدِيل 7/ 182 ، ومِيزَان الاعتِدَال 3/ 419 ، ولِسَان الميز ان 4/ 492 [.
وأما من حيث المتن ففيها أن أهل الشام رفعوا المصاحف على
الرماح في معركة صفين, ولم تكن المصاحف موجودة بكثرة آنذاك,
بل كانت نسخ موزعة على الأمصار!
أضف إلى ذلك أن فيها عزل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه من قبل الحكمين أبي موسى الأشعري وعمرو بن
العاص! ولا يعزل الإمام عند أهل السنة والجماعة بهذه الكيفية,
فتأمل!

الخاتمة:

ها أنتم يا أهل الشام ترون بأم أعينكم كيف اجتمع العالم –إلا من
رحم الله- على حرب الدولة الإسامية في العراق والشام!
دول وحكومات, وإعلام وقنوات, وعلماء وهيئات؛ كل منهم يكمل الآخر
في الإطاحة بالدولة الفتية, )وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ الّلَِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ
كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ ) 46 (( ]إبراهيم[.
فحذار من أن تكونوا مع الماكرين للدولة, أو أن تنطلي عليكم تلكم
الحيلة! بل كونوا خير خلف لخير سلف, وسيروا على هدي السلف!
وتذكروا أنه كما طُعن في الدولة الإسامية بأنها جائرة في الحكم,
أو أنها لا تتحاكم لشرع الله, أو أنها لا تحكم بشرع الله! فكذلك قد
طُعن من قبل في الدولة النبوية وطعن في حكم إمامها سيد ولد
آدم صلى الله عليه وسلم, فقال قائلهم: «اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ فَإِنَّكَ لَمْ
تَعْدِلْ »! ]كما عند أحمد وغيره, وأصله في البخاري[, كذلك فقد
طعن في الدولة الراشدة, وطُعن في أئمتها وولاتها, فقال قائلهم عن
سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «لا يَعدلُ في القضية, ولا يقسم
بالسوية, ولا يسير بالسرية »! ]كما عند البخاري ومسلم[.
وكذلك طُعن في حكم عثمان بن عفان رضي الله عنه وعدوا عليه
أموراً, ]انظر: سير أعام النباء 28 / 183 [, وطُعن في حكم علي
بن أبي طالب رضي الله عنه وعدوا عليه أموراً ]انظر: سير أعام
النباء 28 / 283 [.
وهكذا يُطعن في الدولة الإسامية وفي أمرائها وولاتها وقضاتها على
مر التاريخ؛ لتبقى هذه الكلمة لله ثم للتاريخ: «لك الله أيتها الدولة
المظلومة !»
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على أشرف
الأنبياء والمرسلين.
وكتب: أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري
1435 ه – 2013 م
لهفي على أرض الجهاد وصحبه *** فالذنب قيدني من الإقدامِ
يا راحلين إلى العراق أحبتي *** هذي وصتي للأمير: سامي

Advertisements

One response to “خط المداد في الرد على الدكتور إياد | للعالم الرباني المجاهد أبي همام الأثري بكر بن عبد العزيز

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s