ما هكذا تنزع يا قنيبي الفتيل” بقلم: عبدالله بن طواله


بسم الله الرحمن الرحيم

 

وبه نستعين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق أجمعين، وبعد…

قرأت المقال الذي كتبه د. إياد قنيبي على إثر أحداث مسكنة، والذي كان بعنوان: “الوقوف مع الدولة على مفترق طرق” فتبادر إلى ذهني -مباشرة- أن الرجل نفر إلى الشام ملتحقا بمعسكر الأحرار، فأصبح شرعيا في أحد مقراتهم؛ وذلك لشدة ما رأيتُ من دفاعه عن القوم وتحامله على خصومهم، والمقال واضح من عنوانه، ولم أنشط لمناقشة ما كتب؛ لأن القارئ الفطن لن يخفاه تحامل الكاتب، وميله لفريق على حساب فريق آخر، والبليد يبقى بليدا.

ثم إن أحد المهتمين أرسل إليّ كلمة للدكتور يقول فيها: “بعد نشر مقالي… كنت أتوقع أن أرى مبحثا شرعيا من أحد (المناصرين) يرد فيه على ما ورد ردا علميا، ويحاول ولو مجرد محاولة أن يثبت -مثلا- أنه يجوز شرعا وعقلا أن تكون جهة ما الخصم والحكم في الوقت ذاته، لكن للأسف عامة ما أراه مزيد من الروايات التي لا تثبت إلا بالتحكيم ولا تزيد ضرورته إلا تأكيدا، بالإضافة إلى عبارات العامة: (اتق الله)، (أنت منحاز)، والتهرب من نقاش الكلام على الانتقاص من المتكلم…”.

ففهمت من هذا الكلام أن الدكتور يريد منا كمناصرين متابعته في ما يكتب، وتتبعه في كل صغيرة وكبيرة، وهذا غير متيسر في أحيان، وفي أحيان أخر يكون غزل المقال متهالك لا يستحق النقض، كما هو الحال في مقاله هذا الذي نحن بصدد نقده، ولكي لا أوصف بالمبالغة والتحامل، سأقتصر في نقدي للمقال على ما عنّ لي من ملاحظات علمية وواقعية ومنهجية، ولن أعرج على الحادثة وملابساتها.

 

أولا: الملاحظ العلمية.

ما أجمل أن يتفقه الإنسان في المسألة التي يريد الكتابة عنها، قبل أن يرقم فيها حرفا، وأنا متأكد تماما لو أن الدكتور قرأ ما كتبه الفقهاء (في باب التحكيم من كتابي: القضاء والصلح، وفي باب الحكمين من كتابي: النكاح والطلاق) لما شنع على إخوانه، ولما أتى بالعجائب!.

هل ستصدق يا دكتور أن ما قررته في مقالتك هو عين قول الخوارج؟! وذلك أن الخوارج لما اتفق علي ومعاوية بن أبي سفيان على تحكيم أبي موسى ممثلا من جهة علي، وعمرو بن العاص ممثلا من جهة معاوية، رضي الله عنهم أجمعين، قالت الخوارج: إن الحكم إلا لله، كيف يحكمون الرجال ويتركون حكم الله، حكم الله في معاوية وأصحابه ظاهر في القرآن، وما علموا أن الصحابة لم يخرجوا عن دلالة القرآن.

وأنتم الآن تقولون: الدولة لا تستجيب لحكم الله، وتستدلون بقوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا)، وقد سقتها أنت في مقولتك هذه، وعاتبت الإخوة بأنهم يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وأنهم تحكموا بالنص وعطلوا دلالته، ألم تقل: “رفض التحاكم إلى هيئة مستقلة ليس خطأ ثانويا يمكن تجاوزه، بل هو نقض لما شُرع الجهاد من أجله”؟ وقلت: “هذا كله من الظلم والبغي والإعراض عن حكم الشرع!”  فما الفرق بين ما تطرحه وبين اعتراض الخوارج على مسألة الحكمين؟.

ولا يعترض على هذا بعدم ثبوت القصة، فقضية التحكيم بين الصحابة وكذا اعتراض الخوارج عليها، أصل ثابت لا شك فيه، والمنتقد منها -كما قال ابن العربي في العواصم- تفاصيل فيها “اخترعته المبتدعة، ووضعته التاريخية للملوك، فتوارثه أهل المجانة والجهارة بمعاصي الله والبدع”.

كما أنك قلت عن المحكمة المشتركة: “ما الفائدة في هذه المحاكم إن كان صاحب الخصومة مع الدولة يصر على رأيه وروايته وتصر جماعة الدولة على رأيها وروايتها، فلا يبت في الأمر طرف ثالث، فتبقى القضية معلقة؟! ما الفائدة إذا كانت الجماعة لا تمكن طرفا ثالثا من التحري وتقصي الحقائق ولا تعتبر حكم أحدٍ غيرها ملزما؟!”.

هذا الكلام منك يا دكتور يدل عن أن بضاعتك في هذا الباب مزجاة، فعلام تتقحم ما لست له بأهل، فالتحكيم من مسائل الفقه المشهورة، وقد نقل الإجماع على مشروعيته بالجملة، خاصة إذا كان الحكم صالحا للقضاء، وكانت الديار لا والي فيها، والاختلاف واقع في بعض تفاصيله وفروعه.

ثم اعلم أن المحكمين لهم أن يختاروا طرفا ثالثا، ولهم أن يصنعوا كما في قوله تعالى: (فإن خفتم شقاق بينهما فبعثوا حكما من أهله وحما من أهلها) وبهذا أخذ الصحابة رضي الله عنهم بعد وقعة صفين.

والتحكيم سواء كان الحكم فيه طرفا خارجيا أو كان مرشحا من بين أهل الخصومة، من كلا الفريقين أو أحدهما، لا يخرج عن كونه تحكيم، والمرجح من صوره ما اتفق عليه الطرفان، أو ما تنصره الأدلة عند اختلافهما، لا ما يرتضيه إياد قنيبي ومن يؤيده من خصوم دولة الإسلام؛ لأن التحكيم ليس قضاء محض بل يختلف في حقيقته عن القضاء، وهو مشروع مع وجود القضاء المستند لإمام ومع فقده، وعلى هذا دلت حوادث ونصوص كثيرة، ولذا فقد تنزل بعض أهل العلم فأجاز تحكيم كل من تقبل شهادته، بل أجاز بعضهم تحكيم المرأة والصبي، ما دام أن حكمهم لم يخالف الشرع، فالمقصود منه الصلح وفض الخصومات.

فلماذا -رحمك الله- جعلت المحكمة من طرف خارجي تحكيم لشرع الله، وغيرها من صور التحكيم ترك لشرع الله؟، هل هذا لجهلك بالمسألة أو لأن الأول رأي “الأحرار” والثاني رأي “الأشرار”، خياران أحلاهما مر؟!.

أليس هذا من الظلم لإخوانك؟ ألم تخش وأن تكتب هذه الكلمات -ولم تراجع فيها كتابا- أن تكون قد أخطأت، فالدين يؤخذ من مصادره لا مما ينقدح في الذهن، وتتوارد عليه الأفكار.

وقد بينتُ مرارا أن المحكمة التي ليست تحت ولاية إمام ذي شوكة ومنعة، لا تعدو أن تكون صورة من صور التحكيم، فالمحكمة التي يشترط للترافع إليها رضى الطرفين، ولا تستطيع اقتطاع الحق من الجاني وإلزامه به دون رضاه، وليس لها سلطة من خلالها تستطيع تنفيذ كل حكم يصدر عن قضاتها، هي في الواقع صورة من صور التحكيم حتى لو ضع لها مبنى وعين فيها قضاة، وإن كانت محكمة في حق عوام الناس، فليست محكمة -بالصورة التي في ذهنك- في حق من لا يستطيع ولاتها مقاضته وإلزامه بالحكم، ولذا لا تصلح أن تكون أولوية، يشنع على من امتنع عن الترافع إليها.

أما قولك: “ما الفائدة إذا كانت الجماعة لا تمكن طرفا ثالثا من التحري وتقصي الحقائق ولا تعتبر حكم أحدٍ غيرها ملزما؟!”.

فنتيجة لتصورك أن الطرف الثالث سيكون تقصيه للحقائق أدق، وهذا غير مسلم، وهو تصور خاطئ، وقد تكون الدقة متعذرة مع فقد سلطة القضاء، وهو نتيجة أيضا لتصورك أن رضى الطرفين بترشيح حكم من أحدهما أو من كلاهما لا يكسب الحكم صفة الإلزام، وما علمت أن الحكم لازم شرعا بعد صدوره على كل الأحوال، وهذا محل اتفاق لا إشكال فيه، ولكن المشكل حين لا يلتزمه أحد الطرفين، أو يدعي نقضه شرعا، فما الحل حال فقد الإمام الذي يستطيع نقض الحكم أو الإلزام به واقعا؟.

ومضنة الاتفاق والتزام الحكم في حال ما إذا كان الحكم من الطرفين أقوى منها في حال ما إذا كان الحكم طرفا ثالثا، خاصة إذا قصد الطرفان الإصلاح، فقد قال الله تعالى: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) ولذا أصبح التحكيم في إنشاء محكمة مشتركة من الطرفين كما فعل الصحابة، أولى من التحكيم في إنشاء محكمة مستقلة، خاصة في مثل هذه الظروف.

بعد هذا البيان من حقنا أن نتساءل، هل يجوز للمسلم أن يتهم أخاه برفض شرع الله لمجرد أن له رأيا مخالفا في المحكمة التي دعاه إلى التحاكم إليها؟.

ج: إذا كان بين الإنسان وأخيه خصومة واختلاف ثم دعاه إلى التحاكم إلى شرع الله فامتنع بلا مبرر شرعي، أو طلب التحاكم إلى محكمة غير شرعية، فهذا رافض لحكم الله وهو داخل في عموم الآيات الواردة في الباب كقوله: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا …) وقوله: (يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون) وقوله: (وإذا دعوا إلى ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون) وقوله: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله والرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) لأن امتناعه عن المحكمة هنا سببه الترفع على شرع الله.

أما إذا كان الامتناع سببه الاختلاف في المحكمة لا لذاتها وكونها شرعية، إنما لعارض آخر كوجود ما هو أولى منها، أو امتنع طلبا للصلح ونحوه، فرفض المحكمة هنا ليس رفضا لشرع الله، ولا يقول هذا إلا جاهل، ومثله مثل ما إذا كان بين أحد الخصمين وبين القاضي قرابة أو خصومة، ولازم هذا القول أن يوصف الفريقين برفض شرع الله فكلاهما دعا إلى شرع الله وامتنع صاحبه، وأقل أحواله أن يوصف به الرافض للمحكمة المقدمة شرعا دون الآخر، فإذا كانت المحكمة المشتركة مقدمة شرعا فرافضها أولى بهذا الوصف من رافض المحكمة المستقلة.

كما يلزم من هذا القول أن المحكمة الأخرى تحكم بغير شرع الله، وهذا ما قرره الدكتور على لسان شباب الدولة، علما أنهم لم يتفوهوا بما تفوه به خصومهم، وهذا لجهله أن الامتناع بحد ذاته لا يدل على هذا اللازم، فكيف يحمل القوم ما لم يحتملوا، ففرق بين الامتناع المطلق ومطلق الامتناع.

أما قوله عن محاكم الدولة: “بأي شرع وبأي عقل تريد الجماعة أن تكون الخصم والحكم في الوقت ذاته؟”.

نقول: بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، والعقل الصحيح لا يعارض النقل الصريح، ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحاكم خصومة، وكل دول الإسلام تصنع هذا منذ بزوغ فجر الإسلام إلى وقتنا هذا.

وقد بينت في مقولتي “نقد مبادرة الأحمد” الأوجه الشرعية في ترجيح محاكم الدولة على المحكمة المستقلة، فلتراجع http://twitmail.com/1XpJ.

ووالله إن تنازل الإخواة في الدولة عما هو جائز لهم شرعا، ورضاهم بمحكمة مشتركة لهو أكبر دليل على وعيهم ودرئهم للفتنة، ولكن أين المنصفون؟ ولقد ذكرني صنيعهم هذا بما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس، أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سهيل بن عمرو، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي «اكتب، بسم الله الرحمن الرحيم» قال سهيل: أما باسم الله فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم، ولكن اكتب ما نعرف باسمك اللهم، فقال: «اكتب من محمد رسول الله» قالوا: لو علمنا أنك رسول الله لاتبعناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتب من محمد بن عبد الله» … الحديث.

فتنازل النبي صلى الله عليه وسلم عما يعتقد أنه الحق طلبا للصلح، وهكذا هم إخوتي في دولة الإسلام، فكيف يجرؤ الدكتور أن يقول: “لا يشغب عليها -يعني المحكمة المستقلة- بمحاولة إثبات شرعية الدولة، فرفضها للتحاكم المستقل لا يزيد شرعيتها إلا نفيا”.

عجيب هذا الكلام! كيف أصبح إثبات شرعية الدولة تشغيبا يزيد شرعيتها نفيا، علما أنه هو المحك في القضية؟.

فالواجب على الدكتور أن يتخلص من هذه العقدة بالقدح في شرعية الدولة، لا بالتهويش الذي لا يوصل معه إلى نتيجة، وممكن أن يطرح القضية على أنها نازلة فقهية، أو يطرحها على أن المقصود التصالح وفض الخصومة، أو غير ذلك من المخارج.

– أما قول الدكتور: “دخلت النار امرأة في هرة حبستها على هيئة ظالمة؟ فكيف بمن يحبس مسلما، بل مجاهدا في وقت جهاد والعدو بالأبواب؟!”.

فمن غرائب الاستدلال؛ لأن صفة الجهاد لا تنفي عن الجاني أو المتهم جواز الحبس حتى تتكشف ملابسات القضية، وقد أوثق سعد يوم القادسية أبا محجن الثقفي حين أتي به وهو سكران، ثم هل المأسورين مورس عليهم ما مورس على الهرة من الظلم، وإذا كان الأمر كذلك فكيف عرفت هذا؟.

والحبس على الصفة السابقة جائز بالإجماع، وقد حبس النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة في المسجد، واشترى عمر رضي الله عنه دارا في مكة اتخذها سجنا، والخلاف فقط في اتخاذ السجن عقوبة تعزيرية، فتنبه.

– قال الدكتور: “هل تقبل الدولة حقيقة برقابة الأمة ومحاسبتها وتوجيهها؟”.

ونقول: الرقيب على الدولة الإسلامية هو شرع الله ومن يتمثله من أهل الحل والعقد، الذين يؤمن بوجوب تنصيب الإمام على الفور، ويدعون الناس إلى نصرته والانضمام إليه، ولا يؤمنون بحدود (سايكس وبيكو)، ويرون أن لا بيعة لخليفتين في قطر واحد، وأنه يوفى للأول منهما، أما الذين يشككون في شرعية الدولة بحجج واهية، ويسعون في تقويضها، فكيف يكونون رقباء عليها.

ومثل هذه اللوثة الديمراطية غير متوقعة من الدكتور الذي عرف عنه محاربة الديمقراطية بالجملة، فكيف التبست عليه أفكارها، أم أن الدكتور قصر الأمة عليه وعلى من يوافقه الرأي وأغفل أهل الجهاد والعلم الذين بذلوا أرواحهم ودمائهم من أجل نصرة دين الله، فضلا عمن بايعهم وانضم لهم ومن ناصرهم.

 

ثانيا: الملاحظ المنهجية.

1- التناقض: ذكر الدكتور أن “الروايات متضاربة ولسنا ملزمين أن نرجح إحداها على الأخرى… وإلزامنا بما جاء فيها هو من التعصب وانعدام الحكمة”. فعلاما استند الدكتور حين ذكر أن الإخوة في الدولة لا زالوا يحتجزون بعض الأسرى من الأحرار، ولا زالوا مغتصبين لبعض مقرات وأسلحة الأحرار في مسكنة، بينما لم يذكر للأحر في مقالته أي نقيصة، إلا أنه يهديهم ويدعوهم لضبط النفس، وكأنهم أبرياء مكتوفي الأيدي لم يصنعوا شيئا.

إذا كان قبول رواية أمير جماعة الدولة بمسكنة ليس بأولى من قبول رواية شرعي الأحرار -كما يقول الدكتور- فمن أين أتى بهذه المعلومات، أذهب إلى مسكنة ووقف عليها بنفسه، وهل تناقضه هنا نوع من التعصب وانعدام الحكمة، أم نزع لفتيل الفتنة؟.

2- الكيل بمكيالين: ففريق الأحرار عدد فيهم حسناتهم، بينما الفريق الآخر تفنن في عرض ما اكتشف أنه من سوآتهم، وكأن الأحرار ملائكة لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، والآخرين شياطين الأنس يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.

فقال في حق الأحرار: “أحسنوا معاملة أسيرهم أبي دجانة وأطلقوه، ثم استجابوا لدعوات التحكيم” وقال: “أهدئ إخواني الأحرار وأدعوهم إلى ضبط النفس” وقال: “أحسنوا بإطلاق الأسير وقبول التحاكم وأساء الآخرون” وقال: “أناس يسعى أحدهم على أرملة أخيه … على الرغم مما كان بينه وبين أخيه من خلاف”.

وقال في حق إخوانهم: “لا زالت جماعة الدولة تحتجز بعض الأسرى من الأحرار، ولا زالت مغتصبة لبعض مقرات وأسلحة الأحرار في مسكنة، ولم تستجب لدعوات التحكيم من طرف محايد” وقال: “هذا كله من الظلم والبغي والإعراض عن حكم الشرع!” وقال: “وضع جماعة الدولة يدها على مقرات وأسلحة وممتلكات الفصائل المجاهدة الأخرى دون وجه حق” وقال: “بأي حق تحتجز جماعة الدولة أسرى من المجاهدين؟!” وقال: “بأي حق تستولي على مقرات وأسلحة للأحرار؟!” وغير ذلك.

أبهذه الطريقة تنزع فتيل الفتنة في الشام؟!، نزعها قنيبي وقنيبي يميل، ما هكذا تنزع يا قنيبي الفتيل.

3- القدح المبطن: أورد الدكتور عبارات كثيرة بعضها صريح في القدح، والبعض الآخر يشم منها رائحة القدح المبطن، وهل قصد الدكتور منها القدح أو لم يقصد، هذا مما لا نستطيع الجزم به، إلا أن عنوان المقالة يدل على أن الرجل أراد المفاصلة، وسأورد العبارات بعد أن أعنون لها، وأتركها بلا تعليق طلبا للاختصار.

أ- التنفير من محاكم الدولة، وهذا ظاهر قوله: “وإذا كانت لا تقبل بهيئة شرعية مستقلة فإلى من يتحاكم عوام الناس ممن ليس لديهم قدرات إعلامية ليطلعوا الناس على مظلمتهم مع الدولة؟”. وقوله عن أهل حلب: “وتقع عليهم مظالم فلا يستطيعون الشكوى إلى إلا فئة من ظلمهم نفسه”.

ب- القدح في منهج الدولة، وهذا ظاهر قوله: “يا شباب الدولة… وإن استجزتم شيئا من الظلم لـمصلحة الإسلام في نظركم فعلتم كما فعل أصحاب الشعارات الإسلامية في مصر إذ عصوا بحجة المصلحة!”.

ج- تنفير الشباب عن مبايعة الدولة، ودعوتهم للالتحاق بغيرها، وهذا ظاهر قوله: “يا شباب الدولة… وإن أطعتم قادتكم طاعة عمياء أو خفتم مساءلتهم ومراجعتهم شابهتم في هذا جنود الجيوش النظامية ببلاد المسلمين وهربتم من فتنة الطواغيت إلى فتنة الأمراء!”.

وقوله: ” يا شباب الدولة… ولا تلتفتوا إلى من يوهم بأن البديل عن مشروع الدولة هو المشاريع “الديمقراطية” المسيسة، بل في الساحة فصائل عديدة دعوتها دعوتكم”.

د- تنفير المناصرين عن نصرة الدولة، وهذا ظاهر قوله: “وعلى مناصري الجهاد أن يعلقوا مناصرتهم لأي فصيل على ما سبق”.

هـ- اتهام الدولة بأنها ستكون سببا في ظهور الصحوات، وهذا ظاهر قوله: “وهل سنضع اللوم كله عليهم –يعني الأهالي- إن نشأت صحوات؟ ونتغنى بمظلومية الدولة بعدها؟!”. 

ونحن بدورنا نسأل الدكتور أهكذا يكون الإصلاح الذي أمر الله به في قوله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)، ألا يوجد طريق لنزع فتيل الفتنة غير ما سلكت؟.

 

ثالثا: الملاحظ الواقعية.

1- قال الدكتور: “لماذا ترفض جماعة الدولة الاحتكام إلى الهيئة الشرعية في حلب؟”. وهذا يعني أنه جاهل بالواقع فكيف تحتكم الدولة لمحكمة أحرار الشام عضو فيها، أين الاستقلالية الذي يدندن حولها الدكتور يا ترى؟ وإذا كانت هذا المسألة الواضحة غابت عنه فما بالك بدقائق الأمور.

2- قال الدكتور: “يا شباب الدولة… وإن استجزتم شيئا من الظلم لـمصلحة الإسلام في نظركم فعلتم كما فعل أصحاب الشعارات الإسلامية في مصر إذ عصوا بحجة المصلحة!”.

ونقول لماذا لم تشنع على من رفع الشعارات الكفرية للمصلحة  كما شنعت على إخوانك هنا، مع أن جرمهم أشد، لماذا تلطف معهم العبارة وتتورع عن تسميت الأمور بمسمياتها، بينما تقول في حق إخوانك: “هذا كله من الظلم والبغي والإعراض عن حكم الشرع! ولا بد من تسمية الأشياء بمسمياتها”.

ومع إحساننا الظن نقول كيف خفي عليك منهج الدولة الإسلامية؟ فإن كنت تعتقد هذا فأنت معذور، لكن يجب عليك أن تصحح معلوماتك تجاه إخوانك، أترى أن الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم رخيصة في سبيل تحكيم شرع الله، يحيفون عن شرعه نصرة لأحد جنودهم، اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأنا أدعوك كما دعاك غيري أن تفتح الصندوق وتتعرف على مجاهدي الدولة عن قرب وتحاول أن تتواصل معهم، تسمع منهم ولا تسمع عنهم، إني لك من الناصحين.

3- إن أحسنا الظن بالدكتور وهو أهل لذلك، نقول له كيف غابت عنك الحملة الشعواء لشيطنة الدولة تمهيد لحربها، كيف ترضى أن تكون سهما في كنانة مضرميها.

هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s