الثمر الداني في الرد على خطاب الجولاني {الله الله في ساحة الشام} إعداد: فضيلة الشيخ أبي همام بكر بن عبد العزيز الأثري


الثمر الداني

في

الرد على خطاب الجولاني

{الله الله في ساحة الشام}

إعداد: فضيلة الشيخ أبي همام بكر بن عبد العزيز الأثري

1435هـ – 2014م

إهداء:

إلى إخوة العقيدة والتوحيد, وأشقاء المنهج الرشيد..

إلى الآساد الأبية, في الدولة الإسلامية..

إلى أهل العزة والمهابة, في جيش الصحابة..

إلى أهل التضحية والفداء, في الكتيبة الخضراء..

إلى أهل السمو والبز, في صقور العز..

إلى أهل الوجوه النيرة, في “جبهة النصرة”..

أهدي هذه الثمار, فهنيئاً مريئاً أيها الأبرار..

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

الحمد لله الذي أمر بالصدع بالحق المبين, والصلاة والسلام على أكرم الخلق أجمعين, وعلى آله وصحبه المجاهدين الصادعين, وعلى من اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أما بعد:

فقد قال الله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)) [الأحزاب].

فهؤلاء يبلغون كل ما علموه عن الواحد الأحد, دون مداهنة لأحد أو خوف من أحد, وهذه صفة من أعظم صفات الأنبياء والأولياء, جعلنا الله من أتباعهم الأوفياء.

وقد استمعت كما استمع إخواني, إلى بيان الشيخ أبي محمد الجولاني –هداني الله وإياه- الموسوم بـ: “الله الله في ساحة الشام”.

فكان لي عليه بعض التعليقات المهمة, نصيحة للأمة في هذه الظروف المدلهمة.

وهي بالطبع لا ترضي المتعصبين, ولا أنصاف المتعلمين, ولا الدكاترة المعممين! ورضاهم من عدمه لا يهم أبو همام, فليس لأجلهم كتب ولا فيهم هام!

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “ولا تستصعب مخالفة الناس، والتحيز إلى الله ورسوله ولو كنت وحدك، فإن الله معك وأنت بعينه وكلاءته وحفظه لك، وإنما امتحن يقينك وصبرك، وأعظم الأعوان لك على هذا –بعد عون الله- التجرد من الطمع والفزع، فمتى تجردت منهما هان عليك التحيز إلى الله ورسوله وكنت دائماً في الجانب الذي فيه الله ورسوله، ومتى قام بك الطمع والفزع فلا تطمع في هذا الأمر ولا تحدث نفسك به!”.اهـ [الفوائد 143-144].

وكتب: أبو همام الأثري

تمهيد:

قد آلمنا جميعاً ما يحصل لإخواننا في الدولة الإسلامية في العراق والشام من حرب إعلامية وحرب عسكرية على السواء, وزادنا ألماً وحرقة تخاذل الأصدقاء!

وعلى الرغم من الألم, إلا أن ذلك لا يضر ذوي الهمم! كيف وقد جاء في جوامع الكلم: (لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ) [متفق عليه].

وفي رواية: (لَا تَزَالُ عِصابَةٌ مِن أُمَّتي يُقاتِلونَ علَى أبوابِ دِمَشْقَ ومَا حَوْلَهُ، وعلَى أبوابِ بيتِ المَقْدِسِ ومَا حَوْلَهُ، لَا يَضُرُّهُم خِذْلانُ مَن خذَلهم، ظَاهِرِين علَى الحَقِّ إلى أنْ تَقُومَ السَّاعَةُ). [أخرجه أبو يعلى برقم: (6417)، والطبراني في الأوسط برقم: (47)].

زد على تخاذل الصديق, ونكوص الرفيق, ما وقع فيه العديد من شرعيي “جبهة النصرة” من شماتة واضحة, في هذه الأحداث الفاضحة!

كنحو تغريدات سلطان بن عيسى العطوي, فصفحته في التغريد سوداء كالحة, همز ولمز وشماتة ووقاحة! وهذا ليس بغريب عليه إذ أنه خارج من بوتقة السرورية, ولكن الغريب أن توكل لمثله الهيئة الشرعية!

كلُّ المصائب قد تَمُرُّ على الفتى *** فتهونُ غير شماتةِ الـحُسَّادِ!

عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الأَسْقَعِ رضي الله عنه أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: (لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ بِأَخِيكَ فَيِعَافِيَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيَكَ) [أخرجه الترمذي برقم: (2506)، والطبراني في الكبير 15/431، وفي الأوسط برقم: (17593)].

وقال أحد العباد: “عبت شخصا قد ذهب بعض أسنانه فذهبت أسناني”.اهـ

وقال الإمام ابن سيرين رحمه الله: “عيرت رجلًا بالإفلاس فأفلست”.اهـ

فبشروا من عير إخوانه في الدولة الإسلامية بتكالب الأعداء, أن الدور عليه بلا مراء, والعرب تقول: “أُكِلتُ يومَ أُكِل الثورُ الأبيض”!

المحور الأول: الخطأ في تشخيص الداء, ووصف الدواء:

إن مما فجع إخوة المنهج والإيمان, في كل قطر ومكان, استدلال بعض المعاصرين بالنتائج على صحة الوسائل من عدمها!

فيعمد الأمير المنشق وبعض شرعييه إلى القول ببطلان طريقة الدولة الإسلامية بسبب تكالب الأعداء عليها, واتحادهم على حربها!

ومن ذلك قول الشيخ أبو محمد الجولاني -هداني الله وإياه-: “كما أن السياسة الخاطئة التي تتبعها الدولة في الساحة كان لها دور بارز في تأجيج الصراع”! [الله الله في ساحة الشام].

فنقول رداً على هذه الفاجعة, وجواباً على هذه الباقعة:

 أولاً:هل تكالب الأعداء وشدة البلاء قرينة على صحة الطريق أم بطلانه؟!

قال الله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)) [البقرة].

وقال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174) إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175) وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآَخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (176)) [آل عمران].

وقال الله تعالى: (وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)) [الأحزاب].

وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أيُّ الناس أشد بلاءً؟ قال: (الأنبياء، ثم الأمْثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ صلابةً، وإن كان في دينه رقَّةٌ خُفِّف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ما له خطيئة) [أخرجه وأحمد (1494)، والدارمي (2783)، كتاب الرقاق, والترمذي (3289) وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم والألباني في الصحيحة (1/142)].

ومن تتبع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم علم ذلك وتيقنه؛ ففي بيعة العقبة الثانية، كما قال الإمام ابن إسحاق رحمه الله: “لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟! قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس، فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلاً أسلمتموه، فمن الآن، فهو والله! إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال، وقتل الأشراف فخذوه، فهو والله! خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، فما لنا بذلك يا رسول الله! إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: ابسط يدك، فبسط يده فبايعوه”.اهـ [سيرة ابن هشام 1/446].

وفي رواية جابر قال: “فقمنا نبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زرارة –وهو أصغر السبعين- فقال: رويداً يا أهل يثرب! إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو أعذر لكم عند الله.. قالوا: يا سعد! أمط عنا يدك، فوالله! لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها”.اهـ [رواه أحمد في مسنده 3/322، والبيهقي في السنن الكبرى 9/9].

وكما جاء في صحيح البخاري أن ورقة بن نوفل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “ليتني أكون فيها جذعا، إذ يخرجك قومك”، قال: (أومخرجي هم؟!) قال: “ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا أوذي وأخرج…”, وفي رواية: “إلا عودي”.

إذن فشدة البلاء, وتكالب الأعداء, في الأعم الغالب, تُعد من المناقب لا المثالب, ولله در القائل:

إِذا مَحَاسِنِيَّ اللاتي أُدِلُّ بِها *** كانت عُيُوبي، فَقُلْ لي: كيفَ أَعْتَذرُ؟!

والعكس –غالباً- بالعكس؛ فحب الأعداء للمرء وحزبه, ومسالمتهم له دون حربه, قرينة على سلاسته في المواقف معهم, ولين جانبه لهم!

فإن كان من مطعن على جماعة فأولى الناس به “جبهة النصرة”, إذ غدت محل إعجاب وتزكية أمثال الأستاذ عدنان العرعور والدكتور شافي العجمي وغيرهم, بل إنه –وللأسف الشديد- قد فرح بخطاب الشيخ أبي محمد الجولاني –هداني الله وإياه- المردود عليه؛ الفريق التواصلي لوزارة الخارجية الأمريكية على برنامج التغريد وقاموا بنشره!

حب الأراذل للفتى مزر به *** وثناؤهم ذم فلا يسمو به!

ثانياً: هل الهزيمة المادية في المعركة دليل على سوء وخطأ الطريق؟!

يُخطأ من يظن أن كل هزيمة مادية في معركة أو معارك هي لسبب بدعة أو خطأ أو عصيان, فيسعى جاهداً لتغير طريقته الأولى عند أول عقبة أو فتنة أو امتحان!

فهؤلاء أصحاب الأخدود قُتلوا عن بكرتهم ولم يحققوا أي كسب أو نصر كما جاء خبرهم في الصحيحين, وفيه قوله صلى الله عليه وسلم: (فقال الناس آمنا برب الغلام, آمنا برب الغلام, آمنا برب الغلام, فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود بأفواه السكك فخدت وأضرم النيران وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها. فكانوا يتعادون فيها ويتدافعون فجاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: يا أمه اصبري فإنك على الحق). فهل يقال بأن ذلك يعود لخطأ في سياستهم؟!

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو، فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ ، وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ). [أخرجه مسلم].

فالغازية أو السرية التي اخفقت لم يكن ذلك لخطأ في سياستها, ولا لضعف في كياستها! بدليل: (إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ).

وقال عمار بن ياسر رضي الله عنه مبيناً هذه الحقيقة التي غابت عن أمير وشرعيي “جبهة النصرة”: “لو قاتلونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر: لعرفتُ أننا على الحق، وأنهم على الباطل”.اهـ [سير أعلام النبلاء 1/408].

ولك أن تستخلص هذا المعنى غضاً طرياً في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا فَقَالَ: (عُرِضَتْ عَلَىَّ الأُمَمُ فَجَعَلَ يَمُرُّ النَّبِىُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِىُّ مَعَهُ الرَّجُلاَنِ، وَالنَّبِىُّ مَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِىُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ..) [الحديث].

فهل النبي الذي ليس لديه “حاضنة شعبية”! قد أخطأ في سياسته الشرعية, وأساليبه الدعوية؟! –حاشاه حاشاه-

وقد أوضح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مسألة النتائج –المشار إليها-, وبسط القول فيها لما سئل: “عن ‏[‏جماعة‏]‏ يجتمعون على قصد الكبائر‏:‏ من القتل، وقطع الطريق، والسرقة، وشرب الخمر، وغير ذلك‏.‏

ثم إن شيخاً من المشائخ المعروفين بالخير وإتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعا يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابة، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصبح من لا يصلي ويسرق ولا يزكي يتورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات‏.

‏‏فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه، لما يترتب عليه من المصالح، مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا‏؟‏”

فأجاب‏ شيخ الإسلام رحمه الله بجواب طويل, جاء فيه بعد أن قرر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك من الخير إلا دلنا عليه, ولا من الشر إلا نهانا عنه: “وشواهد هذا ‏[‏الأصل العظيم الجامع‏]‏ من الكتاب والسنة كثيرة وترجم عليه أهل العلم في الكتب‏.

‏”‏كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة‏” كما ترجم عليه البخارى والبغوي وغيرهما، فمن اعتصم بالكتاب والسنة كان من أولياء الله المتقين، وحزبه المفلحين، وجنده الغالبين‏.

وكان السلف كمالك وغيره يقولون‏:‏ “السنة كسفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق”، وقال الزهري‏:‏ “كان من مضى من علمائنا يقولون‏:‏ الاعتصام بالسنة نجاة”‏.

إذا عرف هذا فمعلوم أن ما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به على العاصين، لابد أن يكون فيما بعث الله به رسوله من الكتاب والسنة، وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يكفي في ذلك، لكان دين الرسول ناقصاً، محتاجاً تتمة‏.‏

وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب، والأعمال الفاسدة نهى الله عنها‏.

والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة، فإن الشارع حكيم‏.

فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه، كما قال تعالى‏:‏ ‏(‏‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ‏) ‏[‏البقرة‏:‏ 216‏]‏، وقال تعالى‏:‏ (‏‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ‏)‏‏ ‏[‏البقرة‏: ‏219‏]‏، ولهذا حرمها الله تعالى بعد ذلك‏.

وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقرباً إلى الله، ولم يشرعه الله ورسوله، فإنه لابد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم غالباً على ضرره لم يهمله الشارع، فإنه صلى الله عليه وسلم حكيم، لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين‏.‏

إذا تبين هذا فنقول للسائل‏:‏ إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعون على الكبائر‏.‏ فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي، يدل أن الشيخ جاهل بالطرق الشرعية التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها، فإن الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية، التي أغناهم الله بها عن الطرق البدعية‏.

فلا يجوز أن يقال‏:‏ إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان من لا يحصيه إلا الله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية، التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي؛ بل السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان وهم خير أولياء الله المتقين، من هذه الأمة تابوا إلى الله تعالى بالطرق الشرعية، لا بهذه الطرق البدعية ‏.

وأمصار المسلمين وقراهم قديماً وحديثاً مملوءة ممن تاب إلى الله واتقاه، وفعل ما يحبه الله ويرضاه بالطرق الشرعية، لا بهذه الطرق البدعية‏.‏

فلا يمكن أن يقال‏:‏ إن العصاة لا تمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل قد يقال‏:‏ إن في الشيوخ من يكون جاهلا بالطرق الشرعية، عاجزاً عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنة، وما يخاطب به الناس، ويسمعهم إياه، مما يتوب الله عليهم، فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية، إما مع حسن القصد، إن كان له دين، وإما أن يكون غرضه الترأس عليهم، وأخذ أموالهم بالباطل، كما قال تعالى:‏‏ (‏‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ‏)‏‏ ‏[‏التوبة‏: ‏34‏]‏، فلا يعدل أحد عن الطرق الشرعية إلى البدعية إلا لجهل، أو عجز، أو غرض فاسد‏”.اهـ [انظر: مجموع الفتاوى 11/620-635].

ثالثاً: هل تاريخ الجهاد المعاصر يؤكد ما قررناه –آنفاً- أم ينفيه؟!

أخرج البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما من قصة أبي سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه مع هرقل, وفيها: “قَالَ –أي: هرقل-: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ –أي: أبا سفيان-: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ”.

إلى أن قال هرقل: “وسألتك: كيف قتالكم إياه؟ فزعمت أن الحرب بينكم سجال ودول، وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة”.

والمتتبع للجهاد المعاصر وأخباره يجد هذا السجال واقعاً ملموساً, ومشاهداً محسوساً!

فالطالبان بقيادة أمير المؤمنين الملا محمد عمر مجاهد حفظه الله قد أقامت دولة في أفغانستان ثم دارت الدوائر عليها حتى انحازت من الأراضي التي كانت تحت سيطرتها ونفوذها وسلطانها!

فهل يقول قائل: إن ذلك تم بسبب سياستها الخاطئة؟! أو أنه كان يجب عليها تسليم الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله للأمريكان, لأنه مسلم واحد فمن باب المصلحة؛ نخسر مسلماً واحداً خير من أن نخسر آلاف المسلمين وذهاب القوة والشوكة والدولة؟!

ثم تأمل في حال الإخوة في اليمن, حيث قام أنصار الشريعة بإقامة إمارة إسلامية في أبين وشبوة, وبسطت نفوذها وسلطانها على مناطق عديدة؛ كالزنجبار ووقار وشقرة وعزان وغيرها, ثم دارت عليهم الدوائر وتكالب عليهم المرتدون والصحوات, حتى اضطرهم إلى الانحياز وترك هذه المدن!

فهل يقول قائل: إن ذلك بسبب سياستهم الخاطئة مع الناس؟! وأنهم لم يتفادوا الأخطاء السابقة؟!

وكذا الأمر بالنسبة للإمارة الإسلامية في مالي, دارت عليها الدوائر فانحاز الإخوة.. وكذا في الصومال فبعد أن أقاموا إمارة إسلامية وبسطوا نفوذهم تكالب عليهم الأعداء مما اضطرهم للانحياز! وهكذا.. وهكذا

هل كل هؤلاء الإمارات بقادتها وعلمائها وشيوخها قد باشروا الأخطاء الجسيمة, وأصروا على المعاصي العظيمة, واستطاعت “جبهة النصرة” تجنبها وتداركها مع قلة الشرعيين الأكفاء فيها؟!

بل إن سبب البلايا والمصائب في ساحة الشام هو خروج الشيخ أبو محمد الجولاني -هداني الله وإياه- على أميره, وانشقاقه بمن معه من “جبهة النصرة”, وهذه حقيقة قاسية مرة!

مما شجع غيرهم على التمرد, وجرأ السفهاء على التطاول على أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي حفظه الله وعلى مشروع الدولة الإسلامية!

ولسان حالهم: “إذا كان واليكم على الشام خرج عليكم, وانشق عنكم, فكيف تطالبوننا بالتلاحم معكم, والانضمام إليكم؟!”

المحور الثاني: الخطأ في الحكم على الجماعات المحاربة للدولة الإسلامية, وتوصيف الاقتتال الحاصل في الساحة الشامية:

لم يكتف الشيخ أبو محمد الجولاني –هداني الله وإياه- بما تقدم من فاجعة, بل أتى بغيرها ففارق الصواب وأبعد النجعة!

فقال ما نصه: “ونحن إذ نعتقد بإسلام الفصائل المتصارعة, رغم استغلال بعض الأطراف الخائنة للحالة الراهنة, لتنفيذ مأرب غربي, أو مصلحة شخصية واهنة!”.اهـ

وقال أيضاً: “وعليه فإن القتال الحاصل نراه في غالبيته قتال فتنة بين المسلمين”.اهـ

وقال أيضاً: “أما بالنسبة لنا أولاً: كما ذكرنا أن هذا القتال قتال فتنة بين المسلمين..”.اهـ

وهذا الكلام إما أن يُقال إنه متشابه –إن أحسنا به الظن- وأن للشيخ أبي محمد الجولاني كلاماً محكماً في مجالسه الخاصة يقول فيه بكفر بعض الطوائف المقاتلة للدولة الإسلامية!

وإما أن هذا كلامه المحكم الذي يرد غيره إليه, فيكون قد وقع في بدعة الإرجاء –من حيث علم أو لم يعلم-!

جاء في وكالة الأنباء الإسلامية (حق) عن أحد الأطراف في الصراع: “جمال معروف قائد جبهة ثوار سوريا التي أعلن عن تشكيلها من جماعات توصف بغير الإسلامية, بعد أيام من الإعلان عن تشكيل “الجبهة الإسلامية” التي تحظى برعاية السعودية ينظر له كثير من السوريين على أنه لص كبير.

جمال معروف كان يخزن الأسلحة ويمنعها عن المجاهدين بدعوى أنه لا يمتلكها ثم ظهرت دباباته وأسلحته الثقيلة فجأة في محاربة الدولة الاسلامية.

وهو أحد أركان العدوان الثلاثي على الدولة الإسلامية؛ الجبهة الإسلامية-جيش المجاهدين-جبهة ثوار سوريا”.اهـ

وحال جمال معروف, ظاهر معروف, لا يخفى على أصغر المتتبعين لأخبار الشام, فكيف يخفى على من هو في الشام؟!

إذن فكيف توقف الشيخ أبو محمد الجولاني –هداني الله وإياه- عن تكفير من يسعى لتحكيم الديمقراطية؟! كيف توقف عن تكفير من ناصر الكفار من الغربيين والمرتدين على الدولة الإسلامية؟!

قال الشيخ المجاهد أبو محمد العدناني حفظه الله: “إن الدولة الإسلامية في العراق والشام تعلن أن الائتلاف والمجلس الوطني مع هيئة الأركان والمجلس العسكري طائفة ردة وكفر”.اهـ [الرائد لا يكذب أهله].

وأما وصف الشيخ أبو محمد الجولاني –هداني الله وإياه- لهذا القتال بأنه “فتنة”؛

فإن أراد المعنى اللغوي للفتنة فقد أصاب, جاء في لسان العرب 7/18: “فتن: الأزهري وغيره: جماع معنى الفتنة الابتلاء والامتحان والاختبار، وأصلها مأخوذ من قولك فتنت الفضة والذهب إذا أذبتهما بالنار لتميز الرديء من الجيد، وفي الصحاح: إذا أدخلته النار لتنظر ما جودته”.اهـ

فهذا الاقتتال ابتلاء وامتحان واختبار –أولاً- لأمراء الدولة الإسلامية وجنودها أيصبرون ويثبتون أم ينكصون وينكثون؟! –نسأل الله لهم الصبر والثبات-.

وهو ابتلاء وامتحان واختبار –ثانياً- لكل صادق من إخوة المنهج ورفاق الدرب سواء كانوا من “جبهة النصرة” أو من غيرهم؛ أيقفون مع إخوانهم في خندق واحد أم يدسون رؤوسهم في التراب؟! قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) [الفرقان: 20].

وأما إن أراد بالفتنة المعنى الشرعي –وهذا الراجح مما أراده من كلامه لسياقه وسباقه ولحاقه- فقد أخطأ أيما خطأ! لأنه كما تقدم من وصف حال بعض الأطراف المحاربة على الدولة الإسلامية, والفقهاء يقولون: “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”.اهـ

أضف إلى ذلك أن من لم يلحقه وصف الردة والكفر من الجماعات والأطراف المحاربة للدولة الإسلامية؛ فهو بين ثلاث حالات:

الحالة الأولى: أن يكون من البغاة, وقد قال الله تعالى: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)) [الحجرات].

وهذا الذي فعله علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومعه جمع من الصحابة والتابعين في قتال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما.

وكان عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد اعتزل الاقتتال بين عبد الله بن الزبير والحجاج بن يوسف الثقفي كونه قتال فتنة, ولكن ندم على ذلك وهو على فراش الموت؛ “عن سعيد بن جبير قال: لما احتُضر ابن عمر, قال: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث؛ ظمأ الهواجر, ومكابدة الليل, وأني لم أقاتل الفئة الباغية التي نزلت بنا, يعني الحجاج”.اهـ [أخرجه ابن سعد 4/185 بسند صحيح, وانظر: سير أعلام النبلاء 3/232].

ولا يشك أحد أن هؤلاء الجماعات هم من بدؤوا الدولة الإسلامية بالقتال, بل أخذوها على حين غرة كما يفعل أهل الغدر الأنذال.

وأحكام قتال البغاة مبسوطة في مظانها من كتب الفقه.

الحالة الثانية: أن يكون من الصائلين, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: (فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: (قَاتِلْهُ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: (فَأَنْتَ شَهِيدٌ)، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ: (هُوَ فِي النَّارِ). [أخرجه مسلم].

وعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ دَمِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ) [أخرجه الترمذي برقم: (1421) والنسائي برقم: (4095) وأبو داود برقم: (4772) وصححه الألباني في إرواء الغليل ( 708)].

ومن اللطيف أن الشيخ أبا محمد الجولاني –هداني الله وإياه- أقر بهذا القدر من المسألة في كلمته فقال: “ولا يمنع هذا من أن يدافع المرؤ عن نفسه في حال تعرض لاعتداء بقدر ما اعتدي عليه”.اهـ ثم استدل بحديث أبي هريرة الآنف.

وقد رأى العالم بأسره ما نشر عبر وسائل الإعلام المختلفة من تصاوير توضح صيال هذه الجماعات على الدولة الإسلامية في مقراتها وإنزال راية التوحيد, ورفع رايات وطنية جاهلية!

بل قد بلغنا عن بعضهم أنهم ينزلون راية التوحيد ويدهسونها بأقدامهم –فاللهم سلم سلم-!

وأحكام دفع الصائلين مبسوطة في مظانها من كتب الفقه.

الحالة الثالثة: أن يكون من أهل الحرابة وقطع الطرق, قال الله تعالى: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (34)) [المائدة].

وقد تواترت الأخبار أن هذه الجماعات قامت بقطع الطريق, ومن مسكته من جنود الدولة الإسلامية سواء كان من المهاجرين أو الأنصار قتلته صبراً, بل حدثني أحد الثقاة ممن نجاه الله بخدعة, أنهم في بعض الطرق جعلوا قليبين, أما القليب الأول فيرمون فيه المهاجرين بعد قتلهم, وأما القليب الثاني فيرمون فيه الأنصار بعد قتلهم!

وأحكام أهل الحرابة وقطاع الطريق مبسوطة في مظانها من كتب الفقه.

المحور الثالث: الخطأ في المواقف الشرعية, تجاه الظلم الحاصل على الدولة الإسلامية:

أفصح الشيخ أبو محمد الجولاني -هداني الله وإياه- بكل صراحة ووضوح عن موقفه من الظلم الحاصل على الدولة الإسلامية فقال: “ثانياً: نعلن أننا سنبقى محافظين على خطوطنا ضد النظام, بل وسنحاول تعزيز المواقع ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً”.اهـ

بل ودعا غيره أن يحتذي حذوه في ذلك فقال: “وندعو كل من يريد الحفاظ على ساحة الشام من أن تهتك الأعراض والحرمات على يد النظام أن يلتحق بالثغور ونؤمن له كل ما يلزم بإذن الله”.اهـ

سبحان الله؛ ألهذا الموقف اسم غير الخذلان؟! فالخِذلان في اللغة: “مصدر خَذَل يَخْذُل خَذْلًا وخِذْلَانًا، وهو تركك نُصْرة أخيك وعَوْنَه. والخَاذِل: ضدُّ النَّاصر، والتَّخْذِيل: حَمْل الرَّجل على خِذْلَان صاحبه، وتَثْبِيطُه عن نُصْرَته، وأصل هذه المادة يدلُّ على تَرْك الشَّيء والقُعود عنه”.

وأما الخِذْلَان من حيث الاصطلاح فكما قال الرَّاغب رحمه الله: “الخِذْلَان: ترك مَن يُظنُّ به أن ينصرَ نصرَتَه”.اهـ وقال الإمام النَّوويُّ رحمه الله: “قال العلماء: الخَذْل: ترك الإعانة والنَّصر”.اهـ وقال الإمام الشوكانيُّ رحمه الله: “الخِذْلَان: ترك العون”.اهـ

فهل يُخذل المظلوم بحجة الحياد؟! أيقف الموحد محايداً بين الظالم والمظلوم؟! أم يقف متفرجاً بين الحق والباطل؟!

إنني –وأنا العبد الفقير الضعيف- أنصح الشيخ ومن معه أن يهبوا لنصرة إخوانهم الذين أضفوا عليهم اسم (النصرة), وأن لا يغتروا بثناء وحمد بعض المثقفين والدكاترة!

والله قد رأيتم وقد سمعنا عن المجازر التي حصلت لإخواننا في الدولة الإسلامية, من مهاجرين وأنصار, وكبار وصغار, بل حتى النساء, لم تسلم من الاعتداء!

قال لؤي المقداد –المنسق الإعلامي للجيش الحر-: “عصابات ومرتزقة أيمن الظواهري وأبو بكر البغدادي ليذهبوا حيثما جاءوا, لن نسمح لهم بالسيطرة على الأراضي السورية”.اهـ

وقال أيضاً: “ليذهبوا إلى سيدهم إلى أفغانستان”.اهـ

وقال أيضاً: “لن نسمح لهؤلاء المرتزقة وعصابات الزرقاوي بأن تكون في الأراضي السورية”.اهـ

وقد حدثنا من نثق به أنه سمع بإذنه أحد أمرائهم في القبضة اللاسلكية يأمر جنده: “اقتلوا أي أحد من داعش والنصرة, وأي واحد لابس تنورة أفغانية”!

فهل يصح للموحد أن يقف موقف المتفرج, في مثل هذا الظرف الحرج؟!

وكيفَ تنامُ العينُ ملءَ جفونها *** على هَفَواتٍ أَيْقَظَتْ كُلَّ نائِمِ

وإخوانكمْ بالشَّامِ يُضحي مقيلهمْ *** ظهورَ المذاكي أوْ بطونَ القشاعمِ

وتلكَ حروبٌ من يغبْ عن غمارها *** لِيَسْلَمَ يَقْرَعْ بَعْدَها سِنَّ نادِمِ!

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ) [أخرجه مسلم].

وعن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبَي طَلْحَةَ بْنَ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ قالا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا مِنِ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ، وَمَا مِنِ امْرِئٍ يَنْصُرُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْطِنٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ) [أخرجه أحمد وأبو داود وهو حسن لغيره] .

قال الشيخ العلامة ابن قيم الجوزية رحمه الله: “وكفى بالعبد عمى وخذلاناً أن يرى عساكر الإيمان, وجنود السنة والقرآن, وقد لبسوا للحرب لأمته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافّهم، ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس، ودارت رحى الحرب، واشتد القتال، وتنادت الأقران النزال النزال، وهو في الملجأ والمغارات والمدخل مع الخوالف كمين، وإذا ساعد القدر وعزم على الخروج قعد فوق التل مع الناظرين، ينظر لمن الدائرة ليكون إليهم من المتحيزين، ثم يأتيهم وهو يقسم بالله جهد أيمانه أني كنتُ معكم..”.اهـ

وحاشاكم حاشاكم وقد نصرتم الأبعدين, أن لا تنصروا الأقربين!

الخاتمة:

كنا بفضل الله تعالى ننصح أحبابنا سراً لا علانية, غير أننا بتنا وكل شيء مكشوف أمام الأمة الإسلامية!

فبات الناس –كل الناس- يتكلمون عن قاعدة متشددة غالية, وأخرى متساهلة وسطية!

أما القاعدة التي نبزوها –زوراً وبهتاناً- بالتشدد والغلو في الدين, فهي الأصل الثابتة على منهج السابقين!

وأما القاعدة التي قابلوها بالثناء والترحيب, فهي التي تتكلم في الترغيب دون الترهيب!

حتى قبلها المرجئة والجامية, وزكاها أغلب السرورية! فلا بد من وقفة صادقة مع هؤلاء نذكرهم بمذهب أهل السنة, حتى لا تغرق السفينة!

قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَّ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) [محمد:33].

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور) [أخرجه مسلم وغيره].

قال الإمام السندي في حاشيته: “والكور لف العمامة وجمعها والحور نقضها، والمعنى الاستعاذة بالله من فساد أمورنا بعد صلاحها كفساد العمامة بعد استقامتها على الرأس”.اهـ [حاشية السندي على النسائي].

وفسّر الإمام الترمذي رحمه الله الحور بعد الكور بالرجوع من الإيمان إلى الكفر, أو من الطاعة إلى المعصية.

وقال الإمام المباركفوري: “أي النقصان بعد الزيادة وفساد الأمور بعد صلاحها”.اهـ [تحفة الأحوذي، شرح جامع الترمذي].

وقال المازري رحمه الله: “معناها أعوذ بك من الرجوع عن الجماعة بعد أن كنا فيها”، يقال: “كار عمامته إذا لفها، وحارها إذا نقضها”.اهـ

وكان صلى الله عليه وسلم أيضاً يقول: (اللهم يا مقلِّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك) [أخرجه الترمذي وأحمد والحاكم وصححه الألباني].

وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “مَن أحب أن يعلَم أصابتْه الفتنة أوْ لا: فلينظر، فإن رأى حلالاً كان يراه حراماً، أو يرى حراماً كان يراه حلالاً: فليعلم أن قد أصابته”.اهـ [رواه ابن أبي شيبة في “المصنف” 15/88، والحاكم في “المستدرك” 4/514].

وعن أبي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيَّ جَاءَ إِلَى حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، فَقَالَ أَخْبِرْنَا بِأَمْرٍ نَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: “إِنَّ الضَّلالَةَ حَقَّ الضَّلالَةِ أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ، وَتُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ، فَانْظُرِ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ فَتَمَسَّكْ بِهِ، فَإِنَّهُ لا يَضُرُّكُ فِتْنَةٌ بَعْدُ”.اهـ [رواه نعيم بن حماد في الفتن برقم: (128)].

وعند عبد الرزاق في مصنفه 11/249, والبيهقي في السنن الكبرى 10/42: “دَخَلَ أَبُو مَسْعُودٍ البدري رضي الله عنه عَلَى حُذَيْفَةَ، فَقَالَ: اعْهَدْ إِلَيَّ. فَقَالَ لَهُ: أَلَمْ يَأْتِكَ الْيَقِينُ؟ قَالَ: بَلَى وَعِزَّةِ رَبِّي! قَالَ: “فَاعْلَمْ أَنَّ الضَّلاَلَةَ حَقَّ الضَّلاَلَةِ، أَنْ تَعْرِفَ مَا كُنْتَ تُنْكِرُ، وَأَنْ تُنْكِرَ مَا كُنْتَ تَعْرِفُ، وَإِيَّاكَ وَالتَّلَوُّنِ فَإِنَّ دِينَ اللَّهِ وَاحِدٌ!”.اهـ

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين, وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب: أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري

7/3/1435هـ – 8/1/2014م

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s