مسألة مهمَّة | هل يُسمى من كفّر مسلماً بتأويل مرجوح خارجياً حرورياً ؟! لإبي القاسم الأصبحي



مسألة مهمَّة | هل يُسمى من كفّر مسلماً بتأويل مرجوح خارجياً حرورياً ؟!

بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد :-
فقد اشتهر على لسان بعض الجهلة اليوم رميُّ فئامٍ من المسلمين المعروفين بسلامة المنهج بالجملة بأنَّهم خوارج حرورية ؛ لأنَّهم تأوَّلوا في تكفيرِ رجالٍ على قولٍ مرجوح .
فصارّ عندهم أنَّ من كفَّر فلاناً من المسلمين بتأويل فإنه خارجي ليس على منهاج أهل السنّة والجماعة .
وآفةُ هؤلاء أنَّهم لم يفرِّقوا بين التَّكفير الباطل الذي وقع فيه الخوارج وبين غيره من التّكفير سواءً كان مرجوحاً أم راجحاً .
فليس كلُّ من كفَّر مسلماً بتأويلٍ مرجوحٍ يكون خارجياً حرورياً , فهذا من الكذب والبهتان ومجاوزة الحدّ .
وحين كتب حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه إلى قُريش يخبرهم ببعض أمر النّبي صلى الله عليه وسلم قال عمر بن الخطّاب حينها لحاطب بأنّه قد نافق !! وجاء في بعض الرّوايات ما يفيد تكفير عمر لحاطب !
فلم يرمي النّبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطّاب بأنّه من الغلو ونحو ذلك مما يصنعه الجهلاء اليوم , وكذلك لم يُؤثر عن الصّحابة أنّهم ذمّوا عقيدة عمر بن الخطّاب بسبب اجتهاده الذي تأوّل فيه الحقّ .
ونظائر ذلك في الأمَّة كثيرٌ , فقد رُوي عن أحمد بن حنبل رحمه الله أنَّه قال : بلغ ابنُ أبي ذئب أنَّ مالكاً لم يأخذ بحديث البيِّعانِ بالخيار , فقال : « يستتابُ مالك فإن تاب وإلا ضربت عنقه !! » .
ثم قال أحمد : وهو – أي ابن أبي بذئب – أورع وأقول للحق من مالك .
فهذا ابنُ أبي ذئب قد مال إلى تكفير مالكٍ وأفتى باستتابته وإلا أن تُضرب عنقه , ومع ذلك تجد جميع من ترجم لابن أبي ذئب من العلماء يصفه بالإمامة والدّيانة والفقه والورع بل منهم جعله قريناً لابن المسيِّب التّابعي الجليل !!
وما رأينا أحداً من الأئمة قد قال بأنّ ابن أبي ذئب من الخوارج وأنه حرورياً من الأزارقة الأصافرة ونحو ذلك مما تلوكه ألسنة الجُهلاء .
بل لا يزالون يعرفون لابن أبي ذئب قدره ومكانته في الدِّين وأهله ولا يذكرونه إلا بالخير ويمتدحون عقيدته وأنَّه منأئمة أهل السنَّة والجماعة .
بل أشدُّ من ذلك وأنكى فإنَّ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني رحمه الله عالم القُطر اليماني والمُقدَّم في جملة المجتهدين , قال ما نصُّه في كتابه تطهير الاعتقاد من أدران الألحاد [1] :
« وسمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رجلاً يحلف باللات فأمره أن يقول : (لا إله إلا الله) .
وهذا يدلُّ على أنَّه ارتدَّ بالحلف بالصّنم فأمره أن يجدِّد إسلامه فإنه قد كفر بذلك كما قرّرناه في سبل السّلام شرح بلوغ المرام وفي منحة الغفّار » انتهى نصُّ كلام الصَّنعاني رحمه الله .
فانظرْ ههنا كيفَ صرّح الصّنعاني بتكفير كلّ من حلف بغير الله وأن فاعله مرتدٌ عليه أن يجدَّ إسلامه !!
فمع أنَّ هذا القول غريبُ لا وجه له وأن الصنعاني إنّما أُتي في هذا القول من ظاهريته التي يتّتبع فيها ابن حزم حذو القذّة بالقذّة .
ولكن جميع العلماء يقرُّون له بالفضل بل ويعدّون في أفراد أهل اليمن علماً وعملاً وديانةً ويعدّونه كذلك منالمجتهدين .
مع أنّك لو أدرت تطبيق قوله اليوم على النّاس لجعلت غالب المسلمين اليوم مُرتدون يجب عليهم تجديد إسلامهم , كما هو الحال في أرض مصر والشّام وغيرها من البلدان التي يشتهر فيها الحلف بغير الله !!
ومع ذلك لم يرمه أحدٌ من الأئمة بأنَّه من الخوارج أو أنّه من أهل الغلو , وما ذاك إلا لإنصاف أهل العلم ولعرفانهم قدر العلماء , وأنَّ من كفّر باجتهاد متأولاً تأوّلا مرجوحاً فإنّ القول بأنّه من الخوارج قولٌ زائغٌ لا أصل له أبداً .
قال عبداللطيف بن عبدالرحمن في ردّه على الصّحاف [2] :
« إن كان المُكفِّر لبعض صلحاء الأمة متأولاً مُخطئاً وهو ممن يسوغ له التّأويل , فهذا وأمثاله ممن رُفع عنه الحرج والتّأثيم لاجتهاده وبذل وسعه كما في قصّة حاطب بن أبي بلتعة فإن عمر رضي الله عنه وصفه بالنّفاق واستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتله , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (وما يدريك أن الله اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) .
ومع ذلك فلم يُعنِّف عمر على قوله لحاطب : إنه قد نافق » انتهى كلامه رحمه الله .
فالمقصود أنَّ من عُرف عنه سلامة العقيدة وكان من أهل التّأويل فصار به تأويله إلى تكفير فئامٍ من أهل القبلة على قولٍ مرجوح فإنّه لا يجوز أن يُوصف بأنه من أهل الغلو وأنّه خارجي .
بل قُصار أمره أنّه قد اجتهد فأخطأ الحقّ وله أجرٌ إن شاء الله , ولا يُزاد على ذلك بمجوج القول , ولنا في عمل السّلف الذي سقنا جزءاً منه عبرةً وعظةً .
ولا يجوز وصف من عُرف بأنّه من أهل السنّة والجماعة بأيّ أنواع البدعة سواء كانت بدعة الخوارج أو غيرها إلا بأحد أمرين :
أحدهما : أن يقول بأصلٍ من أصولهم المبتدعة , كأصل الخوارج وهو تكفير المذنبين من أهل القبلة الذين لم يقترفوا كفراً بواحاً .
فحينئذٍ يصحُّ ههنا أن يُرمى بالبدعة ويُسمَّى خارجياً .
والأمر الآخر وهو أن تتكاثر لدى المرء فروعٌ لا تصح إلا على أصول المبتدعة , وهذه التّدليل لها طويلٌ جدًّا والمقام يقصر عنه .
فما لم يأتِ المرء بأحدٍ من هذين الأمرين فلا يجوز وصفه بالبدعة أبداً إذا عُرف أنَّه على عقيدة أهل السنَّة والجماعة ولو أخطأ في تكفير رجلٍ من المسلمين تأوّلاً .
والله أعلم .
—————
[1] : الصحيفة السادسة والسبعون والسابعة والسبعون من طبعة مكتبة الوادعي بدمَّاج والتي حقّقها الشحري وهي أفضل طبعات هذا الكتاب على الإطلاق , طبعةٌ متقنةٌ جدًّا على أنَّ صحاب التّحقيق من أهل البدع .

[2] : الصحيفة التاسعة والعشرون من سلسلة الرسائل السلفية التي اعتنى بها عبدالعزيز آل حمد .

وكتبه : أبي القاسم الأصبحي

المصدر :

المنبر الإعلامي الجهادي

http://alplatformmedia.com/vb/showthread.php?t=39576

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s