بحثٌ شرعيّ في الرد على المحيسني || إعلانُ النَّكير على نافخِ الكير في دعوى بُطلانِ بيعة الأمير للشَّيخ أبو معاذ الشَّرعي حفظه الله


بسم الله الرحمن الرحيم


مَـرْكَزُ عَـائِـشَـةَ لِـلإِعْـلَام
الـجـبـهـة الإعـلامـيَّـة لـلدِّفـاع عـن الـدَّولـة الإسـلامـيَّـة

تُــقــدِّم


بحثٌ شرعيّ
في الرد على المحيسني

بــعــنــوان

إعلانُ النَّكير على نافخِ الكير في دعوى
بُطلانِ بيعة الأمير


للشَّيخ
أبو معاذ الشَّرعي
حفظه الله

للتحميل

DOC
http://www.gulfup.com/?UcyHCj

PDF
http://www.gulfup.com/?6LcFRr

للنشر على مواقع التواصل الإجتماعي

http://justpaste.it/e3lan

ادعوا لإخوانكم في لبنان ولإخوانكم في سجن رومية أن يفك الله أسرهم

إخوانكم في
مـركـز عـائـشـة لـلإعـلام

https://twitter.com/MarkazAisha
MarkazAisha@

إعلانُ النَّكير على نافخِ الكير

في دعوى بطلانِ

بيعةِ الأمير

 

بقلم الشيخ

أبو معاذ الشرعي

حفظه الله

 

نشر

مَــرْكَــزُ عــائِــشَــةَ لِــلْإِعْــلَامْ

– منبر أهل السنة والجماعة في لبنان –

الجبهة الإعلامية للدفاع عن الدولة الإسلامية

_________________________________________________________________________________________________________

لقد نَفَرَ هذا المحيسني “نافخُ الكير” إلى بلاد الشام, وزعم العلم والفقه والنُّصح, وتقرّب من الدولة, وتردَّد إلى مقرَّاتها وشرعييّها؛ فوثق فيه الكثير من الأخوة, وأحسنوا به الظن؛ حتى فضحَهُ الله وكشفتهُ هذه الفريضة التي تأبى إلا أن تميَّز وتكشف وتطهّر.

رجلٌ متذبذبٌ متقلّبٌ إمّعةٌ يسير مع التيّار حيث سار, قبل أحزاب الصحوات: حيَّ هلا لبيعة الدولة, وبعد التجمّع وقرارات الأسياد: بيعتها باطلة!

أكثرُ مشاكل الجهاد الشامي من تحت رأسه ورأس أصحابه السرورية.

داعيةُ فتنةٍ ونميمةٍ خاصةً بين الدولة والنُّصرة, في مبادرته المشئومة طلب من جنود الدولة مبايعة النصرة؛ إمعاناً في الفتنة وتعميقاً للخلاف, في الوقت الذي لم ينادي الجبهة الإسلامية والجيش الحر وغيرهم من الجماعات بمبايعة النُّصرة؛ بل حتى هو لم يكلِّف نفسه نقضَ بيعة آل سعود التي جدَّدها لهم من الشام حتى يبايع النُّصرة!

يطير خلف كل إشاعة, ويلهث وراء كل فرية, في حادثة قتل أبي خالد السوري وجّهَ أصابع الاتّهام للدولة فور إعلان مقتله من غير تثبَّت أو رويَّة, وكَذَبَ وتناقضَ وأّلفَ وذهب في رواية مقتله كلَّ مذهب؛ فتارة مفخخة وثانية إنغماسيين عدد(5) وأخرى عدد (3) وأخيراً قُتل بطلقٍ ناري! وبعد بيان براءة الدولة من قتله لم يكلّف نفسه حتى بالاعتذار لها.

يرى القذاة في عين الدولة ولا يرى الجذع والكفر والطوام في عين غيرها, ينوح ويلطم على قتل أبي خالد السوري ويكتم ويكذب في قتل القادة: أبي عبد العزيز القطري وحجي بكر وحجي مارع, ويعدُّ اغتصاب الأخوات المهاجرات على يد صحوات الخسّة والدَّياثة والنَّذالة مبالغة وتهويل ! ولولا مباهلة المرزوقي لأنكر حتى الاغتصاب !

بطلُ التصوير والتهويل, كثيرُ القالِ قليلُ الفعال, في يده اليمنى سلاحُهُ وفي الأخرى جوَّالُهُ, في النَّهار رباطٌ على كاميرة التصوير، وفي الليل رباطٌ على تويتر !

ما رُأي مرةً إلا ومصوّره معه يدور معه حيث دار, وإذا حمي الوطيس التقط له بعض الذكريات تحت أزيز الرصاص ثم مضى, وقد تمَّ جهادُه وتحقًّق قتالُه!

وها هو اليوم – وبكل صفاقة ووقاحة- يُعلنُ بطلانَ بيعة أمير المؤمنين أبي بكرٍ البغدادي الحسيني؛ إكمالاً لمشروعه التهديمي وعمله التخريبي ونشر الفرقة والاختلاف والتنازع بين صفوف المجاهدين.

وقد نَعَقَ أوَّلَ أمسٍ في ثغره على تويتر، وكتب لمتابعيه بعض التغريدات التي بيَّن فيها -بزعمه- أدلَّة بطلان البيعة.

وقد تتّبعت شبهاته فنقَّضتُها وفنًّدتُّها بالدليل من الكتاب والسنة والإجماع، والله المستعان وعليه التُّكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله .

أولاً: الوصفُ الصحيح لبيعةِ الدَّولة الإسلامية:

1. بيعةُ عامة لا بيعةُ قتال:

نصَّ أهلُ العلم على شرائطِ الإمامة الكبرى، وبيّنوها غايةَ البيان، وأوسعوها بحثًا ودراسة، وألّفوا كُتبًا وأبحاثًا مستقلّة لدراسة مواضيعها ومسائلها، فوقَ كتب الفقه في سائر المذاهب الفقهية التي تناولت بابَ الإمامة بالتفصيل، وبيّنوا غايتها، ووظائفها، وحكمها، ووجوب نصِب الإمام، وتنصيبه على الفور، ودفع المسلمين إلى إيجاده حالَ خلوّ الزمان منه.. ونصوصهم في ذلك فاقت العدّ، وهي موجودة متناثرة في بطون الكتب والمؤلفات.

– ووجوب نصب الإمام محلُّ إجماع بين المسلمين، لم يعرف فيه لأحدٍ خلاف سوى ما يروى عن الأصم، والفوطي من المعتزلة وبعض الخوارج، وخلاف هؤلاء لا يقدح بصحة الإجماع؛ لأنه قول شاذ لم يبن على دليل صحيح ولا حجة ثابتة.

وفي هذا يقول الإمام ابن حزم: (اتفق جميع أهل السنة، وجميع المرجئة، وجميع الشيعة، وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل، يقيم فيهم أحكام اللَّه، ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حاشا النجدات من الخوارج فإنهم قالوا: لا يلزم الناس فرض الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم). [«الفصل في الملل والأهواء والنحل» (4/78.]

وقال القرطبي : (ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم، حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه). [الجامع لأحكام القرآن 1/461].

وقال الماوردي : (وعَقْدُها ـ أي الإمامة ـ لمن يقوم بها في الأمَّة واجب بالإجماع). [لأحكام السلطانية ، ص 29.]

وقال النووي : (أجمعوا على أنه يجب على المسلمين نَصْبُ خليفة). [شرح صحيح مسلم للنووي 12/205.]

وقال ابن حجر الهيتمي: (اعلمْ أنَّ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نَصْب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله، واختلافهم في التعيين لا يقدح في الإجماع المذكور). [الصواعق المحرقة، ص 30.]

– والأدلة على هذا الأصل معلومةٌ مشهورة، منها:

1- حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية » رواه مسلم .

2- حديث أبي سعيد الخدري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود.

3- حديث عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة إلا أمروا عليهم أحدهم». رواه أحمد والطبراني في المعجم الكبير .

وهذا دالٌّ بالأولى على وجوب نصب الإمام الأعظم؛ وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فإذا كان قد أوجب في أقلِّ الجماعات وأقصر الاجتماعات، أن يولي أحدهم، كان هذا تنبيهًا على وجوب ذلك فيما هو أكثر من ذلك). [الحسبة في الإسلام، أو وظيفة الحكومة الإسلامية ص: 9].

وقال الشوكاني: (وإذا شرع هذا لثلاثة يكونون في فلاة من الأرض أو يسافرون فشرعيته لعدد أكثر يسكنون القرى والأمصار ويحتاجون لدفع التظالم وفصل التخاصم أولى وأحرى، وفي ذلك دليل لقول من قال: إنه يجب على المسلمين نصب الأئمة والولاة والحكام). [نيل الأوطار: 8/294 .] .

– ومن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية المطهرة، أنه: “لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة”.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب أن يعرف أن ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها. فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع لحاجة بعضهم إلى بعض، ولا بد لهم عند الاجتماع من رأس حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم (إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم) رواه أبو داود من حديث أبي سعيد وأبي هريرة؛ ولأنّ الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتمّ ذلك إلا بقوة وإمارة..).[السياسة الشرعية].

وقال الغزالي: (لا يتمارى العاقل في أن الخلق على اختلاف طبقاتهم وما هم عليه من تشتت الأهواء وتباين الآراء لو خلوا وآراءهم ولم يكن رأي مطاع يجمع شتاتهم لهلكوا من عند آخرهم، وهذا داء لا علاج له إلا بسلطان قاهر مطاع يجمع شتات الآراء، فبان أن السلطان ضروري في نظام الدنيا، ونظام الدنيا ضروري في نظام الدين، ونظام الدين ضروري في الفوز بسعادة الآخرة وهو مقصود الأنبياء قطعاً، فكان وجوب نصب الإمام من ضروريات الشرع الذي لا سبيل إلى تركه. [الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي، ص:128.]

فتعيين وليِّ أمرٍ أعظم، فريضةٌ دينية، وضرورةٌ اجتماعيةٌ يفرضها الواقع الاجتماعي للنّاس -خاصة بعد قيام الثورات وتحرير بعض المناطق من نفوذ وسلطان الطاغوت- لما ينشأ عنه من حفظ الدين، وصيانة الحرمات، ووحدة الأمة، وفض النزاع، وكف الرُّعَاع، ونشر الأمن، وبسط العدل، ومنع الظلم، وحفظ الثغور، وتنفيذ الأحكام، وإقامة الحدود، وإجراء الصلح، ونبذ العَهْد، وغير ذلك من مصالح أهل الإسلام في سائر أنواع الاجتماعات، قال الخطابي: (لا بد للناس من إمام يقوم بأمر الناس ويمضي فيهم أحكام الله ويردعهم عن الشر ويمنعهم من التظالم والتفاسد.) [معالم السنن، 3/6]

– وإذا تقرر وجوب نصب الإمام بالنص والإجماع؛ فاعلم أنه واجب على الفور لا على التراخي؛ لأن ما يتعلق به من مهمة وأحكام لا يحتمل التأخير، فإذا كان المسلمون بلا إمام يحكمهم ولا خليفة يجمعهم فمن أهم ما تجب المبادرة إليه هو السعي إلى نصب الإمام؛ لما يتوقف على غياب بيعته من تعطل مصالح الأنام وغياب الشريعة والأحكام.

قال إمام الحرمين الجويني: (الغرض من نصب الإمام حفظ الحوزة، والاهتمام بمهمات الإسلام، ومعظم الأمور الخطيرة لا يقبل الريث والمكث، ولو أخر النظر فيه لجر ذالك خللا لا يُتلافا، وخبلا متفاقما لا يستدرك). [غياث الأمم ص: 68.]

ولهذا بادر الصحابة رضي الله عنهم إلى عقد البيعة لأبي بكر رضي الله عنه قبل دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى اضطرهم ذالك إلى تأخير دفنه لأكثر من يومٍ وليلة ! .

 قال النووي رحمة الله عليه:  (وإنما أخروا دفنه صلى الله عليه وسلم من يوم الاثنين إلى ليلة الأربعاء أواخر نهار الثلاثاء للاشتغال بأمر البيعة ليكون لهم إمام يرجعون إلى قوله إن اختلفوا في شيء من أمور تجهيزه ودفنه وينقادون لأمره لئلا يؤدي إلى النزاع واختلاف الكلمة وكان هذا أهم الأمور والله أعلم). [شرح النووي على مسلم 7/ 36]

فإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم -وهو أشرف مخلوق والأولى بأداء ما له من حقوق- يشرع تأخير دفنه تلافيا لتعطيل منصب الإمامة وغياب السلطة والزعامة، أو يسوغ بعد هذا أن يزعم زاعم مشروعية تأخير نصب الإمام أو يدعي أن المبادرة إلى نصبه ليست على وجه الإلزام ؟

 وقد سبق قول ابن حجر الهيتمي : (اعلمْ أنَّ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على أن نَصْب الإمام بعد انقراض زمن النبوة واجب، بل جعلوه أهم الواجبات حيث اشتغلوا به عن دفن رسول الله). !

– ولذلك كلِّه؛ فقد امتثلَ أهلُ الحلّ والعقد في العراق أمرَ ربِّهِم؛ فاجتمع غالبهم على بيعة أبي عمرٍ حامد الأعرجي الحُسَنيّ الهاشمي رحمه الله وتقبله, وبايعوه على إقامة الدين وتحكيم شرعه، وكانوا حين إعلانهم مسيطرين على أراضٍ شاسعة ولم يحدّوا لدولتهم حدوداً ولا ألزموا أنفسهم بها؛ مما يدل على نيتهم التمدد لسائر بلاد المسلمين – أسأل الله أن يعينهم في ذلك – وهو أمرٌ لا أعلمُ أحداً سبقهم إليه في بيعة أمير متغلّب على أرضٍ بيعةً شرعيةً امتثالاً للإجماع المنقول في ذلك, فتمت له بيعةٌ شرعيةٌ صحيحةٌ من جهتين :

إحداهما: اجتماع غالب أهل الحل والعقد في العراق على بيعته, وليس من شرط صحة البيعة أن يجتمع سائر أهل الحل والعقد على رأيٍ واحدٍ فلا يتخلف منهم أحد, فهذا شرطٌ ممتنع شرعاً وعقلاً كما سنبينه في رد شبهات المحيسني, ولكن المقصود هم الغالب والأكثر, وقد بايعت أبا عمر غالب الجماعات في العراق – ولا عبرة بمن أمسك من الجماعات عن البيعة دون مسببٍ شرعي إلا الشقاق والفرقة – وكذلك غالب قبائل العراق, فهي من هذه الجهة بيعة صحيحة ولا غبار عليها ولله الحمد إلا عند من أعمى الله بصيرته .

والوجه الآخر: هو التغلب والقهر, فدولة العراق الإسلامية حال إعلانها كانت تحكم أراضٍ كبيرة في العراق ومتغلبة عليها بالسيف وتقيم فيها أحكام الشريعة, وحسبُ البصير تصديقاً لذلك أن يعلم أن أرض الأنبار من العراق كانت تحت حكمهم وهي تعادل ثلث العراق الآن , وقد اعترف بذلك العدو قبل الصديق:

مناقبٌ شهد العدو بفضلها *** والفضل ما شهدت به الأعداء

فهي من هذه الجهة بيعة صحيحة لا غبار عليها ولله الحمد إلا عند من أعمى الله بصيرته، فهذان وجهان صحيحان لانعقاد البيعة وقد تحققت في الدولة الإسلامية في العراق والشام – نصرها الله – .

وهكذا تمّت بيعة أبي عمر البغدادي تقبّله الله، أعقبها إعلان قيام دولتِهم، دولة العراق الإسلامية، وبسطوا نفوذَهم وشوكتَهم على أماكنَ واسعة من أرض الرَّافدين، وحكمّوا الشريعة، ونشروا الأمن، وأقاموا الحدود.. ورفعوا بذلك الحرج والإثم عن الأمة، وباركَ قيام دولّتِهم سادّة الجهادِ وقادته في هذا العصر، وناصروهم، وآزروهم، وعدّو دولة العراق الإسلامية إمارةً شرعيّةً صحيحة؛ كما سيرد معنا أقوالهم في النقطة التي تليها، فحقّق الله لأهل السُّنة في العراق:

1- الاجتماع والوحدة والجهاد تحت راية واحدة.

2-إيجاد منصب الإمامة الذي تتوقف عليه الكثير من الأحكام الشرعية والمصالح الدنيوية .

3- تحقيق البيعة العامة التي أوجبها الله على كل مسلم .

4- سدُّ الطريق أمام أي جهة تسعى إلى جمع المسلمين على قيادة غير شرعية .

 

2. أقوال قادة القاعدة في صحة إمارة الدولة الإسلامية:

بعد أن نصبَ أهلُ الحلِّ والعقد في العراق إمامًا لهم، واجتمعت كلمتهم على بيعة أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي -تقبّله الله- أعلنَ هذا الأخير عن قيام دولة العراق الإسلامية؛ فنالتْ قبول واستحسان قادة تنظيم قاعدة الجهاد، وأيّدوها، وباركوها، وعدّوها إمارةً شرعيةً صحيحة، وردّوا على المخالفين، وأبطلوا حججهم، وفنّدوا دعاويهم، وفيما يلي طائفة من أقوالهم، ثبّت اللهُ الأحياء منهم وتقبّل الأموات:

– يقول الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله: (وهنا ينبغي ذكر أهل الفضل السابقين في باب الوحدة والاجتماع بما هم أهله، فلقد سرًّ المسلمين تسابق عدد من أمراء الجماعات المقاتلة في سبيل الله مع عدد مع شيوخ العشائر المرابطة المجاهدة لتوحيد الكلمة تحت كلمة التوحيد فبايعوا الشيخ الفاضل أبا عمر البغدادي أميراً على دولة العراق الإسلامية). [السبيل لإحباط المؤامرات]

– ويقول الشَّيخ أيمن الظواهري –ثبّته الله-: (أود أن أوضح أنه ليس هناك شيء الآن في العراق اسمه القاعدة, ولكن تنظيم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين اندمج بفضل الله مع غيره من الجماعات الجهادية في دولة العراق الإسلامية حفظها الله, وهي إمارة شرعية تقوم على منهج شرعي صحيح وتأسست بالشورى وحازت على بيعة أغلب المجاهدين والقبائل في العراق). [إصدار: اللقاء الرابع لمؤسسة السحاب “قراءة للأحداث”].

– ويقول: (دولة العراق الإسلامية رايتها وعقيدتها من أصفى الرايات والعقائد في العراق، فهي قد أقامت دولةً إسلاميةً لا تتحاكم إلا للشريعة، وتعلي الانتماء للإسلام والموالاة الإيمانية فوق كل الانتماءات والولاءات. وهو الأمر الذي لا زالت تتلطخ بأوحاله كثيرٌ من الحركات المنتسبة للإسلام، وهي دولةٌ تدعو وتسعى وتجتهد في إعادة دولة الخلافة المنتظرة، وتحرض المسلمين على ذلك). [اللقاء المفتوح 2008م – الحلقة الثانية.]

– ويقول ثبّته الله: (وإنشاء الحكومات من قبل الحركات المقاومة والمناضلة أمرٌ معهود في التاريخ حتى إنهم لينشئون حكومات في المنفى، فما بالك إذا صار للمجاهدين شوكة و تمكن وسيطرة على أجزاء كبيرة من أرض الإسلام … ثم قال: واليوم تقام دولة العراق الإسلامية داخل العراق، و يحتفل المجاهدون بها في شوارع العراق ، ويتظاهر الناس لتأييدها في مدن و قرى العراق ، و يُعلَن تأييدُها والبيعة لها في مساجد بغداد). [كلمة للشيخ بعنوان: نصيحة مشفق جمادى الآخر 1428]

– وقال الشَّيخ عطية الله الليبي –رحمه الله-: (بل إن دولة العراق الإسلامية تحظى بالشرعية المستندة إلى الحق الثابت المتقرر في الشريعة الإسلامية وفقهها، وتحظى بقدر طيب وكافٍ من الشعبية، بل هي إمارة وولاية أقامها مسلمون مجاهدون في سبيل الله تعالى حصلت لهم شوكة وقوة في بعض بقاع الأرض فأقاموا إمارة واختاروا رجلا منهم بايعوه عليهم وأقاموا ما قدروا عليه من الدين وأحكام الشريعة، وهم باذلون جهدهم في ذلك، وهم بحمد الله موثوقون أهل دين وصدق وجهادٍ في سبيل الله… وهذه الإمارة تثبت وجودها في الميدان وعلى الأرض، وتزداد قوة بحمد الله وتتطور رغم كيد أعدائها الكبّار العظيم جدًا). [لقاء مركز اليقين مع الشيخ عطية الله -رحمه الله-1428].

فتحصّل من كلامِهم أمورًا ثلاثة:

الأول: صحة إمارة الدولة الإسلامية وصحة بيعة إمامِها؛ حيث تأسست ببيعة شرعية واختيارٍ ومشورة.

الثاني: أنها لم تقم إلا بعد تمكين وشوكة وبسط سلطانٍ على أجزاء واسعة من أرض العراق.

الثالث: أن البيعة قد انعقدت للشيخ أبي عمر البغدادي حفظه انعقادًا صحيحًا باختيار ومشاورة أهل الحل والعقد.

ثانيًا: بيعة أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي:

بعد أن ترّجل أمير المؤمنين أبو عمر البغدادي تقبّله الله، والتحق بالرفيق الأعلى إثر تحزّب الأحزاب, من المرتدين والروافض وعبّاد الصليب, فرموا الدولة الفتية عن قوس واحدة, حتى فُجع المسلمون بمقتل الشيخين –أبي عمر وأبي حمزة- في معركة واحدة؛ خلف الله على المسلمين بأمير المؤمنين أبي بكر البغدادي عوضًا عنه، وبايعه مجلس شورى المجاهدين أميرًا لدولة العراق الإسلامية، فكان نعم الخلف لنعم السلف.

قال الشيخ المجاهد أبو محمد العدناني حفظه الله: (وإننا والحمد لله لا نتلقى ضربة إلا ونزداد بها قوة وصلابة, ولما تجندل أبو عمر, قلنا أنىّ لنا بأمير كأبي عمر, فعلا في إثره أبو بكر, وما أدراكم من أبو بكر؟! إن كنتم تتساءلون عنه؛ فإنه حسيني قرشي من سلالة آل البيت الأطهار, عالم عامل عابد مجاهد, رأيت فيه عقيدة وجلد وإقدام وطموح أبي مصعب, مع حلم وعدل ورشد وتواضع أبي عمر, مع ذكاء ودهاء وإصرار وصبر أبي حمزة, وقد عركته المحن, وصقلته الفتن, في ثمان سنين جهاد يسقي من تلك البحار, حتى غدى جذيلها المحكك, وعذيقها المرجب, حري به أن يتقرب إلى الله بالغسل عن قدميه وتقبيلها, ودعوته أمير المؤمنين, وفدائه بالمال والنفس والولد, والله على ما شهدت شهيد، ولو كان يمكنني لكشفت لكم عن اسمه ورسمه, وإني لأحسب أن الله عز وجل قد اختاره وحفظه وادخره لهذه الأيام العصيبة, فهنيئاً لكم يا أبناء الدولة بأبي بكر!.)

وهذا بيانُ مجلس شورى دولة العراق الإسلامية الذي أعلنوا فيه بيعة أبي بكر البغدادي إمامًا على الدولة.

“بيانٌ من مجلس شورى دولةِ العِراق الإسلاميّة”

الحمدُ لله العزيز الحكيم القائل: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)، والصّلاة والسلام على نبيّ الملحمة والرّحمة، الأمّي القُرشيّ القائل: (وأنا آمرُكم بخمسٍ الله أمرني بهنّ: بالجَماعة، والسّمع والطّاعة، والهجرة، والجهادِ في سَبيل الله، فإنه من خَرج من الجماعة قيدَ شِبر فقد خلعَ رِبقة الإسلام من عُنقه إلاّ أن يَرجع، ومن دَعا بدَعوى الجاهلية فهو مِن جثاء جهنّم)، وبعد..

فبعد الواقعة التي قدّر الله أن يُقتل فيها الشّيخان الجليلان، أمير المؤمنين بدولة العراق الإسلاميّة أبو عمر البغداديّ، ووزيره الأول أبو حمزة المُهاجر رحمهما الله وتقبّلهما في زمرة الشّهداء، انعقد مجلس شورى الدّولة الإسلاميّة مباشرة لحسم مسألة إمارةِ الدّولة، والتي آلت بفضل الله ومنّه إلى وِفق ما خطّط لها الشيخان الشّهيدان في مثل هذه الظّروف الخاصّة.

وظلّ مجلس الشّورى في حال انعقادٍ مستمرّ طيلة الفترة الماضية للقاء وزراء الدّولة وولاتها وأهل الحلّ والعقد وأصحاب الرأي فيها، ونبشّر أمّة الإسلام ونخصّ منهم طليعتها المُجاهدة، وفي مقدّمتهم شيوخُ الأمّة وقادة الجهاد في كلّ مكان، بأنّ الكلمة قد اجتمعت على بيعةِ الشّيخ المجاهد أبي بكر البغداديّ الحُسينيّ القرشيّ أميراً للمؤمنين بدولة العراق الإسلاميّة، وكذا على تولية الشيخ المجاهد أبي عبد الله الحَسنيّ القُرشيّ وزيراً أوّلا ونائباً له.

والشّيخان الفاضلان من أهلِ القدم الراسخة في العِلم والسّابقة في الدّعوة لدينِ الله والجهاد في سبيله نحسبهما كذلك والله حسيبُهما، نسأل الله أن يُسدّد رأيهما ويُقيّض لهما بطانةً صالحةً تأمُرهما بالخَير وتحضهما عليه، وأن يعصمهما ويُتمّ على يديهما ما بدأه الشّيخان الشّهيدان في رفع راية الجهاد والسّعي لتحكيم شرع الله وبناء دولة إسلاميّة قويّة عزيزة.

(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).

مجلسُ شورى دَولة العِراق الإسلاميّة”.اهـ [مركز الفجر للإعلام].

وبذلك تمّت بيعة الإمام أبي بكرٍ البغدادي وانعقدت بمبايعة واختيار أهل الحل والعقد، وهذا وجهٌ صحيحٌ من وجوه انعقاد البيعة بإجماع أهل العلم، فطرق انعقاد البيعة كما بينّها أهل العلم ثلاث: بالعهد أو باختيار أهل الحل والعقد أو بالتغلّب.

قال الشربيني: (وتنعقد الإمامة بثلاث طرق أحده بالبيعة). [مغني المحتاج : 5/484]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتحقيق في خلافة أبي بكر وهو الذي دل عليه كلام أحمد أنها انعقدت باختيار الصحابة ومبايعتهم له). [الفتاوى: 35/48]

ثالثًا: مناقشة شبهات المحيسني واعتراضات التمدّد:

قال المحيسني: (أخي المسدد: يقول الله تعالى: (وأمرُهم شورى بينهم) ويقول: (وشاورهم في الأمر) أمر الله بالشورى مع أن الوحي ينزل ويحسم الأمر، ومع أنه مهما بلغ من بلغ من العقل الراجح، والرأي السديد، والفهم الثاقب، واجتماع صفات القيادة والسيادة، مع التقوى والصدق والترفع والنزاهة فمن عساه يكون بجوار النبي عليه الصلاة والسلام؟ ومع ذلك أُمر بالشورى، ولم يكن يترك مشاورة أصحابه). اهـ

قلت: لقد تمّت بيعةُ أمير المؤمنين أبي بكرٍ البغدادي بالشورى، وبايعه أهل الحل والعقد من الكتائب المجاهدة وشيوخ العشائر ووجهاء البلد في العراق، وبيعتُهُ تمّت بطريقة صحيحة من طرق انعقاد البيعة، ولم يخرمها خارمٌ شرعيٌّ معتبر، من كفرٍ أو فقدان أهلية، والأصل استصحاب الأمر وبقاء ماكان على ما كان عليه.

 ثم امتدّ سلطانُهُ إلى الشام؛ لموجبات شرعية فرضها عليه الشارع الحكيم، منها:

– اعتلاء سلطان الطاغية النُّصيري على الشام، وحكمها بالطاغوت وقوانين الكفر، وتنحية الشريعة واستبدالها بزبالة أذهان أهل الكفر، وهي حالةٌ توجبُ  جهاده والخروج عليه وإزالة كفره وتخليص

المسلمين من شرّه؛ ناهيك عن كفره ومعتقده الأصلي.

قال النووي: (قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أنّ الإمامة لا تنعقد لكافر وعلى أنّه لو طرأ عليه كفر ينعزل، قال: وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها… قال القاضي: فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة؛ خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلاّ لطائفة؛ وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلاّ إذا ظنّوا القدرة عليه، فإنّ تحقّقوا العجز لم يجب القيام فيها، وليهاجر المسلم عن أرضه إلى غيرها ويفرّ بدينه). [شرح النووي على مسلم: 12/229.]

وقال ابن حجر: (قال ابن التين: وقد أجمعوا أنّه – أي الخليفة – إذا دعا إلى كفر أو بدعة أنّه يُقام عليه).

وقال ابن حجر: (وملخّصه؛ أنّه ينعزل بالكفر إجماعاً، فجيب على كلّ مسلم القيام في ذلك. [فتح الباري: 13/123.]

ومنها: استنصار المستضعفين المسلمين من أهل الشام لأهل الإسلام عمومًا وأهل الجهاد خصوصًا باستنقاذهم والانتصار لهم والذّب عنهم وعن حرماتِهم ضد الطاغية النُّصيري الذي أهلك حرثهم ونسلهم.

وقد نص أهل العلم على أنه إذا داهم العدو دارا من ديار المسلمين ولم يستطع أهل تلك الدار دفع العدو، فإنه يلزم من جاورهم واستطاع إغاثتهم أن يغيثهم، ولا يجوز لأحد من هؤلاء أن يتخلف بحال حتى يحصل المقصود من دفع العدو عن ديار المسلمين، فإن لم يكف من جاورهم فإن فرض الجهاد يتسع حتى يحصل المقصود من دفع العدو ولو شمل الوجوب الدنيا كلها.

– ويلحق بهذا أيضا أن يتغلب طاغوتٌ كافر على دار من ديار المسلمين، فإن دفعه واجب على أهل تلك الدار ومعونتهم واجبة على من جاورهم إن لم يستطيعوا دفع العدو وحدهم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين، فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لاشيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط، بل يدفع بحسب الإمكان). [الاختيارات الفقهية لابن تيمية: 309.]

وعليه، فنسأل المحيسني وكل من عارض تمدّد الدولة إلى الشام: هل كانَ يجب على الدولة الإسلامية وقد منّ الله عليها بالقوة والتمكين ومضارعة الكافرين والمرتدين، أن تنصر المستضعفين من أهل الشام من الطاغية النُّصيري، خاصة مع عجزهم عن دفع صياله،  أم لا يجب؟

فإن قال لا يجب؛ فقد خالف النص والإجماع، وإن قال: يجب، قيل له:

فهل ترى إن تغلّبت الدولة على بعض المناطق، فهل يجبُ عليها تركُ هذه المناطق، وتُخلي ما حررته عن سلطانها وتتركه بلا سلطان؟! أم تُسلِمه إلى من يحكم فيه بسلطان آخر؟!

فإن قلتَ بالأول فقد قلتَ بما يعلم القاصي والداني فساده، وإن قلتَ بالثاني فإن أولوية من خلَّص الدار ونزع يد البغي عنها بالحكم على غيره لا يماري فيها ذو نظر، ولا ينازع فيها ذو عقل، لِما له من فضل التخليص من علوٍ في رتبة الاستحقاق، فتقديم غيره عليه تقديم لخلاف مقتضي التقديم، فهو تحكم.

وهم أولى بالبيعة؛ لأنهم أول من قام بالواجب الكفائي المنوط بأهل الحل والعقد وأهل الإمامة، ولا نعرف أحداً من الناس قام بمثل أمرهم وفعل نظير فعلهم فاجتهد وأقام دولة وطلب لها البيعة , كيف ومن قام بذلك قد تحققت له بيعة شرعية في العراق قبلُ , فيكون حينئذٍ من رفض البيعة مشاققٌ طالبٌ للإمارة لا حجة له في رفضه, مضروبٌ بقوله عرض الحائط .

ثم يقال له: فهذا الذي أردتَ أن يُسلَّم له الحكم، أفيحكم فيه بسلطانٍ تابعٍ للأول؟! أم بسلطان مستقل؟!

فإن قلت بالأول رجعت إلى قولنا، وإن قلتَ بالثاني فقد نقضت ما سلَّمتَ به من صحة انعقاد البيعة للأول، وقد كان مقتضاها على ما سلَّمتَ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما). [صحيح مسلم (1853).]

وقد قال عليه الصلاة والسلام: (ستكون خلفاء فتكثر)، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: (فوا ببيعة الأول، فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم). [صحيح البخاري (3455)، وصحيح مسلم (1842).]

قال الإمام النووي رحمه الله: (ومعنى هذا الحديث إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها، وبيعة الثاني باطلة يحرم الوفاء بها، ويحرم عليه طلبها، وسواء عقدوا للثاني عالمين بعقد الأول أو جاهلين، وسواء كانا في بلدين أو بلد، أو أحدهما في بلد الإمام المنفصل والآخر في غيره، هذا هو الصواب الذي عليه أصحابنا وجماهير العلماء). [المنهاج: 12/231-232].

قال المحيسني: (يقول ابن تيمية رحمه الله عن بيعة أبي بكر: (ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر بذلك إمامًا وإنما صار أبو بكر إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة).

ويقول ابن تيمية عن خلافة عمر مع أن أبابكر الصديق استخلفه: (وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يَصِرْ إمامًا). اهـ

قلت: لا يشترط في تحقق الإمامة في أحدٍ أن يبايعه سائر أهل الحل والعقد بله الناس فلا يتخلف منهم أحد, بل تصح البيعة وتلزمهم مع بيعة من تيسر حضوره منهم, وذلك بإجماع المسلمين واتفاقهم, ومن اشترط اتفاق أهل الحل والعقد – كما هو ظاهر كلام المحيسني – فقد افترى على الدين وأهله شيئاً لم يقولوه بل وقع الإجماع على خلافه , وخالف المعقول قبل المنقول .

وهذا علي بن أبي طالب لم يبايع أبا بكرٍ ولم يُستشر في ذلك وبقي مدةً حتى بايع , ومع ذلك لم يكن فعل أبي بكر بعدم استشارته قادحٌ في بيعته وإمامته , ولم يكن رفض البيعة من علي – ابتداءً – قادحٌ في بيعته .

وقد نقل الإجماع غير واحد من أهل العلم على انعقاد البيعة بمن تيّسر من أهل الحل والعقد، وبسط ذلك النووي في شرحه على صحيح مسلم ثم ذكر الإجماع على المسألة فقال: أما البيعة فقد اتفق العلماء أنه لا يُشترط لصحتها مبايعة كل الناس، ولا كل أهل الحل والعقد، وإنما يُشترط مبايعة من تيسر إجماعهم من العلماء والرؤساء ووجوه الناس. [شرح النووي على صحيح مسلم 12/77]

وهذا نقلٌ صريحٌ للاتفاق في المسألة فلا عبرة بمن خالف بعد ذلك ويُضرب قوله عرض الحائط , والمخالف في ذلك قد كابر المعقولات وخالف المنقولات وأتى بمنكرٍ من القول وزور.

وهذا عليٌّ رضي الله عنه، لم يبايعه أهل الشام، بل نازعوه وحاربوه، ولم يقل أحدٌ ببطلان بيعته وخرم إمامته لعدم مبايعة أهل الشام له، بل أجمع أهل السنة أن بيعته كانت صحيحة معتبرة، وأهل الشام الذين امتنعوا عن بيعته عصاةٌ مخطئون.

وقول ابن تيمية الذي نقله المحيسني موافقٌ لإجماع أهل العلم غير مخالف، فلم يشترط فيه -رحمه الله- بيعة عامة الناس لصحة البيعة، بل قال: “وإنما صار أبو بكر إماماً بمبايعة (جمهور) الصحابة”  وقوله رحمه الله: إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه” أهـ يريد جمهورهم لا كلهم، كما هو واضح من عبارته الأولى.

قال المحيسني: (أي أخي: إن في الشام اليوم أكثر من ٢٣ مليون نسمة، عدد المقاتلين يفوق ١٥٠ ألفاً، ومنهم مجاهدون كُثُر لهم شوكة وعدد، وإن البيعة والإمامة إذا تجاوزت أهل الشوكة من هؤلاء كانت بيعة غير صحيحة). اهـ

قلت: سبق نقل الإجماع على أنه لا يُشترط لصحة البيعة مشورة عامة الناس، ولا حتى عامة أهل الحل والعقد بل بمن تيّسر منهم.

وقوله: (وإن البيعة والإمامة إذا تجاوزت أهل الشوكة من هؤلاء كانت بيعة غير صحيحة) .

فإن كان يقصد بهؤلاء، الـــ ٢٣ مليون نسمة، وفيهم الكافرَ الأصلي والمرتد والنصيري والرافضي والدرزي والزنديق والعلماني والليبرالي والبعثي = فهو من أسقط الأقوال وأرذله وأقبحه وأسمجه، وهو قول دعاة الديقراطية الغربية الكافرة، ولايقول به مَن عنده دراية بالتوحيد وبالفقه وبمسالك أهل العلم، حتى اشتراط مشاورة عامة المسلمين مخالفة للإجماع وللمنقول والمعقول.

أما مخالفة الإجماع فقد سبق، وأما مخالفته للمنقول فإن علياً كان من أهل الحل والعقد ولم يبايع أبا بكر ابتداءً – ثم بايعه متأخراً – ومع ذلك فقد صحة بيعة أبا بكر حال عدم مبايعة علي ولم يكن ذلك قادحٌ في بيعة أبي بكر.

أما مخالفته للمعقول, فإن الناس يستحيل تواطؤهم جميعهم دون تخلف أحدٍ منهم على شيءٍ واحدٍ ألبتة, ومن جوّز ذلك فقد جوَّز محالاً لا وجود له في الخارج .

ومعلومٌ أنّ الأصل في العوام الجهلُ وانعدام الرأي والمشورة، وإناطة عقد البيعة برضاهم هو من وضع الشيء في غير موضعه, إذ أن أمر سياسة الناس تكون لمن اتّصف بالحلم والعلم والرأي والمشورة , فمن الظلم حينئذٍ وضعها في غير موضعها .

فإذا كان الصحابة لم يتفقوا على إمامة علي رضي الله عنه – مع أنه حقيقٌ بذلك – ووقعت بينهم حروب في ذلك, فَلَأن لا يتفق الناس ممن هم دون صحابة رسول الله أولى وأحرى , وهذا كافٍ في رد هذا الشرط .

وإن كانَ يريد بهم الـــ 150 ألف مقاتلًا، فلا يخفى على أحد أن الجماعات المقاتلة في الشام ليست على طريقةٍ واحدها، ولا على منهجٍ واحد، فالرايات فيها متعدّدة، والغايات متنوعة، والتبعيات للشرق والغرب الكافر على قدمٍ وساق، والمتربصون بالإسلام وأهله في كل وادٍ وناد.

 فمنها، الكتائب والفصائل والمجالس العسكرية التي تقاتل تحت راية هيئة أركان العلماني سليم إدريس، ومنهم من يقاتل تحت راية إئتلاف الجربا والمجلس الوطني، وهؤلاء مرّتدون عن الدّين؛ يقاتلون لإعلاء كلمة أمريكا وطواغيت العرب، ولبناء الدولة العلمانية المدنية ومحاربة شرع الله، ولايشكُّ في كفر هؤلاء وردّتهم إلا مَن فقد أصل التوحيد.

ومنها، جماعات الإسلام الوطني الديمقراطي الملتحي، كعصابات إخوان المسلمين، دعاة الديمقراطية والدولة العلمانية والدساتير الكافرة !

وأحسنهم حالًا، من يطلب دولةً لا تخيف الغرب ! ولا أدري ما لون وطعم ورائحة هذه الدولة التي لا تخيف الغرب، لكن الذي أدريه قطعًا أنها ليست دولة إسلامية تحكم بالشريعة على منهاج النبوة .

فحال الجماعات اليوم في الشام في أغلبه حال رديء والله المستعان، فأغلبها تريد الديمقراطية ديناً ولا تبغي عنه حولا, وهؤلاء هم جمهور ما يُسمى بالجيش الحر، وأما غيرُ ذلك فقد شوّهت بعضهم عقائد بدعية من تجويز الدخول في البرلمان الكفري ونحو ذلك من عقائد المبتدعة التي قد تصل للكفر والعياذ بالله .

وقليلٌ من الجماعات الصادقة في الشام غير الدولة الإسلامية، وهؤلاء أندر من الكبريت الأحمر في الشام ونسأل الله أن يعجل ببيعتهم للدولة الإسلامية وأن يهدي الخالعين للبيعة بالعودة والتوبة من تلكم الحوبة.

فهذا توصيفٌ صحيحٌ دقيقٌ لحال الجماعات التي يشترط المحيسني بيعتها، وأما سوى ذلك فهو توصيف مغلوط باطل، والله المستعان.

وعليه، فلا يدخل في أهل الحل والعقد الجماعات المعروفة بفساد عقيدتها؛ كالتي تدعوا إلى البرلمان ونحوه من الأمور المخالفة للعقيدة, وقد انتشرت هذه الجماعات في العراق حينها, بل كان بعضها يدعي الإسلام زوراً وبهتاناً ثم اتضح بعد ذلك أنهم من أوائل من أسسوا للردة في العراق وناصروا الصليبين على المسلمين ولا حول ولا قوة إلا بالله .

وعلينا أن يعتبر بأمثال هؤلاء, فبعد أن كادوا يفسدون الجهاد في العراق, ها هم يعيدون الكرة اليوم في الشام , ويريدون أن يفسدوا الجهاد هناك, والمؤمن المتيقظ لا يلدغُ من جحرٍ مرتين .

قال المحيسني: (ومن أجل ذلك قال عمر رضي الله عنه: (من بايع رجلاً من غير مشورة المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي تابعه تَغِرّة أن يُقتلا) . اهـ

قلت: إن عمرَ بن الخطاب تكلم في ترك المشورة وليس في رضا عموم الناس أو عموم أهل الحل والعقد، ولا يستدل بالأول على الثاني إلا الغبي الجاهل  بمدلولات الألفاظ، ثم إن مقصود عمر بمشورة المسلمين هو في أهل الحل والعقد ,

ولا يُفهم منه وجوب مشاورة كل مسلمٍ بعينه، إذ أن هذا باطلٌ قطعاً ولا يقصده أبو حفص رضي الله عنه, وإنمَّا قصد بذلك مشورة أهل الحل والعقد وليس مشورة جميع المسلمين.

قال المحيسني: (أتينا للشام ليُحكَم بشرع الله وليختار أهل الشوكة في الشام من توفرت فيه شروط الإمامة المتفق عليها، كائناً من كان، مادام يحكم بشرع الله)ـ

قلت: فدونك أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي الحسيني، قد توفرت فيه جميع شروط الإمامة الواجبة والمستحبة، وانعقدت بيعته بشورى أهل الحل والعقد، وبايعه الناس، وله قوة وشوكة، ويحكم بالشريعة، ولا يمنعك من مبايعته مانعٌ شرعيٌّ معتبر اللهم إلا حبُّ التنازع والافتراق وحظوظ النفس والأهواء !

قال المحيسني: (وأما قول بعضهم أنها صحت الولاية في العراق فتمددت للشام؛ فنقول: لو صحت هناك لم يصح تمددها في الشام؛ لأنه لا يُعرف في الإسلام إلا توسع حاكم مسلم إلى بلد كافر، كما وسع الخلفاء الراشدون رقعة الدولة الإسلامية بعد ثبوت بيعتهم..)

كذا قال!! وليته لم يورّط نفسه فيما لا علم له به ولم يدخل فيما لايحسنه؛ ففضح نفسه، وكشف سوءته، وبان عواره، وهكذا حال كل من اشتغل بغير فنّه يأتي بالعجائب!

والله، لو قال هذا الهذيان مجنونٌ يمشي في الطرقات ويسيل مخاطه على وجهه؛ لأخَذَنا منه العجب فكيف بمن يزعم الدكترة والأكاديمية !!

ولا أدري هل يعتبر المحيسني النظام النُّصيري امتدادا للخلافة الأموية، وأنَّ بشّارًا من ولد مروان بن الحكم!

فيلزمه -حتى تثبت له دعواه- أن يصحّح ولاية بشّار ودون ذلك خرط القتاد واخضرار الرماد !

عالعموم، لا أريد الإطالة في تفنيد هذه الدعوة؛ فبطلانها يغني عن إبطالها، فكلُّ مَنْ عنده مسكةُ عقل يعلم أنَّ سلطانَ أمير المؤمين امتدّ إلى بلدٍ يحكمه نصيريٌّ كافر، ورافضيَّ خبيث؛ سام أهلها سوء العذاب، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وليس لمسلمي أهل الشام بيعةٌ صحيحةٌ في عنق هذا الكافر، فما بمثل هذا الهراء تُنقض العهود ويُنكثُ عهدُ الله وميثاقُه يا محيسني، عاملك الله بعدله !

قال المحيسني: (وبناء على ما سبق نقول لإخواننا : في مسألة البيعة : إن هذه البيعة بيعة باطلة لم تثبت، وما بُني على باطل فهو باطل.)

قلت: بأس ماقلت، وبأس مابنيت عليه حكمك، وهل بنيت حكمك إلا على جرفٍ هار!

ولا والله ما قدّمت دليلاً معتبرًا، ولاحجّةً مقبولة، ولا تمسّكت بنصِّ أو بإجماعٍ أو بقياسٍ صحيح، وقد أتيتُ على جميع شبهك فنقضّتُها واحدة تلو الأخرى، وجعلتها كأمس الدابر، وفنَّدَّتُها بما لا يترك لعاقلٍ جدالاً أو مكابرة.

ومن لا يرغب الوصول إلى الحق فلو تناطحت بين يديه جبال الأدلة ما رفع بها رأسًا !

هذا مجمل مافي جعبة المحيسني لإبطال بيعة أمير المؤمنين، وهناك شبهاتٌ أخرى يلقيها أصحابه وزملاؤه رأيتُ أن أكرَّ عليها هي الأخرى فأنقضها؛ زيادةً في الفائدة والتوضيح وإقامةً للحجة وإبراءً للذمة فأقول:

بعد الإطّلاع على شُبهات المخالفين، وردود المعترضين، تحصّل لي اجتماع أمّهات شبهاتهم -غير ماذكره المحيسني- في النقاط التالية:

– شبهة جهالة عين الإمام:

وهذا ليس بشيء، فإن أرادوا به الجهالة العامة؛ فغير صحيح، فالإمامان البغداديَّان الحسيّنيّان أبا عمرٍ وأبا بكرٍ معلومان لأهل الحل والعقد، وهذا يكفي لصحة بيعتهما، إذ لا يُشترط لصحّة البيعة معرفة عموم المسلمين لاسم ورسم إمامهم، بل يكفي أن يعرفه أهل الحلِّ والعقد منهم، قال الإمام أبو يعلى رحمه الله: (ولا يجب على كافة الناس معرفة الإمام بعينه واسمه، إلا من هو من أهل الاختيار الذين تقوم بهم الحجة وتنعقد بهم الخلافة). [الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص27].

وقال الإمام الماوردي رحمه الله: (فإذا استقرت الخلافة لمن تقلدها إما بعهد أو اختيار لزم كافة الأمة أن يعرفوا إفضاء الخلافة إلى مستحقها بصفاته، ولا يلزم أن يعرفوه بعينه واسمه إلا أهل الاختيار الذين تقوم بم حجة وببيعتهم تنعقد الخلافة..

إلى أن قال: والذي عليه جمهور الناس أن معرفة الإمام تلزم الكافة على الجملة دون التفصيل، وليس على كل أحد أن يعرفه بعينه واسمه إلا عند النوازل التي تحوِج إليه، كما أن معرفة القضاة الذين تنعقد بهم الأحكام، والفقهاء الذين يفتون في الحلال والحرام تلزم العامة على الجملة دون تفصيل إلا عند النوازل المحوجة إليهم، ولو لزم كل واحد من الأمة أن يعرف الإمام بعينه واسمه للزمت الهجرة إليه ولما جاز تخلف الأباعد ولأفضى ذلك إلى خلو الأوطان ولصار من العرف خارجا وبالفساد عائدا)ـ [الأحكام السلطانية للماوردي ص 15].

يقول الشيخ أسامة بن لادن تقبله الله: (وهنا مسألة: إن كثيراً من الناس لا يعرفون سيرة أمراء المجاهدين في العراق؟!

فأقول: سبب ذلك ظروف الحرب ودواعيها الأمنية, إلا أني أحسب أن الجهل بمعرفة أمراء المجاهدين في العراق جهل لا يضر إذا زكاهم الثقات العدول … فالامتناع عن مبايعة أمير من أمراء المجاهدين في العراق بعد تزكيته من الثقات العدول بعذر الجهل بسيرته = يؤدي إلى مفاسد عظام من أهمها: تعطيل قيام جماعة المسلمين الكبرى تحت إمام واحد , وهذا باطل).[ السبيل لإحباط المؤامرات]

– شبهة عدم التمكين والشوكة:

وهذه الشبهة مع كثرة ورودها بين المخالفين، وكثرة استخدامهم لها للطعن في صحة قيام الدولة، إلا أنّها شبهةٌ واهية، ساقطة، ليس عليها أثارةٌ من علم، ولم يورد لها المخالفون دليلاً شرعيّا معتبرا، أوحجةً علميّة قويمة، فالتمكين التّام، وعدم استلاب أجزاءٍ من الأرض، وتغيّر الأحوال، وضعف الدولة، وانحسار الجماعة، وغيرها من النوائب التي تتعرّض لها كلّ دولة، الذي يشترط هؤلاء منعَ كلّ ذلك لصحّة قيام الدولة =لم يتحقّق حتى للنبي -صلى الله عليه وسلم، وللخلفاء الراشدين من بعده، فقد بايع من وفد إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار ليلة العقبة ولم يكن آنذاك له قوة أو شوكة .

قال جابر -رضي الله عنه- في ذكر بيعة الأنصار للنبي صلى الله عليه وسلم في العقبة الثانية: (فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه بيعة العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا، فقلنا: يا رسول الله علام نبايعك؟ قال: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، وتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم الجنة»، فقمنا إليه فبايعناه). [رواه ابن حبان] .

 ففي هذا الحديث صرح جابر رضي الله عنه أنهم بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل وتلك صفة بيعة الإمامة العامة.

ومن ذلك أيضا حديث عبادة بن الصامت، قال: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقوم أو نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم) [رواه البخاري].

وقد بوب البخاري لهذا الحديث بقوله: (باب: كيف يبايع الإمام الناس)، أي أن البيعة الواردة في الحديث بيعة على الإمامة العظمى، ويعرف كل طالب علم أن فقه البخاري في تراجمه، وهو هنا يذكر أن صفة البيعة هي بيعة عامة لابيعة قتال.

وهذه البيعة كانت ليلة العقبة الثانية، وقد ورد في بعض ألفاظها البيعة على نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم المدينة، كما في رواية أحمد في المسند: (فقال: عبادة لأبي هريرة: يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في اليسر والعسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله تبارك وتعالى ولا نخاف لومة لائم فيه، وعلى أن ننصر النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنة …)

 وقال الحافظ ابن رجب تعليقا على هذا الحديث: (وقد خرجه الهيثم بن كليب في ” مسنده ” من رواية ابن إدريس، عن ابن إسحاق ويحي بن سعيد وعبيد الله بن عمر، عن عبادة بن الوليد أن أباه حدثه، عن جده قال: بايعنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في العقبة الآخرة على السمع والطاعة، فذكره……وهذا يدل على أن هذه البيعة كانت قبل الهجرة وذلك ليلة العقبة..) [فتح الباري لابن رجب 1/ 70]

فأنت ترى أن حديث جابر وحديث عبادة ابن الصامت كلاهما ورد فيه البيعة على السمع والطاعة في المنشط والمكره وهذا هو الذي تنعقد به الإمامة وتلزم به المتابعة، وأن البيعة الواردة فيهما كانت في ليلة العقبة، وأن الصحابة كانوا في حالة ضعف وعدم تمكين؛ حتى أنهم كانوا يخفون هذا الاجتماع الذي عقدت فيه البيعة، ويشهد لذلك قول جابر في حديثه السابق: (فواعدناه بيعة العقبة، فاجتمعنا عندها من رجل ورجلين) .

وإنما حصل التمكين بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة .كما قال ابن هشام في سيرته:  (قال ابن إسحاق: فلما اطمأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة، واجتمع إليه إخوانه من المهاجرين، واجتمع أمر الأنصار، استحكم أمر الإسلام، فقامت الصلاة، وفرضت الزكاة والصيام، وقامت الحدود، وفرض الحلال والحرام، وتبوأ الإسلام بين أظهرهم، ) [سيرة ابن هشام 2/ 111.]

فهل يسوغ بعد هذا أن يقول قائل: “لا عبرة بالبيعة في حال عدم التمكين” ؟

يقول الشيخ المجاهد أسامة ابن لادن تقبله الله: (ولو أن التمكين المطلق شرط لقيام الإمارة الإسلامية في هذا الزمان لما قامت للإسلام دولة؛ لأن الجميع يعلم أنه مع التفوق العسكري الهائل للخصوم وأنهم يستطيعون أن يغزو أي دولة ويسقطوا حكومتها وهذا ما رأينا، في أفغانستان وكما أسقطوا حكومة العراق البعثية فسقوط الدولة لا يعني نهاية المطاف ولا يعني سقوط جماعة المسلمين وإمامهم، وإنما يجب أن يستمر الجهاد ضد الكفار كما هو الحال في أفغانستان والعراق والصومال، ومن تدبر كيف حالُ دولة الإسلام الأولى يوم أحد ويوم الأحزاب إذ بلغت القلوب الحناجر واقتحمت القبائل وحاصرت المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، ومن رأى كيف كان حال المسلمين يوم أن ارتدت جزيرة العرب إلا قليلا بعد وفاة رسول الله صل الله عليه وسلم = لعَلِمَ أن التمكين المطلق ليس شرط لانعقاد البيعة للإمام أو لقيام دولة الإسلام، فلا يصح أن يقال لمن بويع على إمارة إسلامية نحن لا نسمع لك ولا نطيع لأن العدو يستطيع إسقاط حكومتك! ومن العجيب إن بعض الذين يثيرون مثل هذه الأمور، يعيشون في دول الخليج ومنها الكويت ولم نسمع منهم مثل هذا الكلام عندما  أسقط البعثيون حكومتهم، وإنما كان خطيبهم المفوَّه يقول بصوت عال : “نحن مع الشرعية” يعني مع حكام الكويت آل الصباح المعاندين لشرع الله تعالى والذين لم يكونوا يملكون من أمر الكويت شيئا وإن قل). [السبيل لإحباط المؤامرات]

– وكذلك بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- في خلافة الصديّق رضي الله عنه، ارتدت العرب، وعظم البلاء، واشتد الكرب، وضعف المسلمون، ونجم النفاق، وضاقت على أهل الإسلام الأرض بما رحبت.

يصف ابن كثير رحمه الله الحال فيقول: (فلما مات -أي: النبي صلى الله عليه وسلم- عظم الخطب واشتد الحال ونجم النفاق بالمدينة وارتد من ارتد من أحياء العرب حول المدينة وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصديق ولم تبق الجمعة تقام في بلد سوى مكة والمدينة) [ البداية والنهاية 9/421 ].

وتصف عائشة حال أبيها فتقول: (قبض النبي صل الله عليه وسلم فارتدت العرب، واشرأب النفاق بالمدينة، فلو نزل بالجبال الرواسي ما نزل بأبي لهاضها). [فضائل الصحابة للإمام أحمد 1/119]

ونظرًا لهذه الحال، ناقش بعضُ الصحابة الصدّيق رضي الله عنه في العدول عن تنفيذ جيش أسامة، فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حول المدينة فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم . [البيهقي في الاعتقاد ص345، وصححه صاحب جامع الآثار القولية والفعلية الصحيحة لأبي 143]

ومع ذلك ما انتقضت بيعةُ الصدّيق ولا نقصت، ولا انقدح في ذهن أحدٍ من الصحابة بطلان بيعته لضعف شوكته وانحسار جماعته وقلة نفوذه وكثرة أعدائه، بل سمعوا وأطاعوا ونزلوا عند رأيه وقاتلوا المرتدين؛ حتى أظهرهم الله عليهم، وأعادوا بسط الإسلام من جديد.

– وكذلك ما حصل مع عثمان رضي الله عنه في أواخر خلافته مع الثوار الظالمين الذين خرجوا عليه وحاصروه في داره وضيّقوا عليه الخناق؛ حتى لم يعد يتمكّن من حضور الجمع والجماعات أعظم الواجبات، قال ابن كثير رحمه الله: (وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إليه إلا قليلا في أوائل الأمر ثم انقطع بالكلية في آخره). [البداية والنهاية 10/286]

وما منع عليّا من الاقتصاص من قَتَلة عثمان بعد تولّيه الخلافة إلا ضعفه وعدم قدرته عليهم؛ حتى كان هذا سبباً في امتناع معاوية رضي الله عنه عن بيعته، وخروج الزبير وطلحة وعائشة رضي الله عنهم إلى العراق طلباً لقتلة عثمان.

وحتى الموت لم يستطع دفعه عن نفسه، ومع كل ذلك لم يكن شيءُ من ذلك سببًا لنقض بيعة ذي النورين، ولا خلعًا لقميصٍ ألبسه الله إيّاه.

قال إمام الحرمين الجويني رحمه الله: (فإن قيل: كان عثمان رضي الله عنه إذا حوصر في الدار ساقط الطاعة، فما قولكم في إمامته مدة بقائه إلى أن استشهد؟

قلنا: كان إمامًا إلى أن أدركته سعادة الشهادة، وما كان سقوط الطاعة مأيوس الزوال، وإنما حاصره شرذمة من الهمج الأرذال ونزاع القبائل، وكان يرى رضي الله عنه المتاركة والاستسلام والإذعان لحكم الله تعالى، ولم يؤثر أن يراق بسببه محجمة دم حتى قال لغلمانه: “من ألق سلاحه فهو حر). [غياث الأمم 125]

– وهذا عليٌّ رضي الله عنه عجز عن الاقتصاص من قتلة عثمان لضعف شوكته وسلطانه، ورفض أهل الشام مبايعته،

 وتقلّص نفوذه بعد صفّين، وسُلبت منه مصر، وضعف طاعة الناس له وقد كان يأمروهم ويستنفرهم فلا يسمعون له ولا يطيعون.

قال ابن كثير رحمه الله: (كان أمير المؤمنين رضي الله عنه قد انتقضت عليه الأمور، واضطربت عليه الأحوال، وخالفه جيشه من أهل العراق وغيرهم، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام وصالوا وجالوا يميناً وشمالا زاعمين أن الأمر لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليًا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الإمرة عن أحد وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق ووهنوا، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، فهو أعبدهم وأزهدهم وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه وقد كانن يعطيهم العطاء الكثير والمال الجزيل، فلا زال هذا دأبهم معه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: مايحبس أشقاها -أي ما ينتظر- ما له لا يقتل ؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه، ويشير إلى لحيته، من هذه، ويشير إلى هامته). [البداية والنهاية: 11/5-6]

وكلُّ ذلك لم يسقط خلافته ولا نقضت بيعته رضي الله عنه وأرضاه.

والمقصود، أن التمكين التام الذي يشترطه هؤلاء لصحة الإمامة منقوض بحوادث التأريخ، وهذه الدول الإسلامية على مر العصور وكر الدهور قد كان ينتابها من الضعف وضياع الأرض ما لا يخفى على كل مطالع للتأريخ، ولم يكن شيء من ذلك موجبًا لانحلالها ما بقيت فيها الشوكة التي تؤهلها للقيام بواجبات وتكاليف الإمامة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

– وأبعد من ذلك كله -ولعلّي أختم هذه الشبهة بها- أنّ الإمام إذا تمكّن منه العدو وأسروه؛ فإنه لا تسقط إمامته ولا تنخرم بيعته.

قال الماوردي رحمه الله: (وإن أسر بعد أن عقدت له الإمامة فعل كافة الأمة استنقاذه لما أوجته الإمامة من نصرته، وهو على إمامته، ماكان مرجو الخلاص مأمول الفكاك، إما بقتال أو فداء). [الأحكام السلطانية: 47]. فتأمل !

وهذا كلّه مع التسليم بعدم تمكّن الدولة الإسلامية، وإلا فهي ممكّنة بسلطة وشوكة في بقاع كثيرة من العراق والشام ولله الحمد، وولاية الرقة في الشام أكبر من سبع دول من الدول العربية في مساحتها الجغرافية وكثافتها السكانية، وهي تحت التمكين التام والسيطرة الكاملة للدولة الإسلامية، وتُحكّم فيها الشريعة، وتُقام الحدود، ويدفع النصارى فيها الجزية عن يدٍ وهم صاغرون؛ فاللَّهم لك الحمد والشكر والفضل والمنّة، أنت المستعان، وعليك التُّكلان، ولاحول ولاقوة إلا بك.

وهنا نصُّ جميل للشيخ الظواهري يستحسن أن أذكره، قال -ثبته الله-: وأنا أسأل الذين يشككون في تمكن دولة العراق الإسلامية ثلاثة أسئلةٍ:

الأول: هل تنكرون أن دولة العراق الإسلامية هي أخطر تهديدٍ على المخططات والأطماع الصليبية والإيرانية في العراق؟

الثاني: هل تنكرون أن دولة العراق الإسلامية هي أقوى قوةٍ مجاهدةٍ من حيث عدد أنصارها؟

فإن كان الجواب بنعمٍ، وهو كذلك بفضل الله، فما السبب في ذلك إلا التأييد الشعبي لها، هل يمكن أن تبلغ جماعةٌ هذه القوة، وتتصدى لكل هذه الهجمات من أقوى قوةٍ في العالم، وتفشل كل هذه المؤامرات، وتفضح كل هذه الدعايات، وهي لا تتمتع بشعبيةٍ أو قبولٍ. إن المسلمين في العراق يؤيدون دولة العراق الإسلامية، ويدافعون عنها، لأنهم يعلمون أنها من أصدق القوى في الدفاع عنهم ضد العدوان الصليبي والإيراني.

السؤال الثالث: أقول للذين يشككون في تمكن دولة العراق الإسلامية وسيطرتها على الأرض؛ هل يستطيع أحدٌ أن ينكر أن الدولة المباركة تسيطر على الأقل على كيلومتر مربعٍ واحدٍ من أرض العراق؟

فإن كان الجواب بنعمٍ، وهو كذلك بفضل الله، إذن فلماذا تنكرون عليها أن تقيم دولة إسلاميةً على الأرض التي تسيطر عليها؟ وكم كانت مساحة دولة المدينة المنورة قبل غزوة الأحزاب؟ وكيف كان حالها في غزوة الأحزاب؟. [اللقاء المفتوح 2008 – الحلقة الثانية.]

هذا آخر ما تيّسر لي كتابته، والله المستعان، وعليه التُّكلان، ولاحول ولاقوة إلا بالله.

أبو معاذ الشرعي

 1/5/1435

و تقبلوا تحيات إخوانكم في

مَــرْكَــزُ عــائِــشَــةَ لِــلْإِعْــلَامْ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s