إسكات الرغاء في صحة شروط الدولة للخضوع للقضاء| وكتب : أبو عبد الرحمن عبيدة الأثبجي.


إسكات الرغاء
في صحة شروط الدولة للخضوع للقضاء

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه.

لما كثر الكلام على موضوع الشروط التي اشترطتها الدولة للخضوع للقضاء الشرعي المستقل ، حتى بلغ الأمر ببعضهم أن أوصلها إلى أنها رد لحكم الله !!

ويغرد آخر بقوله ” الحل لمن أراد أن يحقن الدماء ، تعالوا إلى كلمة سواء أن نحكم الشرع فيما اختلفنا فيه دون قيد أو شرط !!
لو كان القضاء دون قيود ولا شروط فلماذا ألفت الكتب في فقه القضاء وشروط القاضي وشروط الشهود والنظر في حال الخصوم وغيرها.

أردنا أن نقف مع هذه الشروط وقفة شرعية ـــ وأعتذر من القراء الكرام على طول المقال ولكنه في غاية الأهمية ـــ فنقول :
شروط الدولة على خصومها :
1. تبيين موقفهم الشرعي من الديمقراطية والعلمانية وهيئة الأركان والائتلاف الوطني والمجلس العسكري.
2. وتبيين موقفهم من الأنظمة الحاكمة في المنطقة كالحكومة الأردنيّة والسعوديّة والقطريّة والإماراتيّة والتركيّة وغيرها.

نبدأ بمقدمات يسيرة ، لها علاقة وثيقة بموضوعنا :

أولا : ما هو الدليل والمرجع الذي يرد إليه النزاع ؟
البعض يلزمنا برد النزاع إلى الرجال ، وهذا قول أهل الجهل والضلال ، حتى لو كانوا من أهل التوحيد والقتال …
والبعض يريد منا أن نكون مع الأكثرية ، التي كان يصفها بأنها آلهة دين الديمقراطية ، وكل هذه الأقوال غير مرضية …

الدليل والمرجع هو الكتاب والسنة .
فالله عز وجل نهانا عن النزاع ابتداء وأمرنا بالصبر
فقال تعالى ( وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )

ثم لما كان النزاع أمر كوني لا بد أن يقع بين الله لنا كيفية العلاج ..
فقال تعالى ( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا )
ولم يقل فردوه إلى فلان أو فلان ، بل أمر برده للسنة بعد القرآن ، وجعل ذلك شرطا للإيمان ..

وإياكم إخواني وسياسة ، ( العالم المعتبر ، من وافقني في النظر )…
فإنها سياسة المرجئة وربي ، عرفناها وعرفنا شنشنها …

ثانيا : ما هي أدلة الأحكام التي يجب الخضوع لها ؟
أدلة الأحكام هي :
1. الكتاب . 2. السنة .
3. الإجماع . 4. القياس الصحيح .

فالواقعة إما أن تكون واقعة منصوص عليها في الكتاب أو السنة الصحيحة ، أو نقل الإجماع فيها عالم ذو قريحة ، وإلا انتقلنا للقياس ، بأن تلحق بأقرب صورة لها في الكتاب أو السنة.

ثم لرفع الالتباس ، لا بد من معرفة أركان القياس ، فإذا توفرت أركانه ، قوي بنيانه ، وكان قياسا صحيحا ، وإلا رد على قائله وإن كان إماما فصيحا.

أركان القياس :
1. الأصل وهو (المقيس عليه). 2. الفرع وهو (المقيس).
3. العلة وهي (مقيس له). 4. حكم الأصل وهو(مقيس فيه).
فهذه الأربعة مطلوبة للوصول إلى حكم الفرع …

مثال توضيحي ..
النبيذ ما هو حكمه ؟
لم يأتي فيه دليل بعينه من كتاب ولا من سنة صحيحة ولا إجماع وإنما حرم بالقياس على الخمر.
1. الأصل (الخمر). 2. الفرع (النبيذ).
3. العلة (الإسكار). 3. حكم الأصل هو (الحرمة).
فحكم الفرع إذا هو الحرمة.

ثالثا : حكم الشروط التي اشترطتها الدولة ..
ثم نأتي إلى ما نرنو إليه وهو حكم الشروط التي وضعتها الدولة للخضوع للقضاء الشرعي …
لم يرد ـــ فيما نعلم ــ في الكتاب والسنة نص فيها بعينها ولا إجماع.
فنظرنا في نظائرها في الكتاب والسنة ، فوقع بين عيني حديث للنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قريب من هذه الواقعة ، فنظرت في أركان القياس فوجدتها متوفرة .

الدليل :
ثبت في صحيح الإمام مسلم في حديث معاوية بن الحكم السلمي في قصة ضربه لجاريته وفيه ” قلت يا رسول الله أفلا اعتقها ؟ قال ائتني بها ، فأتيته بها فقال لها : أين الله ؟ قالت في السماء ، قال من أنا ” قالت : أنت رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مؤمنة “.

لما كانت الكفارة التي يجب فيها عتق رقبة مؤمنة (تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ )، لا تصلح فيها رقبة كافرة ، أراد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قبل أن يفتي للرجل ويقضي عليه أن يتأكد من إسلام الجارية حتى تصح الفتوى والحكم.
قال الإمام النووي رحمه الله : [في شرح هذا الحديث ما نصه : كان المراد امتحانها هل هي مؤمنة موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده …… أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت: في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان]. شرح صحيح مسلم (ج5 /ص22)

صحة شروط الدولة ….
ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ” من بدل دينه فاقتلوه “.
لما كان المرتد لا حق له في شيء إلا القتل أو الاستتابة على الخلاف المشهور.
فالخلاف دائر بين القتل ابتداء أو بعد الاستتابة.

أرادت الدولة الإسلامية قبل أن تخضع للقضاء ، امتحان هذه الفصائل هل هي مؤمنة موحدة تقر بالحاكمية لله وحده …… أو هي من عبدة الأكثرية ودين العلمانية ، فاشترطت ما اشترطت ، كما أراد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن يتأكد من إسلام الجارية فسألها.

أركان القياس :
1. الأصل (سؤال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ للجارية عن مكان الله لمعرفة إسلامها).
2. الفرع (سؤال الدولة الإسلامية للفصائل المتنازعة معها عن نظرتها للعلمانية لمعرفة إسلامها).
3. العلة (كون القضاء يختلف بحسب إسلام المسؤول ــ وهو الجارية والفصائل ــ أو كفره).
4. حكم الفرع (وجوب سؤال الخصوم في القضاء عن إسلامهم إذا ادعى أحدهم كفر خصمه).

وما اشترطته الدولة حقيقة هو من اختصاص من يتولى القضاء أو الفتوى ؛ لأن من شروط القاضي العدالة ، ومن اعترف بالمرتد وجعل له حقوقا فليس له عدالة ولا يجوز توليته ، ولكن من باب سد الذريعة تعجلت به الدولة وأصابت ….

وقد ذكرت في مقال سابق كلاما أعيده مع تعديل فيه …
قلت : قد يقول لي البعض الواجب أن توافق الدولة على المحكمة ثم إذا لم يتبين القضاة من إسلام الخصوم انسحبت …!!
أقول هذا يرده أشياء :
1. إذا جلست الدولة ثم لم يتحقق القضاة من الشروط فانسحبت ، سيقولون رفضت حكم الله لما اتضح أنها ظالمة وأن الحكم سيكون ضدها !!
2. وسيقولون أنها تريد أن تتدخل في عمل القضاة !!
3. هم لم يرضوا بتبيين موقفهم الآن حفاظا على دماء المسلمين ، فكيف سيرضون بعد إقامة المحكمة !!
4. ثم إن الدولة لا تأمن عقيدة القضاة في باب الإيمان والكفر فربما من كان كافرا عندها عده القضاة من أهل الإسلام !!

لأجل هذا وغيره اشترطت الدولة هذه الشروط سد لطريق التحايل .
فبالله ما يضيرك إن بينت اعتقادك في العلمانية والدول الطاغوتية إن كان هذا يحفظ الدماء ، ويسكن الدهماء.

رابعا : الأقيسة الفاسدة التي استدل بها أصحابها على عدم جواز هذه الشروط :

القياس الأول : قياس المحيسني .
المحيسني قال ( بل قد حكى غيرُ واحدٍ من أهلِ العلمِ الإجماعَ على وجوبِ الحكمِ إذا ترافعَ كافرٌ مع مسلم )
1. الأصل (الكافر الأصلي غير الحربي).
2. الفرع (الكافر المرتد إذا ثبت أنه يسعى لدولة علمانية).
3. العلة (لأنه معصوم الدم والعرض والمال).
4. حكم الأصل (وجوبِ الحكمِ بينه وبين المسلم).

نقول هذا القياس فاسد ، لأن العلة ليست موجودة في الفرع ، فالأصل في الشرع معصوم ، والفرع في الشرع معدوم ، والمعدوم شرعا معدوم حسا ، كما تقدم في حكم المرتد ، فبذلك يسقط استدلال المحيسني .
سَارَتْ مُشَرِّقَةً وسِرْتُ مُغَرِّباً *** شَتَّانَ بَيْنَ مُشَرِّقٍ ومُغَرِّبِ

القياس الثاني : قياس الجولاني.
فلم سقط استدلال المحيسني أتى الجولاني بدليل أبعد ، وبقياس أفسد !!
ألا وهو ما رواه الترمذي عَنْ نَافِعٍ : أَنَّ رَجُلًا عَطَسَ إِلَى جَنْبِ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : وَأَنَا أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ هَكَذَا عَلَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ عَلَّمَنَا أَنْ نَقُولَ : ( الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ).

أركان القياس :
1. الأصل (زيادة الرجل في الدعاء المأثور). 2. الفرع (شروط الدولة).
3. العلة (أن كلاهما محدث). 4. حكم الأصل (المنع).
هذا قياس فاسد أيضا ، فقد أبعد صاحبه النجعة .
نحن ننازع في (العلة) كون شروط الدولة محدثة ، بل ردة أحد الخصوم تغير كثيرا من الأحكام ، وخاصة في الدماء.

فبهذا سقط استدلالهم ، ونحن في انتظار بقية أقيستهم ، فما أتوا بقياس ، إلا وأثبتنا فساده للناس.

خامسا : لو اعتبرنا أنا الدولة تدخلت في عمل القضاة وهذا ليس من اختصاصها.
نقول اتهام الدولة لخصومها أنهم يؤمنون بالديمقراطية والعلمانية والوطنية والدول الطاغوتية هو مجرد دعوى ، ادعتها الدولة على خصومها للفرار من المحكمة ، فهذه الدعوى تحتاج أيضا أن يقضى فيها بشرع الله ، فما هو الحكم فيها يا دعاة المحاكم الشرعية.

ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( البينة على المدعي، واليمين على من أنكر ). رواه البيهقي بإسناد صحيح وأصله في الصحيحين.
قال ابن المنذر: “أجمع أهل العلم على أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه”.

فالدولة ادعت على الخصوم بالدعوى السابقة ، وطلبت منهم مجرد الإنكار ، مع أن الصحيح لو قلنا أن هذه الشروط من باب الادعاء ، فتطالب الدولة بالبينة على قولها ، وإلا ينتقل اليمين على خصومها ، وليس مجرد الإنكار ، لأنه لا يكفي حينئذ.

سادسا : سلمنا جدلا أن الدولة ليس لها أن تتدخل في عمل القضاة ، وليس لها الحق في رفع دعوى على بعض خصومها .
فالدولة الإسلامية طلبت شيئا مباحا ولم تأمركم بكفر ولا معصية كما تطلب من أخ تعلم صحة منهجه وصدقه فتقول له ما رأيك في العلمانية فما المانع من السؤال !!!

وإلا فالإنسان يفخر من تبين موقفه من أهل الباطل …
وقد يستأنس لهذا بقوله تعالى :(وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن؟؟ قال بلى ولكن ليطمئن قلبي).
فالله عز وجل سأل إبراهيم ــ عليه السلام ــ عن إيمانه وهو يعلم بصدق إيمانه.

والدولة سألت خصومها عن إيمانها ولو سلمنا أنها تعلم صدق إيمانها.
فلماذا لا يبين خصوم الدولة موقفهم من الشروط ويصرحوا بالبراءة من العلمانية والأنظمة الطاغوتية فما يضيرهم في ذلك !!
فلماذا كل هذا التلكئ والخوف من تبيين الموقف ، إلا أن يكون بعض الخصوم فعلا يؤمنون بـــ …..

سابعا : ثم لو سلمنا جدلا أن الدولة ظالمة وجائرة في شروطها التي ذكرتها.
ثم لو سلمنا جدلا أيضا ، أن الدولة أمرتكم بفعل محرم فأين باب المصالح والمفاسد الذي يتبجحون به ، والذي تركتم تبيين كثير من الحق من أجل المصلحة ( الحاضنة الشعبية ) والتي يبدوا أنها أخذتكم في حضنها ولم تأخذوها في حضنكم ..

وأين سياساتكم الشرعية ، فالدولة أمرتكم بشروط (ظالمة) لو سلمتم بها عصمتم الدماء والأموال والأعراض ، فإقراركم بها فيه جلب مصلحة عظيمة ودفع مفسدة عظيمة ، فأين العقلاء ؟؟…

قال شيخ الإسلام : «ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر، و إنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين و شر الشرين».

ويقول الإمام ابن القيم :«أساس الشريعة الإسلامية جلب كل مصلحة تنفع العباد ودرء كل مفسدة تضر بهم».
والله لقد تنازلت مع خصوم الدولة إلى أقصى حد فما وجدت لكم عذرا …
مراحل التنازل السابقة أختصرها ..
وجه اشتراط الدولة الإسلامية لما اشترطته للخضوع للقضاء الشرعي :
1. من باب عدالة القضاء فلا يقضي القاضي بين مسلم ومرتد.
2. من باب الدعوى فالدولة مدع وخصومها مدعى عليهم.
3. من باب أنها طلبت شيئا مباحا.
4. من باب أنها طلبت شيئا محرما ، فلماذا لا يخضع الخصوم من أجل جلب المصلحة ودفع المفسدة.
وكتب : أبو عبد الرحمن عبيدة الأثبجي.
اللهم وفقنا لما تحب وترضى

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s