قراءة وتحليل لخطاب الظواهري لابي معاذ الأنصاري



قراءة وتحليل لخطاب الظواهري
أولاً: دلالاتُ خطابِ الظواهري:

بدايةً أقولُ في شكلِ الخطاب:

إنَّهُ تطوُّرٌ إيجابيٌّ ملحوظ، وخطوةٌ جيِّدةٌ نحو التَّسوية الصحيحةِ لردم الخلاف بين المجاهدين، وقفزةٌ بعيدةٌ في خطاب قيادةِ تنظيم قاعدة الجهاد، وردُّ اعتبارٍ لأمير المؤمنين، نحسبُهُ الخطابَ الأقوى والأفضلَ في تاريخ الجهاد الشَّامي.
هذا الودُّ من الحكيم نحسبُهُ للحفاظِ على ما تبقَّى من ماء وجه التنظيم، الذي أراقَهُ الحكيمُ بعد الإساءة للدولة ولقياداتِها في خطابِهِ السَّابق.
وهو خطابٌ ودِّيٌّ “مشروطٌ” بنزولِ الدولة على مطالبِ ورغباتِ قيادةِ التنظيم؛ ليكون أميرها حفيدًا للحسين، وإلا فحفيدُ ابنِ ملجمٍ وذي الخويصرة !.
وهو خوفٌ من انقلابِ فروعِ القاعدة على قيادةِ التنظيم، وانفلاتِ زمامِ الأمور من يديْه؛ خاصةً في جزيرة العرب والصومال؛ اللَّتيْنِ ظهرَ من قياداتهِما نوعُ تبرُّمٍ وتسخُّطٍ بعد خطاب التغيُّر الملحوظ لقيادةِ التنظيم، تجاه الدولة وقياداتها.
وهو صفعةٌ في وجه كلِّ مَنْ رمى منهجَ الدولة بالخارجيِّة، ووصَفَ قياداتها بكلاب أهل النار من طواطم وعجول الجهاد.
وهو امتحانٌ لجبهةِ الجولاني؛ لمعرفة مدى سمعِهم وطاعتِهم لأميرِهم، واستجابتِهم لأمرِه في إيقافِ التعدِّي والعُدوان، والتَّحالفات المشبوهةِ مع الأرذالِ ضدَّ الدولة.
وهو صرْفٌ للرأيِّ الجهادي العام عن طوامِّ جبهة الجولاني وانحرافِها عقديًّا وتنظيميًّا، إلى إشغالِهِ بأمورِ البيعةِ وإحداثياتِها وملابساتِها التاريخية.
وهو تكذيبٌ للكذَّاب الشَّامي الذي باهَلَ العدناني على دعوى اتفاق الطرفين بالظوهري حَكَمًا وفاصلًا؛ فأكذَبَهُ الظواهري في ذلك، وزعم أنَّهُ أمرُ أميرٍ لا فصْلُ قاض.
وهو إحراجٌ وامتحانٌ وفضحٌ لدعاة الفتنةِ والوزغ؛ كأمثالِ هذا الجويهل (الهراري) –الشرعي العام لجبهة الجولاني- الذي يرفُضُ كلَّ أشكال الصُّلح والتقارب.    

ثانيًا: مناقشةُ خطابِ الظواهري:      

ما تقدم هو بعضُ الإيحاءات والدلالات من خطاب الظواهري الأخير، أما المناقشة:
فخطابٌ مليءٌ بالتناقضات؛ فمن حفيدٍ لابن ملجمٍ الخارجيِّ المجرم إلى حفيدٍ للحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومن قسوةٍ في الخطاب وشِدَّةٍ في الكلام إلى لينٍ وتوقيرٍ واحترام، ومن دعوةٍ لتشكيل رأيٍّ عامٍّ ضِدَّ الدولة إلى استجداءٍ لرضاها – وهو أمرٌ حسنٌ نؤيده بشدَّة ونباركُ للحكيم تراجعَهُ وتحسينَهُ للموقف-، ومن تنكّرٍ لوجود مقوِّماتِ الدولة في الشام واعترافِهِ بها في العراق مع ردِّهِ المشهور على المعارضين: بأنَّ دولةَ اﻹسلام لو كانت تسيطرُ على كيلو مترٍ واحد من ترابٍ فهي دولة !فكيف وهي تسيطرُ على مساحةٍ تزيدُ على مساحةِ سبع دولٍ عربية مجتمعة؟!، ثم من نهيٍ عن تنابزٍ بالألقابِ ورميٍ بالألفاظِ وهو يصفُ أمير المؤمنين بحفيد ابن ملجم!، ونسألُ الله أن يكون قد تاب –وحسُنت توبتُه- من خطابه السابق.
غالبُ استدلالات الظواهري في إثبات تبعيّةِ الدولةِ لقيادة التنظيم هو الاحتجاج برسائل لا يُعلَم عن تاريخِها، ولا عن مواضيعِها، وبألفاظ محتملة الدلالة؛ كألفاظ: (أميرنا، مشايخنا، قياداتنا..) في خطابات الدولة لقيادة التنظيم، وهي ألفاظٌ لا تغني عن لفظةِ البيعةِ الصريحة؛ إذ غاية ما فيها أنها –كما ذكر قادة الدولة- ألفاظٌ تُستَخدَم مع قيادات التنظيم من باب التوقير والتَّعظيم؛ لسبقِهِم وجهادهِم وهجرتِهِم؛ ولإغاظة أعداء الجهاد، ولا يريدون بها المصطلح الشرعي المتعارف عليه بين المجاهدين.
أمرُ بيعةِ أمير المؤمنين للظواهري يحسمُها هو بنفسه: إمَّا مصدِّقًا دعوى الظواهري؛ فيُطالَبُ بالدليل الشَّرعي على كتمانِهِ أمرَ البيعةِ أولاً، وبيانِ وصفِ نوع البيعةِ ثانيًا، ورفضِهِ أمرَ أميره ثالثًا، مع علمنا بعدم وجودِ بيعةٍ عامة في عُنُقِ أمير المؤمنين لقيادة التنظيم في خراسان- وإما مكذِّبًا؛ فيُطالبُ بالترجيح بين الطرفين وفق أصول الفُتيا والقضاء.
الدولةُ في الشام إذ لم تخطرْ قيادة التنظيم بإعلان الدولة؛ فقد سبق لها ذلك في العراق، فلم تخطر قيادة التنظيم في خراسان وقتها، فكيف تعاملت قيادة القاعدة مع الموقف؟ تفهّم الشيخُ أسامة الموقف، واحتوى الخلاف، وقَبِلَ بالدولة؛ مؤثرًا وحدة الصف وجمع الكلمة على هوى النَّفس ورغباتِها، فما كان على الظواهري لو أنَّهُ حَذَا حذْوَ أسامة؛ فطَلَبَ من الجنديِّ أن يرجع لأميره؛ لأجل الوحدة والتماسك وعدم التشرذم؟!
لا يزال إصرار الظوهريِّ على رجوع الدولة للعراق؛ الأمر الذي لا يمكنُنا تفهمُّهُ شرعًا ولا عقلًا ولا واقعًا، وهو الأمرُ الذي يوافقُهُ عليه طواغيتُ آلِ سلول وآلِ نُباح، وأحبارُهُم ورهبانُهُم، وجميعُ التيارات والمذاهب المنحرفة، والحالُ أنَّ حاجةَ الشام للدولة أكثر وأعظم من حاجةِ العراق لها؛ خاصةً بعد بيعِ كتائب الخيانةِ غالب المدن للنُّصيرية، وعقْدِ البعض الآخر هُدنًا وعلاقاتٍ مع النظام النصيري؛ ناهيك عن المدِّ السُّروري الذي اجتاح كتائب الإسلاميين؛ فاستحالتْ تلك الكتائب تُدارُ من الرياض والكويت والدوحة، وجبهةُ الجولاني – بفضل سياسة الهراري- لها حظٌّ كبير من ذلك.
الخطورة السياسية “الكارثية” من إعلان الدولة التي تحدث عنها الظواهري، حصلت في العراق ولم يحدث أيٌّ من الكوارث الموهومة، بل نتج عن الإعلان إعزارٌ للجهاد وتقدمٌ للمجاهدين، وتفويتُ الفرصة على العلمانيين والمنتفعين، وقد أكَّد هذا الذي قلناه الشيخ أبو يحيى الليبي؛ مع أن هذه الكارثة الموهومة كانت حاصلة في إعلان جبهة النصرة بيعتها للقاعدة، وأنت خبيرٌ بأنَّ المجتمع الدولي الصَّليبي لا يفرق بين دولةٍ وقاعدة، ولا يفوته الأسماء والألقاب، لكنَّ الأمر كما قال البغدادي: إنَّ بيعة الخائن كانت لترقيع انشقاقه، واستمداد الشرعية لخيانته من قيادة القاعدة.
دعواه أنَّ إعلانَ الدولةِ الإسلاميةِ في العراقِ والشامِ، فجَّر خلافًا حادًّا داخلَ الجماعةِ الواحدةِ وصل للاقتتالِ، مغالطةٌ مكشوفة؛ فالذي فجَّر هذا الخلاف هو إقرارُكَ انشقاقَ الجندي عن أميره، وإيواؤُهُ، ومباركتُه، والقَبولُ بشقِّ عصا الجماعة الواحدة، وإلى الله المشتكى.
8.   إخطارُ أمير المؤمنين للظواهري من عواقب إقرار الخائن الجولاني، ورسالتُهُ إليه بأن لا يجاملُهُ ، ولا يوافقُهُ، ولا يؤيِّدُهُ = رسالةٌ غايةٌ في التأكيد على رغبةِ تماسكِّ الصفِّ ووحدةِ الجماعة؛ لكنَّ الحكيم –عفا الله عنه- ضَرَبَ بذلك عرْضَ الحائط وقَبِلَ بيعةَ الخائن؛ مع علمه بنتائجِ هذا الأمر، ويا ليت شعري: هل هناك مفسدة أعظم من مفسدة تفرّق الجماعةِ الواحدة، وسفْكِ الدماء المعصومة؛ حتى يعارض الظواهري رسالة البغدادي، ويؤوي الخائن، ويبارك انشقاقه؟! على الأقل كان يلزم الظواهري أن يعيد الجولاني لإمرة البغدادي، وتبقى قنوات الاتصال مفتوحة مع البغدادي.


كتبه أخوكم:
أبو معاذ الأنصاري
3/رجب/1435

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s