الرد على بيان المقدسي وكتبه: أبو معاذ الأنصاري


Popular notes

الرد على بيان المقدسي

أولاً: خلاصةُ بيان المقدسي:
1. دعوى رفض الصلح والتحكيم.. (لانحرافاته وبغيه وامتناعه عن حكم الله).
2. دعوى الغلو .. (وأن الغلو قد نخر في صفوف بعض أفرادهم بل وشرعييهم، واعترف بعضهم علنًا أن في صفوفهم خوارج).
3. دعوى سفك الدم الحرام.. (وتعلمون أن تنظيم الدولة قد سفك الدماء المحرمة؛ وهذا موثق).
4. دعوى الخروج على مشايخ الجهاد ونقض بيعتهم..(ورفض الانصياع لقادة المجاهدين ومشايخهم ومبادراتهم ونصائحهم؛ وهذا مشهور معلوم وموثق أيضًا).
قلت: وهذه شنشنة ودعاوى جميع خصوم الدولة، يستوي في بعضها: كافرهم ومسلمهم، العلماني والإسلامي، الجهادي –زعمًا- والجامي والسروري .. وهي دعاوى عريضة لم يأتِ خصوم الدولة على إثباتِها إثباتًا شرعيًا؛ تقوم به الحجة، وتبرأ به الذمة بأثارةٍ من علم؛ اللهم إلا الظنون والشُّبه والتخرَّصات.
فأما دعوى رفض الصلح والتحكيم: فالدولةلم ترفض أصل التحكيم، بل رفضت صورًا معينة للتحكيم لا تثريب عليها في ذلك، كما رفضت بعض المحكِّمين؛ لاعتبارات شرعية وواقعية معروفة، وهذا حقٌّ للدولة تكفله لها الشريعة، وسيأتي معنا في مناقشة البيان: أن التحكيم يُشترط فيه رضا الطرفين بِالحَكَم خلافًا للقضاء، ورفضُ حَكَمٍ بعينه أو صورةٍ للحُكْم بعينِها: ليس رفضًا لأصل التحاكم للشريعة، فتأمل.
وأما دعوى الغلو: فالمعوَّل على المنهج العام للدولة، وعلى بياناتِها الرسمية، وناطقها الرسمي، وأصولها المعتمدة في مسمى الإيمان والكفر، وعلى جمهور شرعييها وجنودها.. وأما الأفراد؛ فلا تملك جماعةٌ ضبطَ عقائدهم وتصوراتهم أو امتحانهم في عقائدهم، وهذه بلوى عامة في جميع الطوائف والجماعات والملل والنحل على مر التاريخ الإسلامي.
وقد كان في صفوف علي رضي الله عنه خوارج، وفي صفوف ابن الزبير وغيرهم، ولم يؤثر ذلك على المنهج العام لعلي أو ابن الزبير، ولم يعيِّرهم أحد بذلك أو يرميهم بالانحراف والغلو !
على أننا ننازعُ الشرعي الذي زعم وجود بعض الخوارج – هكذا بإطلاق- في صفوف الدولة أو شرعييها؛ إذ من المعلوم أنه لا يُرمى الرجل بالخارجية إلا إذا تبنّى جميع أصولهم، ولا يوجد في صفوف الدولة مَن يتبنّى ذلك؛ إذ غاية ما هنالك: وجود بعض صور الغلو في بعض مسائل التكفير؛ نتيجة التأثُّر ببعض الأطروحات المعاصرة لمذهب أئمة الدعوة: في حكم تكفير العاذِر بالجهل في الشرك الأكبر، مِن غير تحرير أو دراسة كافية.
وإذا كان يوجد في صفوف الدولة بعض أهل الغلو في التكفير؛ فيوجد في صفوف النُّصرة التي تدعو جنود الدولة لمبايعتِها، ناهيك عن جبهة الضرار السلولية؛ غلاةٌ في الإرجاء والتجهُّم، وفيهم شبيحةٌ ولصوصٌ وقُطّاعُ الطرق والمرتزقة .. وسائر الأراذل والساقطين، وهذا أمرٌ مشتهرٌ في الشرقية وغيرها.
إلا أن الفرق بين الدولة وغيرها: هو أن الدولة تقاوم هذا الفكر المنحرف في صفوفها، وتتصدى له، وتزجر من يقول به، وتستتيبه؛ ثم تطرده من صفوفها إن لم يتب، أما القوم؛ فيجمعون حولهم المزيد من أهل الإرجاء والتجهُّم وعصابات الشبيحة واللصوص.. ومَن له أدنى اطلاع على أخبار جبهة الشرقية ومافيا الشحيل: لا يشك بما نقول.
وأما دعوى سفك الدم الحرام: فإنَّ أكثر مَن سُفِك دمُهُ ظلمًا وبغير حقِّ؛ هم جنود الدولة، وقد قُتل ما يقارب 400 جندي من جنود الدولة، من مهاجرين وأنصار في يومٍ واحدِ فقط، على يد صحوات الردة والعمالة غدرًا وغيلة، وبتغطية كاملة مِن هيئة إبليس وائتلاف الجربا، وأُلقي بهم في الآبار بعد التمثيل بجثثهم، واغتُصبت نساؤهم وأعراضُهُم وأموالهم، وطُردوا من مقارِّهِم في إدلب وحلب ودير الزور وغيرها من المناطق، وبالتحالف مع جبهة الضرار وجبهة الخائن الغادر؛ ناهيك عن حالات الإعدامات الميدانية السرية والعلنية للأسرى: على يد الصحوات وجبهتي الضرار والخائن..
وعليه؛ فمن حقِّ الدولة أن تردَّ صِيال هؤلاء الصحوات عن نفسها، وأن تقتصَّ من المجرمين القَتَلة ومَن والاهم وحالفهم وتواطؤ معهم .. وهذا هو الشرعُ الحنيف.
وأما دعوى الخروج على مشايخ الجهاد ونقض بيعتهم.. فمع الاحترام والتقدير لمشايخ الجهاد، إلا أن المرجع والفصل في النزاع والخصومة: للشرع وليس لهم، وفهم الشرع والاحتكام إليه: ليس متوقفًا عليهم، وليس من ديننا أو منهجنا التوقُّف في العمل بالنصوص على فهم المشايخ والعلماء كما هو شأن المقلدين من الرافضة والصوفية والمتمذهبين. قال الشيخ أبو مصعب الزرقاوي -تقبله الله- في رده على المقدسي: (فلسنا -بحمد الله- رافضة؛ حتى نَصُمَّ آذاننا، ونعميَ أبصارنا، ونتبعَ مرجعيتنا على غير هدى وبصيرة، وهل هذه الفتوى؛ ولا سيما في هذا الوقت الذي غدا انكسار الجيش الأمريكي واضحا للعيان؛ إلا وسيلة لإنقاذ بوش ومرتزقته، شعرنا أم لم نشعر، قصدنا أو لم نقصد؟).اهـ
ومشايخ الجهاد الذين تجرِّم الخروج عليهم: يُلزِمون الدولة بما لم يلزمهم به الشرع؛ تارةً بفرض الرضا بقبول نقض بيعة الخائن الغادر، وأخرى بطلب إخراجِها من الشام.. ويطلقون عليها أوصاف البدعة والخارجية والغلو، وينعتون أمراءَها وجنودها بكلاب أهل النار .. ومَن كان هذا حالُهُ ووصفُهُ: فكيف تطلب من الدولة الانصياع لهم أو السماع منهم ؟!، وما الفرق بينهم وبين خصوم الدولة من أهل التجهُّم والإرجاء؟!
وأما بيعة الظواهري؛ فقد حسم الشيخ العدناني الأمر، وذكر أنه لا بيعة في عنق أمير المؤمنين للدولة، والبيعةُ عقدٌ بين طرفين تحكمُهُا صيغةٌ تضبطُ أصلَ العلاقة بين المُبايِع والمُبايَع له، وهي من ضروريات العقد، وقد أجهد الظواهري نفسه لإثباتها وعجز عن ذلك، وتمسَّك ببعض العبارات المتشابهة المحتملة التي لا تقاوم الصيغة الصريحة لبيعة التنظيم في العراق للدولة؛ فلا حاجة لكثرة البلبلة والعدول عن الأزمة الحقيقية معه ومع منهجه الجديد لبيعةٍ موهومة ..
ثم ها هي جبهةُ الخائن الغادر؛ لم تسمع للظواهري في إيقاف عدوانها ضد الدولة، ورفضت أمره وتمردَّت عليه، وشكَّلت مجلس صحوات في الشرقية ضمنت أبرز الفصائل المناوئة للدولة، وبينهم جماعات تابعة لهيئة إبليس التي كفّرها الجولاني نفسه؛ فأيهما أعظم وزرًا وحرمةً؛ الخروج على رأي قادة الجهاد، أم تولَّي المرتدين ؟!
ثانيًا: أسلوب التعالي في خطابات المقدسي ومسؤول منبره في رسائلهم للإخوة:
1. التكلم بصفة الوصي الشرعي على الجهاد ..
المتأمل في رسائل المقدسي ومريده للإخوة: يجد أنه يقدِّم نفسه على أنه الوصي الشرعي على الجهاد، أو أنه نبيُّ هذه الفريضة؛ وكأننا نعيش منهج الرافضة في ترسيخ عقيدة ولاية الفقيه، أو أجواء النصارى الكهنوتية، أو اعتقادات الصوفية في مشايخهم والرافضة في أئمتهم..!
يقول في بيانه: (فهذا البيان هو بمثابة سحب الغطاء الشرعي عن هذا التنظيم..).اهـ، وقال عن (مولانا) أمير المؤمنين: (وحذرته أن عدم قبولهم للمبادرة سيؤدي إلى نزع شرعيتهم والإفتاء بذلك).اهـ، وقال مريدُهُ: (وأحسب أن شيخنا المقدسي سيعمل على نزع الشرعية..) وهكذا .. سحب الشرعية، والغطاء الشرعي.. وعبارات مَن يحسب نفسه الوصي على الجهاد والمجاهدين، ومَن لا تحل مخالفته!
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وليس لأحد أن ينصب للعامة شخصًا يدعو إلى طريقته، ويوالي ويعادي عليها: غير النبي صلى الله عليه وسلم، ولا ينصب لهم كلامًا يوالي ويعادي غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا مِن فعل أهل البدع؛ الذين ينصبون لهم شخصًا أو كلامًا يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك النسبة و يعادون).اهـ [الفتاوى 20 / 164].
2. استخدام لغة التجهيل والتسخيف والتعالي..
قال في بيانه: (وهي مبررات تثبت وتؤكد سطحيتهم وضحالة تفكيرهم وتهلهل فقههم..)
وقال مريدُهُ في رسالته لأخينا الشرعي: (وما أظن أن مثله يلتفت لتشغيب أعلام فضلًا أن يلتفت لتشغيب مجاهيل جهال)، قلت: ونسي المريد أن يضيف بعد ذكر اسم شيخه: قدَّس الله سرَّه الشريف!
وقال المقدسي في وصف بعض تلاميذه، في معرض تهكِّمه بشرعيي الدولة: (قضى أكثر عمره مناوئًا للطواغيت، يوم أن كان أكثر شرعييهم في مرحلة الحبو، وهو من أبرز طلابي المحايدين في الخارج).اهـ، وغيرها من العبارات المستفزِّة التي تحملُ نَفَسَ الإنسان المتكبِّر المتعجرف المتعالي المنافي لِخُلُقِ المسلم، فضلاً عن العالِم فضلاً عن المصلِح !
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (الكبر ينافي حقيقة العبوديَّة، كما ثبت في الصَّحيح: عن النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: ((يقول الله: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذَّبته)). فالعظمة والكبرياء: من خصائص الرُّبوبيَّة، والكبرياء أعلى من العظمة؛ ولهذا جعلها بمنزلة الرِّداء، كما جعل العظمة بمنزلة الإزار).اهـ [العبودية ص99].
وقال الحسن رحمه الله: (إن الرجل ليجلس مع القوم؛ فيرون أنَّ به عيًّا وما به من عيٍّ، إنه لفقيهٌ مسلم).اهـ [رواه أبو خيثمة في كتاب العلم ص 20].
ثالثًا: مناقشة البيان:
قال المقدسي: (وتعلمون أن تسلط أمثال هؤلاء على المسلمين في سوريا، وتصدر صوتهم العالي وتكلمهم باسم الجهاد والمجاهدين، وارتداءهم لرداء الدولة الإسلامية واستعمالهم مصطلحاتها قد شوه ويشوه الجهاد والمجاهدين والدولة الإسلامية المنشودة، كما أنه سيصنع تحالفًا من الشعوب ضد عموم المجاهدين وسينتج الصحوات..).
قلت: لم يشوِّه الجهاد والمجاهدين إلا مَن دعوتَ إلى بيعتهم، ومَن حالفوهم ووالوهم .. فأيُّ تشويهٍ أعظم من أن تتحالف قاعدةُ الجهاد مع المرتدين والضالين ومع مَن تكفِّرُهُم؟، وأيُّ تشويهٍ أعظم من أن تشترك قاعدة الجهاد مع المجالس العسكرية العلمانية؛ بإنشاء محاكم شرعية تحمي اللصوص وتعطِّلُ الحدود؟!، وأيُّ تشويهٍ للجهاد أن يتسلّط على الشرعية العامة لقاعدة الجهاد مثل الهراري الجويهل الفتَّان، ذلك الأحمق المطاع الذي لا يحسن تركيب جملة مفيدة واحدة خالية من اللحن والأخطاء؟!، وأيُّ تشويهٍ للجهاد أن تدعم قاعدة الجهاد أحزابُ السرورية والجامية ودعاةُ الأحزاب الديمقراطية، وتثني عليها وتزكِّي منهجها وتفتي بالانضمام إليها كما تفتي أنت يا فضيلة الشيخ؟!، وأيُّ تشويهٍ للجهاد أن تتحالف قاعدة الجهاد مع جماعاتٍ لها ارتباطٌ يقينيٌ بمخابرات آل سعود وقطر بل ودول غربية، وقد صرَّحوا في ميثاق شرفهم بالترحيب بذلك ونصَّوا عليه ؟!، وأيُّ تشويهٍ للجهاد أن تعقد قاعدة الجهاد صفقات مع تجّار الدخان والتهريب في الشرقية، وتسمح لهم بمزاولة التهريب وبيع الدخان صراحةً؟!، وأيُّ تشويهٍ للجهاد أن تجمع قاعدة الجهاد حولها أسقط الجماعات منهجًا وخُلقًا وسلوكًا وتاريخًا ..؟!
والقائمة تطول، والحديث في ذلك ذو شجون ..!
قال المقدسي: (فنحن نعلن هنا أن تنظيم الدولة في العراق والشام؛ تنظيم منحرف عن جادة الحق، باغ على المجاهدين، ينحو إلى الغلو، وقد تورط في سفك دماء المعصومين، ومصادرة أموالهم وغنائمهم ومناطقهم التي حرروها من النظام، وقد تسبب في تشويه الجهاد، وشرذمة المجاهدين، وتحويل البندقية من صدور المرتدين والمحاربين إلى صدور المجاهدين والمسلمين .. إلى غير ذلك من انحرافاته الموثقة).
قلت: أما دعوى الانحراف؛ فبيننا وبينك الدليل الشرعي والنقل القطعي؛ فهات ما تنكره على الدولة من أصول الدين التي انحرفت عنه عن جادة الحق ومنهج القادة الأوائل؟ وإلا فما أسهل الدعوى!
وقد حاولتَ أن تبرِّر انحراف خطاب الظواهري المخالف لأبجديات خطاب القاعدة: بشتى التبريرات والتأويل السمجة؛ في الوقت الذي تجازف بدعوى انحراف الدولة بالظن والشبهة وشهادات الخصوم!
ودعوى الغلو في التكفير: دعوى ساقطة لم يتخلّص منها مجاهدٌ في سبيل الله؛ بما فيهم أنت وتلاميذك ومنهجك الذي تدعو إليه.. وما من مجاهدٍ في تنظيم قاعدة الجهاد قديمًا وحديثًا – حاشا تنظيم الشام المُخترق سروريًا- إلا ورُمي بالخارجية والغلو في التكفير؛ فلم تأتِ بشيءٍ جديد سوى استغلال المخالفين والمتسلقين لصوتك، وشرعنة تهمة الغلو من داخل البيت الجهادي.
وأما دعوى البغي على المجاهدين؛ فبعد إخراج جماعة المرتد جمال معروف وعصابات عفش وحياني من صفوف المجاهدين؛ لم تقدِّم بيِّنة واحدة على التمييز بين الباغي ومَن بُغي عليه من طرفي الخصومة، ولا بين مَن بدأ ومَن دافع عن نفسه، وأنَّى لأسيرٍ مثلك أن يحيط بتفاصيل ذلك إلا من المناوئين للدولة: الذين تسمح لهم مخابرات الطاغوت بالاتصال بك وتضليلك وتزويدك بالمغالطات والافتراءات!، ورحم الله امرِئًا عرف قدر نفسه فوقف عنده.
وأما بقية التهم: فقد تقدمت الإجابة عليها، بقي قوله: (وتحويل البندقية من صدور المرتدين والمحاربين إلى صدور المجاهدين والمسلمين)، قلت: بل العكس هو الصحيح يا فضيلة الشيخ؛ فكلما أرادات الدولة التفرَّغ للنصيرية: طعن مَن تسميهم بالمجاهدين في ظهرها؛ حتى اضطر أمير المؤمنين أن يتقدم بمبادرة (كفوا عنا نكف عنكم لنتفرغ لقتال النصيرية)، فما رفع القوم بها رأسًا .. ولو كنتَ متابعًا للأخبار ومحيطًا بتفاصيل الخلاف؛ لعلمت مَن أشغل مَن عن قتال النصيرية!
– أليس عندما فتحت الدولةُ جبهة الساحل، وكانت قاب قوسين أو أدنى من القرداحة: قام لواء أحفاد الرسول بفتح جبهة مع الدولة في الرقة!، واعترف بعدها صدام الجمل بالمؤامرة التي كانت تُحاك للدولة من هيئة أركان إبليس؟!
– أليس عندما فتحت الدولة جبهة ريف حماة، وحررت القرى وما يعرف بدرع النصيرية: قام لواء عاصفة الشمال بفتح جبهة مع الدولة في ريف حلب، وإشغالها عن قتال النُّصيرية؟!
– أليس عندما توجهت الدولة بقيادة أبي عمر الشيشاني إلى ولاية الخير؛ لتحريرها بالكامل، بجيشٍ قوامه ألف جندي: قامت عصابات جمال معروف -الذي شاركت معه رسميًّا جبهة الخائن؛ عندما مرّرت له السلاح عبر حواجز أطمة؛ مما أعقبه انشقاق أبو محمد الأمريكي -ثبته الله- بعد معاينة خيانته للمجاهدين-: قامت عصابات معروف وعفش وحياني والحر وبمساندة الجبهة السرورية؛ بفتح جبهة في إدلب وحلب مع الدولة هناك، وقتلوا وأسروا واغتصبوا نساء المهاجرين وانتهكوا أعراضهن؟!، ولا حول ولا قوة إلا بالله!
قال المقدسي: (وندعو أفراد تنظيم الدولة إلى تركها والانحياز إلى جبهة النصرة ومبايعة قاداتها..).
قلت: وهي دعوى باطلة ومنكرٌ من القول وزور، وليس عليها أثارةٌ من علمٍ أو تقوى أو دعوى إلى الإصلاح والاجتماع؛ بل إلى مزيد من التشرذم والاختلاف والشقاق..
ونقض العهد كبيرة من كبائر الذنوب، قال الإمام الذهبي: (الكبيرة الخامسة والأربعون: الغدر وعدم الوفاء بالعهد) [الكبائر 168] . وقال ابن حجر الهيتمي: (عَدُّ هذا من الكبائر هو ما وقع في كلام غير واحد). [الزواجر 1/182]. وقد أمر الله المؤمنين بالوفاء بالعهود، وحرمَّ عليهم نقضها فقال: {وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً}، [الإسراء: 34]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ}، [المائدة: 1]. ونقض العهد ليس من خُلق المؤمنين الصالحين، بل هو من صفات الفاسقين والمنافقين؛ قال الله تعالى: {وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}، [الأعراف:102]. وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم من ذلك أشد التحذير؛ فقال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خلة منهن: كانت فيه خلة من نفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر). متفق عليه. بل عَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مَن كان متصفًا بهذه الصفة الذميمة: ممن ذهبت مروءتهم ودينهم؛ فقال: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له). رواه أحمد. وتوجد الكثير من الأدلة في الكتاب والسنة؛ التي تأمر بوجوب الوفاء بالعهد وتحرم نقضه، قال ابن عطية: (وكل عهد جائز بين المسلمين فنقضه لا يحلُّ)، [المحرر الوجيز1/113].
فكيف تدعو جنود الدولة لنقض بيعة أميرهم، مِن غير أن يتلبَّس بكفرٍ بواحٍ، عندهم فيه من الله برهان؟!
وكيف تدعوهم إلى خلع بيعة أميرهم ومبايعة جنديه الخائن الغادر، الذي خان أميره ونقض عهده، وبايع الظواهري؛ ليستخدمه في تمرير مشروعه الانشقاقي؟!
بل كيف تدعوهم إلى مبايعة مَن يتحالف مع هيئة أركان إبليس وجماعات السرورية والجامية وفصائل المخابرات السعودية القطرية؟!
إن كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ ** أو كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظم
قال المقدسي موجهًا رسالة للمواقع الجهادية: (وأن يمتنعوا عن نشر إصدارات تنظيم الدولة وخطاباتها وكتاباتها).
قلت: فليكتفوا بنشر إصدارات صفقات بيع المدن، والانسحابات التكتيكية، وعقد الهدن مع النصيرية والرافضة والبي كي كي ..!
قال المقدسي: (فهذا البيان هو بمثابة سحب الغطاء الشرعي عن هذا التنظيم).
قلت: وهل قامت الدولة بإذنٍ منك، أو استمدَّت شرعيتها منك، أو خرجت في سبيلك، أو قاتلت من أجلك؛ حتى تسحب الشرعية عنها؟، وهل أُريقت دماء ما يقارب 10 آلاف شهيد حتى قامت هذه الدولة وحكَّمت الشريعة؛ لتأتي في نهاية المطاف وتحلّها وتسحب الشرعية عنها؟!!.
قال الشيخ أبو مصعب الزرقاوي تقبله الله في رده على المقدسي: (هذا مع حزني وأسفي أن تصدر مثل هذه المقالة من أبي محمد، الذي من أصول دعوته تعبيد الناس إلى الله؛ لا إلى ذواتهم وأشخاصهم… (مشيختي، وظلي، واستفادوا من اسمي …) والله المستعان)، اهـ.
رابعًا: مناقشة الملحقات:
قال المقدسي: (ما كان هذا منهج أبي مصعب وما كان هذا هديه).
قلت: ليته سلم منك ومن انتقاداتِك وأراجيفك وخذلانك؟!، ولا تزال كلمات الشيخ الشهيد التي ردّ بها عليك تذرف لها الدموع وتقطع لها القلوب.. وهذه بعض كلمات الشيخ أذكِّرك بها؛ لعلَّك تتذكَّر بعض ما أحدثته من جرحٍ في قلبه:
قال رحمه الله: (وكان مما يؤنس وحشتنا في دربنا، ويخفف عنا غربتنا في طريقنا، أن منتقدينا هم من أولي المناهج الفاسدة، والمذاهب الباطلة…
إنَّه سهم جديد مُصَوَّب إلى نحورهم، ولكنه هذه المرة ليس من كنانة من وصفتُ حالهم من قَبْلُ، بل هو من رجل محسوب على هذا المنهج، ومن أهل العلم، ذلكم كان مقالاً للشيخ أبي محمد المقدسي حفظه الله بعنوان: (الزرقاوي آمال وآلام، مناصرة ومناصحة).
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة *** على المرء من وقع الحسام المهند ).اهـ.
وقال رحمه الله: (وإن أنسى، فلا أنسى بكاء الشيخ أبي أنس -رحمه الله- عندما رأى الحزن باديًا على قسمات وجهي بعد قراءتي لهذه المناصحة؛ لما فيها من تجنٍّ، وعدم تثبت، وقلب للحقائق!
فواساني وقال: يا فلان، إن الله يدافع عن الذين آمنوا).اهـ.
وقال رحمه الله: (ولا أبيح سرًّا إن قلت: إني كنت أظن أن الأمر لا يعدو أن يكون كبوة من فارس، يوشك أن يقوم منها، وأن المسألة ستقف عند هذا الحد؛ لكن الشيخ المقدسي حفظه الله شفعها بـ(وقفات مع ثمرات الجهاد)، ثم أَكَّد ذلك كُلَّه في مقابلته مع (قناة الجزيرة)، مع تصريحه بأنه يتكلم بمحض إرادته، وليس ثَمَّ مَن يجبره على مقاله).اهـ.
وقال رحمه الله: (وكل مَن يعرف العبد الفقير، ويعرف الشيخ داخل السجن وخارجه، يعلم علم اليقين أنني كنت أخالفه في كثير من المسائل، وخصوصًا المسائل المتعلقة بالجهاد والعمل الجماعي، وعندما خرجت من السجن، وقررت أن أذهب إلى أرض الجهاد: لم أستشر أبا محمد حفظه الله؛ بل كنت أرى طريقة أخرى لنصرة هذا الدين؛ تختلف عن الطريقة التي يراها الشيخ المقدسي حفظه الله).اهـ.
وقال رحمه الله: (ذكر الشيخُ حفظه الله في لقائه أنه لا يُحَبِّذُ ذهاب الشباب المجاهد إلى العراق؛ لأنها ستكون محرقة لهم، على حدِّ وصفه. وهذه والله المصيبة الكبرى، أيعقل أن تصدر مثل هذه الفتوى عن مثل أبي محمد؟!
عن أي محرقة تتكلم أيها الشيخ الفاضل؟

إن المحرقة كل المحرقة في الإعراض عن تنفيذ حكم الله سبحانه وتعالى في النفير إلى ساحات الجهاد، قال تعالى: {انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41].
إن المحرقة في التنكب عن القيام بما أجمعت عليه الأمة من وجوب نصرة المسلمين المستضعفين؛ الذين صال عليهم عدوهم، فاستباح ديارهم، وانتهك أعراضهم، قال تعالى: {وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْر} [الأنفال:72].
إن المحرقة في التقاعس عن استنقاذ أسرى المسلمين من أبي غريب وغوانتنامو وغيرها.
إن المحرقة في التخاذل عن تحرير أخواتنا العفيفات الطاهرات، اللاتي ينتهك عرضهن صباح مساء على أيدي الصليبين والروافض الحاقدين، على مرأى ومسمع من العالم…).اهـ.
وقال رحمه الله: (وأحب أن أبشرك يا أبا محمد؛ بأن عباد الصليب، والعلمانيين، والروافض، والحزب الإسلامي، والجهمية والمرجئة في العراق، يقومون بتوزيع هذه المناصرة على الناس؛ حتى يصدوهم عن اللحوق بركب المجاهدين).اهـ إلخ ما قال رحمه الله وتقبل منه.
قال المقدسي: (وقبل أن أشرع في مشروع التحكيم هذا، نظرت إلى مبادرات التحكيم التي مضت، فوجدت أن الدولة لم يلتفتوا إلى مبادرة الشيخ يوسف الأحمد مجرد التفات، ووجدت رفضهم لأوامر أميرهم الشيخ الدكتور أيمن الظواهري في وجوب إنشاء محكمة مستقلة.. ثم كانت مبادرة المحيسني، فرأيت استجابة الفصائل ونكول الدولة..)
قلت: لا يخفى على الشيخ وغيرِهِ أنه يُشترط لقبول التحكيم رضا الخصمين بالمحكِّم؛ إذ بِهما يستمدُّ الحَكَمُ سلطتَهُ والحُكْمُ إلزامَه؛ وذلك خلافًا للقضاء الذي لا يُشترط فيه هذا الشرط، وهذه إحدى وجوه الفروق بين التحكيم والقضاء، ومثلُ التحكيمِ الصُّلح؛ إذ يُشترط فيه الرضا إضافةَ إلى إحاطة المُصلِح بتفاصيل الخلاف وواقعه، والأمن من عدم انحيازه لطرفٍ دون آخر، وكلُّ ذلك؛ لضمان سلامة التحكيم من الجور والحيف، وهذا حقٌّ كفله الشرع لطرفي الخصومة. وهو متفقٌ عليه.
قال ابن القيّم: (الصّلح نوعان:
أ – صلح عادل جائز، وهو ما كان مبناه رضا اللّه سبحانه ورضا الخصمين، وأساسه العلم والعدل، فيكون المصالح عالماً بالوقائع، عارفاً بالواجب، قاصداً للعدل كما قال سبحانه: {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ}.
ب – وصلح جائر مردود: وهو الّذي يحلّ الحرام أو يحرّم الحلال، كالصّلح الّذي يتضمّن أكل الرّبا، أو إسقاط الواجب، أو ظلم ثالث، وكما في الإصلاح بين القويّ الظّالم والخصم الضّعيف المظلوم بما يرضي المقتدر صاحب الجاه، ويكون له فيه الحظّ، بينما يقع الإغماض والحيف فيه على الضّعيف، أو لا يمكّن ذلك المظلوم من أخذ حقّه).اهـ.
وإذا عُلم ذلك؛ فمن حقِّ الدولة أن ترفض بيانات ووساطات ومحاكم هؤلاء؛ لأنه يُشترط رضاها في صحة التحكيم، ويجوز للدولة أن ترفض تحكيمك أنت -فضيلة الشيخ- ودون أي غضاضة؛ وذلك لانحيازكِم الكامل ضدها والإزراء بها والتشنيع عليها، ورميها بألوان التهم والافتراءات، فلا تأمن الدولة على نفسها -والحالة هذه- مِن أن تحيفوا عليها وتظلموها، وتأمل ما قلته في رسالتك: (صد سهام اللئام!!)، التي تظهر مدى انحيازك وجورك: (ومن أظهر الأمثلة على ذلك قتل أبي خالد السوري رحمه الله تعالى وأمثاله من أهل السبق والخبرات المتراكمة من ساحات الجهاد لعقود، ففاعل ذلك لا شك مجرم في حق هذا الدين يريد تفريغ الساحة من أهل الفقه والجهاد والعقل والخبرة ليخليها للجهال والضلال والمتخبطين فيضل ويضل، ويزيد من معرفة ضلالهم وضحالة فهمهم لدين الله: تهوينهم من شأن هذه الجريمة النكراء، وعدم تألمهم لسفك دم أخينا، وعدم ترحمهم عليه أو البراءة من مرتكبيها بصراحة ووضوح، بل بتعبيرات ضبابية تبقي أصابع الاتهام موجهة عليهم بل وتزيدها).اهـ.
قلت: فها أنت تتهم الدولة بالظن والتخرّص والشبه الباردة السخيفة التي لا تصمد أمام الواقع بقتل الشيخ أبي خالد السوري رحمه الله، والحالُ أن الدولة قد نفت ذلك صراحة، ولا تملك أنت ومَن يزودك بمعلومات سوى هذه التكهّنات: (عدم تألمهم لسفك دم أخينا)، (وعدم ترحمهم عليه)، (أو البراءة من مرتكبيها بصراحة ووضوح، بل بتعبيرات ضبابية تبقي أصابع الاتهام موجهة عليهم بل وتزيدها)!!!
فهل بمثل هذه السخافات تقوم أصول الإثبات في القضاء والتحكيم؟!، وماذا بشأن قادة الدولة الذين وصفتهم بــ (حدثاء العهد في الإسلام فضلًا عن الدعوة والجهاد ممن كان بعضهم بالأمس القريب في صف أعداء الله يشارك في التنكيل بالمسلمين)!! الذين قُتلوا على يد الصحوات؛ فلم تزد على مباركة قتلهم بوصفك لهم تلك الأوصاف والتي يمكننا أن نزعم ذلك؛ بحسب منطقك الأعوج في أصول الإثبات!، فكيف تُلام الدولة أن ترفض مبادرتك أو تأمن على نفسها الحيف والجور وأنت تعتمد في اتهامها على مثل تلك السخافات؟!
ثم أنت خبير أنه لا يُسمَّى من رفض حَكَمًا بعينه – أنت وغيرك في ذلك سواء- أو صورة تحكيمٍ بعينها: أنه قد رفض التحاكم للشريعة؛ إذ لستم أنتم ومبادراتكم ومحاكمكم المستقلة هي الشريعة وإن أوهمتم الناس ذلك.
ولو افترضنا أننا اقترحنا على الدولة وخصومِها أن يكون الحكم والمرجِّح بينهما هو فضيلة الشيخ عمر زيدان أو عبدالمجيد الهتاري أو غيرهم من الشيوخ الأفاضل؛ فهل يرضى الجهميُّ المتحرِّق زهران علوش أو السروريُّ المطيريُّ حسَّان عبود بهما حكمًا ومرجحًا؟، وفي حال رفضهِم – وهو المتوقع- هل يُوصفون بأنهم ممتنعون عن تحكيم الشريعة كما وصفتنا به، أم ستقول: إن لطرفي الخصومة الحق في اختيار مَن يرضون به حكمًا بينهما؟!
قال المقدسي: (وأنا أدينهم من أفواههم، وأبطل ادعاءهم من خلال رسائل شرعييهم؛ فقد أرسل لي قبله أحد شرعييهم برسالة جاء فيها: (.. ولم نعتبر من لم يبايعنا عاص أو باغ يجب قتاله ولم نعلنها بيعة خلافة فهذه ليست سياسة الدولة ولا اعتقادها ولا منهجها وقد صرح العدناني تصريحا لا لبس فيه) .
فلماذا تلزمون الخصوم بما لا تلتزموه ؟!! فلماذا تلزمون الخصوم بما تزعمون أن دولتكم لا تلتزمه؟).اهـ
قلت: من امتنع عن البيعة من المسلمين؛ عارفًا بحال الدولة الإسلامية، عالمًا بالحكم، قادرًا على العمل، مخاطَبًا بالأمر: فهو آثمٌ عاص؛ لتخلِّفه عن واجب العصر، فخرج بذلك: الجاهل والمتأوّل والعاجز والعامّي، وبهذا المعنى نفى بعضهم – ومنهم الشرعي- الإثم عمن لم يبايع أمير المؤمنين، وكان ذلك أوّل الامتداد الرسمي إلى الشام، واقتداءً بـ”شهيد الأمّة” الوزير أبي حمزة المهاجر تقبّله الله، حيث قال: (مشروع الدولة الإسلامية جديد على الأمّة، وأحكامه تغيب على كثير من طلبة العلم فكيف بعوام الناس؟ فلا نلزم الناس ونجبرهم على أمور لا يفقهونها، ثم إن خيرهم يصبّ في هذا المشروع. وما ظنك بجندي جاء إلينا مكرهاً، هل تثق به وبولائه؟! هذا كذب لا يحتاج إلى ردّ).اهـ [اللقاء الصوتي الأول].
ومثله قول “شهيد الأمّة” الإمام أبي عمر الحسيني البغدادي تقبّله الله: (أقول لإخواني جنود دولة الإسلام، اتقوا الله في إخوانكم المجاهدين، فلا يسمعوا منكم إلا طيباً ولا يروا منكم إلا خيراً، فما زلنا في طور البناء، وأحكام الدولة يجهلها الكثير، وإني على يقين أن المخلصين الموحدين قادمون لا محال، فالرفق الرفق يا عباد الله)اهـ. [فتح من الله ونصر قريب].
وعليه: فلا ينافي عدم فرض البيعة على عوام المسلمين للاعتبارات الشرعية السابقة = عدم تحقُّق مكوِّنات الدولة الشرعية في الدولة الإسلامية في العراق والشام، وتعلِّق جميع أحكامها بها، ومنها: وجوب التحاكم والتقاضي إليها.
قال المقدسي: (أما التخبط والتهرب واللف والدوران ..
فهو أنه كلما كشفنا لهم علة أو حققنا لهم شرطا قفزوا إلى شرط آخر أو علة أخرى دون ضابط .
فمثلا جعلوا العلة في رفضهم التحاكم – كما في مبادرة المحيسني – أن الخصم غير واضح العقيدة والمنهج، فاشترطوا بيانه لذلك وإثباته على أرض الواقع، فلما أتيناهم بما يشترطون – خصم ومرجح يحقق ما اشترطوه – قالوا : أنهم دولة خلافة لا تتحاكم لمستقل .
فلما ذكرناهم أنهم أرسلوا لنا بخلاف ذلك .. وأنهم لم يعلنوا ذلك بعد ولم يلتزموه .. فكيف يريدون أن يلزموا الخصوم بما لا يلتزموه ..تذرعوا أن لنا أحكاما مسبقة عليهم بإخراجهم ..
فلما بين لهم المشرف أنه تقول علينا، إنما توعدنا من لم يلتزم الشرع بأن نفتي بإخراجه ..
قالوا: أنهم لم يطلعوا على تفاصيل المبادرة …
قلت: وهذا باطل فقد قلنا لهم: سنطلعكم على التفاصيل، فردوا برفض المبدأ ككل .
ثم قالوا : أن الأمر أكبر من أن يحكم به رجل!!!
ثم قالوا : أنه سيقضي بنحو ما يسمع !!!
ثم قالوا : نشاور الإخوة.. ثم خرجت كلمة العدناني بذريعة جديدة عجيبة أسدلت الستار وقطعت كل الخطاب).اهـ.
قلت: يريد الشيخ أن يوهم أتباعه ومريديه أن الدولة تمتنع عن التحكيم، وتتهرب منه، وتتذرَّع بشتى الحيل والسبل للفرار منه.. وهو قد خلط ولبَّس ودلَّس –عفا الله عنه-.
فأما مبادرة المحيسني؛ فالدولة لم ترفض أصل المبادرة، بل اشترطت شروطًا شرعية في أصلها؛ لتعلِّق أحكام الخصومة بالإجابة عنها.. وللخصم أن يشترط ما يشاء من شروط شرعية لقبول التحكيم؛ مما يضمن سلامة التحكيم من الجور والحيف. وقد كتبنا ردًّا مفصلًا في هذا الأمر.
وأما دعوى إلزام الغير بما لم تلتزم به الدولة؛ فقد تقدمت الإجابة عليها.
وأما قول أخينا الشرعي بأن الأمر أكبر من أن يحكم به شخصٌ واحد؛ فليس المراد هو حقيقة العدد بل المراد أن تفاصيل الخصومة وملابساتِها وتعقيداتها: تحتاج لفريقٍ علمي متكامل؛ يتعاونون ويتشاورون في الأمر، ثم يبتُّ في الحُكْم المتفق على تحكميه.
وأما دعوى الاحتجاج بالسماع لرد التحكيم؛ فالسماع من طرفي الخصومة من بديهيات علم القضاء، ولا يخفى ذلك على طالب علم، ولكن المراد: هو الخوف من الانحياز لطرف الخصم؛ بما ظهر للدولة من انحيازكم المكشوف ضدها.. وهذا حقٌّ يكفله لها الشرع.
والخلاصة: أن إيقاف هذا الاقتتال الداخلي بين الدولة وخصومها يتمثل في الخطوات التالية:
أولاً: في الكف عن القتال فورًا.
ثانيًا: الجلوس لمحكمة مشتركة في محاكم الدولة الإسلامية.
ثالثًا: اتباع طريقة أهل العلم في الترجيح بين الحكمين عند الاختلاف، على ما حكاه الماوردي في الأحكام السلطانية وغيره.
رابعًا: اعتماد فقه التسامح والعفو لتسهيل عملية التحكيم.
قال الإمام ابن حزم: (مسألة‏:‏ ما أصابه الباغي من دم أو مال)؛ اختلف الناس فيما أصابوه في حال القتال من دم أو مال أو فرج‏,‏ فقال أبو حنيفة,‏ ومالك‏,‏ والشافعي,‏ وبعض أصحابنا:‏ لا يؤاخذون بشيء من ذلك,‏ ولا قود في الدماء، ولا دية,‏ ولا ضمان فيما أتلفوه من الأموال,‏ إلا أن يوجد بأيديهم شيء قائم مما أخذوه فيرد إلى أصحابه‏).اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكذلك البغاة المتأولون من أهل القبلة؛ كالمقتتلين بالجمل وصفين.. لا يضمنون ما أتلفه بعضهم على بعض في القتال، وهذا هو المنصور عند أصحاب أحمد.
وقال الإمام الزهري: ( وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم – متوافرون؛ فأجمعوا أن كل دم أو جرح أصيب بتأويل القرآن فإنه هدر!!) اهـ والله أعلم.

وكتبه:
أبو معاذ الأنصاري
27/رجب/1435

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s