وقفات أبي خباب العراقي مع بيان الشيخ المقدسي


Popular notes



بسم الله الرحمن الرحيم

مؤسسة البتَّار الإعلامية

قِسْمُ التَّصْمِيمِ والمُونْتَاجِ
قِسْمُ الرَّفْعِ والنَّشْر

يقدم

.

.

وقفات أبي خباب العراقي مع بيان الشيخ المقدسي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه وبعد

ما زالت الدولة الإسلامية تخط طريقها نحو الخلافة وسط ظلمة من الجاهلية والهوى المتراكم، ولما كانت تلك الغاية من الأمور العظام الجسام وكانت السنة الكونية أن يتقدم بين يديها إرهاصات جليلة وأحداث عظيمة، فإنه يرى الناظر اللبيب ذلك رؤيا العين في الفتن الدهماء والتي لا تخرج الدولة من الأولى حتى تدخل في الأخرى فتن كقطع الليل المظلم تجعل الحليم حيرانا، وكان من آخر هذه الفتن بيان للشيخ الفاضل المقدسي والذي له بعد الله فضل على كثير ممن سار على هذا الدرب لا ينكره إلا جاهل أو متعصب، ولسنا ممن يفجر في الخصومة أو يقابل الظلم بظلم ولكن من واجب الشيخ علينا كما نصحنا وأراد الخير لنا أن نناصحه ونتمنى الخير له استجابة لحديث أبي رقية عند مسلم “الدين النصيحة”.

فكم نتمنى أن يسير الشيخ معنا معينا وناصحا لآخر الطريق، ولكن كذلك كانت وما زالت أخطاء وزلا ت العلماء من السنن الكونية التي يبتلي الله بها عباده ليحققوا بها سنته الشرعية من التعبد لله بطاعته ورسوله، ومن ردّ الخطأ والزلل ومن ظهور الحق، فكم من حق كان الباطل سبب ظهوره ووضوحه، وإني أسأل الله التوفيق والإعانة وأن تجد كلماتي قلوبا مبصرة وعقولا متحررة من رجس التقليد والحزبية،وإنني لن أعرج على جميع ما جاء في البيان مما يحتاج معه لوقفات فلقد كان الأخ أبو معاذ الأنصاري جزاه الله خيرا قد أوضح كثيرا منها وسأكتفي بالتعليق على ما لم يستوفه ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقبل الشروع في تلك الوقفات فإني أؤكد على أمرين اثنين:

الأول: أنني أبرأ إلى الله من فعل كل من تعدى على شخص الشيخ بالسب أو الشتم أو الطعن وتجاوز حدود العلم والأدب في ذلك، فالشيخ وإن تعدى على إخوانه في الدولة الإسلامية فإننا لا نملك إلا أن نطيع الله فيه بحفظ سابقته ومعرفة صبره وثباته، وليتذكر كل طاعن فيه أن الشيخ الإمام أبا مصعب لم ينس هذا الفضل للشيخ في غمرة رده عليه، فقال “ما من موحد إلا وللشيخ المقدسي عليه فضل”.. وكذا الكبار المخلصون لا يفجرون عند الخصومة والاختلاف، كما نبرأ من قول القائل أن الشيخ باحث وليس بعالم فقائل هذا يؤذي الدولة الإسلامية التي تقرر في معسكراتها بعض كتب الشيخ..

الثاني: أدعو أنصار الدولة وجنودها أن يميزوا الغث من السمين مما ينشر من الردود والطروحات في مثل هذه الأحوال، فإن بعضها قد يكون فيه نوع من التحامل مرده إلى المواقف الشخصية أو يكون فيه جهالة في الطرح قد تكون بسبب الاندفاع ونحوه فلنكن ممن يتبينون ويستمعون القول فيتبعون أحسنه..

الوقفة الأولى

حقيقة الخلاف وبيان المقدسي

إن المتابع لسيل الطروحات المنهمر في خضم أحداث الشام ليعجب من كثرتها وغزارتها، فمن مبادرة هنا إلى فتوى هناك، ومن شهادة هنا إلى رسالة هناك، حتى غدا الحديث في الشأن الشامي بضاعة كثيرين لم يكن لهم من قبل في الجهاد بضاعة، ولكن جل هذه الكثرة لاتغني طالب الحق شيئا، فما أعز الإنصاف أن تجده فيها – حتى من دعاته – وأما إن طلبت التحقيق فذلك الأعز من الجوهر.. ولقد طمِعت نفوس الكثيرين بأن يجدوا الإنصاف والتحقيق ممن حسبوه هادياً خرِّيتاً فما عادوا من نُزُله بالكفاف، وذلك فيما أحسب قدرٌ من الله يلجىء به جنده أن يعودوا الى الصُحف المعلّقة فيؤمنوا بها ويعملوا بما فيها ويتركوا آراء الرجال لأصحابها..

وكان آخر ما اتضحت به هذه الحقيقة بيان الشيخ المقدسي وماجاء في مقدمته – علاوة على كلام الشيخ – من العجب الذي يُنبيك عن جهل أو تجاهل واضح لحقيقة الخلاف بشأن الدولة وساحة الشام، حتى إن كاتب المقدمة أراد أن يسجل إيراداً على الدولة في ردها كلام أهل السجون بأن الدولة تدرس كتب الشيخ التي خرجت من الأسر فما بالها لا تقبل فتاويه في أمر الشام والدولة بحجة أنه أسير؟! فنقول – ونحن يملؤنا العجب من الجهل المركب لصاحب هذا الكلام – : إن الدولة لم ترد كلام المقدسي وغيره لإنهم أسرى فحسب بل ردوه من جهات أخرى سنبينها، ثم إن هناك بوناَ شاسعاَ – لا يخفى على من له أدنى إلمام بالشرع – بين الطرح والتأليف التنظيري العلمي الذي لاننكر أن للشيخ المقدسي يدا طولى فيه وبين الفتاوى والأحكام القضائية واجتهادات السياسة الشرعية والتي ركيزتها الأساسية فقه الواقع وتصوره تصورا صحيحا شاملا والإحاطة بأقوال الفرقاء بإنصاف وتحقيقها من مصادرها وخاصة في واقع كواقع ساحة الشام والذي قد التبس أمره حتى على كثير ممن هو فيها، فكيف بالذي هو قابع في زنازن الأردن ويتحكم الطواغيت بقنوات تواصله، وقد تصله رسائلٌ الله أعلم بمصادرها وأسانيدها والتي وإن صحت فهي يقينا لا تكفي لإطلاق الأحكام كما فعل الشيخ غفر الله له، وحتى لو أجاز الشيخ لنفسه إطلاق مثل هذه الأحكام وهو في هذه الحالة بل وحتى لو أرسل الشيخ رائداَ له إلى ساحة الشام – مثل صاحب الشهادة المنتظرة – أو قل لو خرج الشيخ المقدسي بنفسه إلى هناك وتكلم بما شاء أن يتكلم فلن تكون هذه الأحكام لازمة للدولة في كل مسائل الخلاف، لإن الخلاف هناك كما يعلم الناظر البصير خلافٌ مركب، فلو أراد طالب الحق أن يَسبر حقيقة خلاف الدولة مع مناوئيها، ليجد أنه يتحدد في جهتين:

الأولى: مالايتعلق به التقاضي والتحاكم وإنما مرده إما إلى الديانة والاعتقاد أو فقه السنن الشرعية والقدرية، فالأول يمثله ما تناجز به الدولة مخالفيها من اتباع ملة إبراهيم وإقامة الولاء والبراء، ومخالفو الدولة في هذا بين ظالمٍ لنفسه ومقتصد، والفصل في هذا الخلاف للشريعة نفسها لا إلى المحاكم كما بين شيخ الإسلام في “مناظرة الواسطية” لما أراد خصومه ان يقاضوه على اعتقاده.. وارجع إن شئت لمقالي (الشريعة حاكمة المحاكم والمناهج)، والثاني هو الخلاف بفقه السنن الشرعية والقدرية والاجتهاد على أساسها في نصرة الدين وإدارة مشروع التمكين والوصول إلى الخلافة…وقد برز هذا الخلاف في جانبين هما شرعية الدولة كإمارة معتبرة وإمامة شرعية وليس مجرد تنظيم أو جماعة، ثم أحقيتها في التمدد إلى الشام.. وهذا الأمر مرده إلى إنفاذ الأمر الشرعي المُوجب لنصب الإمام، والخلاف فيه راجع لشروط انعقاد الإمامة ومدى تحققها، وهو اجتهاد لايمكن لأحد أن يلزم فيه مخالفيه بتحكيمٍ أو نحوه، بل كلٌ يدين الله بما استنبطه من أدلة الشرع في ذلك ويمضي في إنفاذه والقضاء فيها لله بما يجريه من القدر، والدولة الاسلامية ماضية في اجتهادها الذي تراه عين الطاعة لربها بما يحققه من إقامة الشريعة وتحصيل الاجتماع والاعتصام وحفظ حوزة الدين وثمرة الجهاد والتحقق بالسنن الكونية، ولذلك خالفت من عدها جماعة وتنظيما وطلب منها الانحسار عن الشام، وصرّحت منذ اليوم الأول أنها ترى في ذلك معصية بل معاصي ومفسدة يركبها مفاسد…ولم يكن يُشغَّب عليها في هذا بأكثر من أمرين وقد انحسما… أولهما البيعة للشيخ الظواهري، فقد ادعاها هو ونفتها الدولة ثم انحسم الأمر بحل البيعة المدعاة ممن ادعاها نفسه، فأسقط دعواه بنفسه ولم يبق له من الحديث إلا عما كان، وقد خرجنا منه اتفاقا بما هو كائن الآن.

وثانيهما ادعاء افتقاد الدولة لشروط انعقاد الإمامة لها وذلك من جهة فقد الشورى على حد زعمهم وافتقاد التمكين، وهو ماتنازع فيه الدولة أصلا، ثم إن من يشغب على الدولة بهذا يُقر بانعقاد الإمامة للملا عمر ودولة الطالبان – ومنهم الشيخ المقدسي – برغم أن حالها في هذه الشروط كحال الدولة أو أقل، وفوق هذا فإن هذا التشغيب قد انحسم بما شهده الواقع من سيطرة الدولة على مساحات شاسعة لايحكم فيها إلاشرع الله تعالى بسيف الدولة ومعلوم مذهب أهل السنة والجماعة بوجوب طاعة الإمام المتغلب مالم يظهر الكفر البواح وإن نوزع في تحقيقه الشورى.

فهذه الجهة من الخلاف هي مما لايَفصل به التقاضي والتحاكم، وإنما هو خلاف مبناه الاجتهاد في إصابة الحق من جهة الشرع والقدر، ولم تزل طوائف العمل الاسلامي متخالفة متباينة في مناهجها منذ عقود وماتحصّل لأي منها أن يُلزم مخالفيه أو يستنزلهم لمحاكمة منهجهم… فهل بادرت قاعدة الجهاد لعقد محكمة مستقلة ودعت إليها خصومها من تنظيمات الإخوان المسلمين والسرورية، أم ما بال عقلاء الأمة لم يفطنوا لمثل هذا مع الطالبان ومناوئيها فيحاكموا مشروعية إمارتها وتمددها من قندهار إلى سائر بلاد الافغان على حساب جماعات تدعي أنها إسلامية…أم هل كان لخصوم القاعدة وقت الإمام الشهيد أن يتداعَوا لمجكمة مستقلة لمحاكمتها على منهجه في ضرب رأس الأفعى أمريكا واستدراجها لبلادنا وماتسبب به من أذى لأصحاب العمل الإسلامي كافة، فأفسد عليهم مشاريعهم لنهضة الأمة ونشر الدعوة – كما “أفسدت” الدولة جهاد الشام- … وإن كان لهم ذلك فهل للدولة أن تطالب القاعدة بقيادتها الحالية بالنزول لمحكمة مستقلة لمحاكمة توجيهاتها العامة للعمل الجهادي وتقاربها مع الحركات المنحرفة الذي جر المفاسد العظام على ساحات الجهاد وأولها ساحة الشام على أن يكون من المطروح أمام المحكمة نزع صفة العالمية عن القاعدة…فكيف لكم إذا أن تطالبوا الدولة بالنزول لمحكمة مستقلة مزعومة سيكون أول ثمارها كما صرح دعاتها إسقاط مشروع الدولة كدولة وإخراجها من الشام؟! ورغم هذا لم ترفض الدولة هذه المحكمة بإطلاق بل وضعت شروطا لو اعتمدت وقتها لكان من السهل تقاص الحقوق بعدها ولكن إذا بها ينفلت عليها كل ذي مأرب بشتى أنواع الأحكام والأوصاف وخرجت البيانات والرسائل المشرعنة لقتال الدولة وسفك دماء جنودها ولم ينس الشيخ المقدسي أن يكون له سهم من سهام الطعن واللمز في الدولة ولا حول ولا قوة إلا بالله

فأقول للشيخ المقدسي والذي أثار فينا العجب من رَشقة الأحكام التي أطلقها ( تنظيم منحرف عن جادة الحق ينحو منحى الغلو)

يا أيها الشيخ: أما قولك إنها تنظيم، فنقول هذا اجتهادك الذي لايلزمنا ولَإن أنزلك الله أرض الرقة وما والاها من جزيرة الفرات حتى نينوى فلن يسعك إلا أن تقر بأنها دولة، وأما قولك “منحرف عن جادة الحق ينحو منحى الغلو” فلن يلزم الدولة حتى يلزمك ماقاله عشرات الشيوخ عنك.. ومنهم أسماءٌ أوزانها جد ثقال، إذ وصفوك بالانحراف… وأما منحى الغلو فأنت أول من نحاه وأورثتنا إياه.. واسأل عن ذلك الشيوخ المعتبرين عند قاعدة الجهاد الجديدة فسيخبرك “شيخهم المحدث” عبدالعزيز الطريفي عن الغلو الذي عندك في ملة إبراهيم والكواشف الجلية ورسائل سواقة، فلم تنفعك الثلاثينية في دفع تهمة الغلو عنك عند هؤلاء.. وأما عند الدولة المظلومة فأصولك بريئة من الغلو ويدرس كثير منها في معسكراتها.. ثم أنّى لك أن تأتي بأصل من أصول الهيئات الشرعية للدولة تنحو فيه أشد من منحاك.. إلا أن تأتينا بأخطاء أفراد من هنا وهناك، فأولى لك أن تدعو للدولة بالإعانة على حِملها باستقبالها آلاف الجنود المبايعين من المهاجرين والأنصار، وأكثرهم من عامة المسلمين الذين هم بحاجة للتعليم والتقويم، ويبدو أن “غرفة العمليات” عندكم لم تطلع على عشرات المعسكرات التي أقامتها الدولة للأنصار في البركة والرقة ومناطق من حلب تقيم لهم فيها دورات شرعية مع العسكرية لتصحيح الفكر والاعتقاد وتعتمد في ذلك على تأصيلات المشايخ المعتبرين ومن بينها كتاباتكم.. وكذا فقد غاب عن النقلة الثقات عندكم ما أقامته الدولة في ولاية الرقة من دورات تأهيل لعشرات الأئمة والخطباء الذين يتصدرون المنابر لتصحيح التوجهات وإزالة رواسب دين النظام عند الناس ويُقرّر في هذه الدورات أجزاء الشيخ علي الخضير فك الله أسره وغيره من مشايخ التوحيد..


وأما الجهة الثانية للخلاف فهي ما يتعلق به التقاضي والتحاكم وهي قضايا الدماء والأموال ونحوها من الحقوق، والسبيل للفصل فيه إما بمحكمة مُلزمة ينصبها الإمام أو بتحكيم اختياري على أي صورة كان، والدولة تدين الله عز وجل بأنها إمارة شرعية صحيحة انعقدت فيها الإمامة وأن الواجب الشرعي على أهل القُطر النزول تحت رايتها وسلطانها والاحتكام إلى محاكمها التي لا سلطان عليها إلا سلطان الشرع، فلما وقعت الحوادث دعت الدولة من اعتقد أن له مظلمة بالاحتكام لمحاكمها فرفضوا بحجة عدم الحيادية ظاهرا، وإن أردنا التحقيق فإنما الرفض كان لإنهم رأوا في القبول اعترافٌ بالدولة كدولة وترسيخٌ لسلطانها، وهذه عندهم الحالقة تحلق شهواتهم ومشاريعهم.. على أنه قد يكون فيما بينهم مخلصٌ متأوّل، فلم تعدّ الدولة رفضهم هذا تعنّتا أو رفضا لحكم الله، فعدلت الدولة إلى التحكيم المشترك في قضايا متعددة ذكرها الفارس العدناني في خطاب المباهلة، لا كما يزعم بعض المتحاملين والذين كرر المقدسي عبارتهم بقولهم عن الدولة ( وإن يكن لهم الحق يأتوا اليه مذعنين) في إشارة منهم إلى قبول الدولة بالمحيسني كمرجح في المحكمة المشتركة التي انعقدت بين الدولة وأحرار الشام في حادثة مسكنة بحجة أن الدولة كانت هي صاحبة الحق فاستجابت لذلك، وغفلوا عن أن هذه شهادة لصالح الدولة فإنها كانت باعتراف الجميع الطرف الأقوى في تلك المدينة وقت تلك الحادثة وكان بإمكانها استرداد الحق من خلال محاكمها أطراً، ثم إن هذه ليست المرة الوحيدة كما يزعم هؤلاء، بل قبلت الدولة التحكيم المشترك في حالات كان المقتول من غيرها..ثم كانت بعدها ليلة الغدر وإعلان الحرب على الدولة من كل الأطراف وأنا هنا أقصد ما أقول فقد بادرت كل الأطراف(ما خلا بعض الكتائب المستقلة) بحرب الدولة إما بالمباشرة أو الإعانة من هيئة الأركان إلى جبهة الجولاني مرورا بجبهة آل سلول، وما كان من الأطراف ينفي ذلك وقتها فقد أقر اليوم بهذا وتفاخر به ودونك تصريح الحموي بذلك وشهادة أبي محمد الأمريكي.. فما على الدولة بعدها إن سلّت على هؤلاء الغدَرَة سيفَ حيدرة؟ وبعدها جاءت مبادرة المحكمة المستقلة المزعومة .. فإن كان وقتها للدولة شروطٌ لتنظر فيها فإنها اليوم لا تراها وإن كانت الدولة تنزّلت إلى التحكيم المشترك في وقت من الأوقات فإنها اليوم فيما أحسب لا تقبل برأي سيدنا عليٍّ عدلا.. فإن ساحة الشام أيها الشيخ معتركٌ محتدمٌ متسارع الأحداث حتى لتتحيّر الألباب في ذلك، وكم من طائفة كان ظاهرها في أمسها الإسلام ثم هي في يومها قارفت الردّة .. وما كان بالأمس جبهة نصرة هو اليوم مجلس “شورى” مع المرتدين والمنحرفين ومن لا خلاق لهم .. وحتى من يكفّون عن الدولة اليوم فإن بعضهم قد لا يصحّ – فيما أحسب – أن تكفّ الدولة عنه حتى تخضد شوكته … وقل عنه يا شيخ تعنتا أو سمّه ما شئت ..

ولي في هذا الصدد تعليقات على بعض ما ذكره الشيخ في هذا الشأن، وأولها ما نسبه الشيخ للدولة بأنها ترى المحاكم المستقلة بدعة، فهذا من زيادة ظلم في رصيد الشيخ فإنه قد تغاضى عن بيان الدولة الرسمي في موقفها من المحكمة المستقلة آنذاك والتي لم تصفها بأنها بدعة وانما اشترطت شروطا وتعلق باجتهاد الشيخ تركي البنعلي الذي هو شرعي من شرعيي الدولة الكثر ثم لمز بعلم الشيخ البنعلي – مع العلم بأن الشيخ هو من زكى علم البنعلي وصدّره لسنوات للإفتاء على منبره – ثم نسأل الشيخ لماذا هذه المحكمة المستقلة المزعومة لم تستمر في عملها مع باقي الفصائل؟؟ أم أن كل الفصائل فيما بينها على وفاق والتئام في المناهج والحقوق؟؟

وإني لأستحي أن أذكر الشيخ أن ماهو بصدده تحاكم وليس قضاء، والبون بينهما شاسع والدولة غير ملزمة بهذا التحاكم وهو ليس من الإمتناع عن حكم الله كما يعلم الشيخ، ونحن بدورنا نقول للشيخ المقدسي أو لجبهة الجولاني هل ترضون ببعض المشايخ المناصرين للدولة كالشيخ عبد المجيد الريمي أن يكون حكَماً وقد ظهر للعالم أجمعه نصرته وتحيزه للدولة أو ينتدب أحد طلابه “المحايدين” ليكون حكَما؟ فلماذا إذا ظهر للدولة عدم حيادية المقدسي و”طلابه” تكون رافضة لحكم الله ، بل لو اختارت الدولة أن لا تنزل لتحكيم مطلقاً ومضت بطريق الحسم فهل تكون ممتنعة عن شرع الله؟ وهل كان رأي علي رضي الله عنه في المضيّ بالحسم تعنّتا وصدّا عن التحاكم وتهاونا في الدماء المعصومة؟؟

وأما ذكر الشيخ لقبول الصحابة بالقسامة فالقياس فيه عجيب.. فأين القسامة بين الصحابة واليهود مع وجود القضاء الملزم العادل أو “المستقل” حقاً – إن جاز التعبير – والذي سيقضي في حادثة قتل، من مبادرة المحيسني المرصودة لمحاكمة منهج الدولة ومشروعها برمّته والذي لا يتعلق به تقاضٍ أو تحاكمٍ كما أسلفنا.. ثم هل يعتقد الشيخ أن الدولة بكوادرها التي انعركت في أعتى حربٍ معاصرة ستكون بهذه السذاجة بحيث ينطلي عليها أن قضية القوم هي مقتل فلان أو علان سواء من الدولة أو خصومها .. أم إن الدولة تعلم كما كل العالم يعلم أن القضية هي الدولة كـ”دولة” والدولة “في الشام” ..


الوقفة الثانية

المقدسي .. الحكم المحايد!!


لا بد للقارئ أن يعلم وهو مما يحزننا ذكره بأن الشيخ المقدسي قد داخلته خصومة شخصية مع الشيخ أبي مصعب الزرقاوي تقبله الله لا زالت تأتي بآثارها المؤلمة.. وما سأذكره من قرائن على هذا يجعل القارئ المنصف يتريّث في أقل أحواله عندما يتعلق كلام الشيخ بإرث الشيخ الزرقاوي ونتاج الجهاد العراقي .. والشيخ المقدسي بشر يخالجه ما يخالج البشر من الشحناء و الضغناء، وكم من العلماء الجهابذة الأفذاذ بل ممن هم أئمة الدين لم تُقبل طعونهم في أناس لما ظهر للناقدين أصحاب البصيرة وجود الشحناء بينهم ولا يخفى الكلام الذي كان بين الإمام مالك والإمام إبن أبي ذئب رحمهما الله.. ووالله ما ذكرنا هذا إلا بعد أن رأينا ان الأمر استفحل وصارت هذه الرسائل يلبس بها على أهل الصدق ليقدموا أنفسهم رخيصة في سبيل قتل إخوانهم من الدولة ظانين أنهم قد نالوا رضا الله والجنة ولا حول ولا قوة إلا بالله، فلايشغب علينا مشغب بأننا لا نحترم العلماء ولا نحفظ لهم مكانة، فأولى بكم أن تحترموا دماء الشهداء ودموع اليتامى والثكالى والله المستعان..


وليأتِ معي القارئ لأطلعه على بعض تلك الجوانب.. لا من خلال القيل والقال.. بل من خلال مؤلفات الشيخ المنشورة:

فإنه مازال دأب الشيخ المقدسي ومنذ أكثر من قرابة عقد يذم ساحة العراق ويلمزها، ومن اطلع على وقفاته في ثمرات الجهاد وما يتعلق بنصائحه لساحة الشام سيرى الكثير من تناقضات الشيخ النظرية في ذلك..

فعلى سبيل المثال :


من المعلوم أن الشيخ في كتاب ملة إبراهيم أثبت حصول تكسير الأصنام في العهد المكي وفي وقت الإستضعاف وذلك بتصحيحه للحديث الوارد في ذلك في قرابة الخمس أوراق، بل وذكر أن الأمر غير متعلق بتصحيح الحديث أو تضعيفه بل هو من ملة إبراهيم التي أمرنا بالإئتساء بها، وقد أيد طالبان في تكسيرها للأصنام.
ثم جاء الشيخ ونقض ذلك كله عندما تكلم عن ساحة العراق وأنكر صحة الحديث وحمل التكسير على أنه التكسير المعنوي لا الحسي فكان من غرائب وعجائب الشيخ عفى الله عنه.

وليأتِ معي القارئ لشاهد آخر : كيف أن الشيخ في كتابه الكواشف الجلية في تكفير الدولة السعودية شن حملة شعواء على الدولة السعودية أخزاها الله في تعاملها مع منظمة الصليب الأحمر فقال ” إن الأخوة والتعاون بين هذا البلد والنصارى والصليبيين على اختلاف دولهم وثيق وعميق… وهاك مثالاً آخر من هذا.

راجع على سبيل المثال (النظام الأساسي لجمعية الهلال الأحمر السعودي).. (المادة الأولى): (أنشئت في المملكة العربية السعودية جمعية باسم جمعية الهلال الأحمر بموجب المرسوم الملكي رقم (1) في 16/1/83 ولها شخصيتها الاعتبارية لمدة غير محدودة ومركزها الرئيسي مدينة الرياض ويشمل نشاطها جميع أنحاء المملكة ونظامها قائم على أساس اتفاقيات جنيف والمبادئ التي أقرّتها مؤتمرات الهلال والصليب الأحمر الدولي.)

هكذا بإطلاق من غير تحفظ !! أإسلام هذا أم ماسونية؟؟

(الباب الثاني) من القانون نفسه أو (النظام) كما يحلوا لهم تسميته: (أغراض الجمعية): تقوم الجمعية في سبيل تحقيق أهدافها بما يأتي: فذكروا أموراً منها:

ي- توثيق الصلات وتبادل المعونات الممكنة بينها وبين جمعيات الهلال والصليب الأحمر الدولية وغيرها من الهيئات المماثلة (1).

تأمل .. أتوحيد الرسل هذا أم علمانية وماسونية؟؟

(المادة السابعة): لا يجوز للجمعية الدخول في مضاربات مالية أو التدخل في الأمور السياسية أو الدينية..

أإسلام هذا أم علمانية؟؟”

وذكر أنها منظمة تبشيرية معلومة أعمالها التنصيرية فقال ” ولقد شاهد إخواننا الأطباء في أفغانستان أشكالاً من هذا التعاون بين الهلال السعودي ومؤسسات الصليب الأحمر التي تعمل في تنصير المسلمين…!! فكان الهلال في أفغانستان يمد تلك المؤسسات الصليبية بالأدوية علناً حتى نهاية سنة 1984م. ثم لا ندري أتوقفوا عن هذا التعاون، أم أخفوه… إذ مازال هذا القانون موجوداً عندهم.. فلعنة الله على الظالمين”. (الكواشف الجلية 198-199)
ثم لما ضرب الزرقاوي وجنوده تلك المنظمة إذا بالشيخ يسفّه ويجهّل فاعلها فيقول ” لذلك كله وغيره فقد تملكني العجب والاستنكارعندما سمعت بتفجير مقر اللجنة الدولية للصليب الأحمر في بغداد ؛ والعراق وشعبه في ظروفه الحاضرة أحوج من في الدنيا اليوم إلى خدمات اللجنة الدولية الكثيرة والمتنوعة , كما تملكني الإستهجان لتبريرات البعض السطحية لذلك التفجير بدعاوى أن مقر اللجنة في العراق كان وكرا للسي آي إيه وكأن السي آي إيه تنقصها الأوكار في ذلك البلد المنكوب الذي أمسى ولاية من ولاياتهم ؛حتى يستعيروا مقر اللجنة أو يستأجروه لإقامتهم !! وكل من يعرف حيادية اللجنة الدولية ويتعامل معها يعلم إستحالة مثل هذه التكهنات والظنون والتبريرات…” وليته كان من باب السياسة الشرعية بل لإن المنظمة الصليبة هي منظمة إنسانية واسم الصليب الأحمر مجرد شعار لا حقائق تحته بل ودعا إلى حمايتها وحماية من يعمل فيها فيقول “والمطالع لهذه الكتب يعلم خطأ ما يتوهمه كثير من الناس في اعتقادهم بأن اللجنة تمارس نشاطات تبشيرية أو صليبية فإن بعضها يتحدث عن مآسي المسلمين في الأندلس ويبين ما تعرضوا له من إبادة في محاكم التفتيش بعد سقوط الأندلس واضمحلال حكم المسلمين فيها، وبعضها يدين الحملات الصليبية على بلاد المسلمين ويتحدث عن المذابح التي تعرضوا لها عند سقوط القدس تحت حكمهم وبعضها يدين الإستعمار الحديث ويدافع عن الخلافة ويذم الإستشراق والتغريب والحداثة إلى غير ذلك مما يدل دلالة واضحة على أن اللجنة لا تتدخل في المسائل الدينية والعقائدية وليس لها أي توجه تبشيري أو صليبي ـ بحسب تجربتي ـ ونحو ذلك مما يحاول وصفها به البعض بسبب مسماها وشعارها الذي هو أصلا معكوس علم سويسرا بلد مقر اللجنة ومنشئها.. مع أن العبرة بالحقائق وليست بالمسميات خصوصا إذا كانت المسميات مجرد شعارات ولافتات أفرغت من محتواها وحرفت أو نقلت عن مدلولاتها الأصلية ، فكم من دولة أو منظمة في زماننا تتخذ من الآيات القرآنية أو الشهادتين أو التكبير أو الهلال شعارا لها وهي لا تعرف من الإسلام إلا اسمه وليس عندها من هذه الشعارات إلا رسمها بل ربما لا تفهمها ولا تعرفها بمعانيها الأصيلة ودلالاتها الحقيقية، وتحارب تلك المعاني وتعادي أهلها .

ومعلوم كذلك لكل من يراجع تاريخ نشوء اللجنة وتأسيسها أنها لم تنطلق من أسس دينية تبشيرية وأن مؤسسها الأول هنري دونان كان تاجرا ولم يكن قسيسا أو مبشرا .


وإذا كان لي أن أتحدث عن تجربتي الشخصية مع اللجنة فإني لم أعهد خلال علاقتي مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر والتي امتدت منذ عام 1994م ولم ألحظ في أي يوم من الأيام أن مندوبيها يحاولون التبيشر بالدين المسيحي أو التدخل بديانة السجناء بل على العكس فقد كنت أنا الذي أباديء كثيرا منهم في طرح المسائل الدينية والاستفسار منهم عن عقائدهم وأدعوهم إلى الإسلام ولم ينزعجوا قط من شطبي خلال مدة طويلة لشعار اللجنة على رسائلي التي كنت أبعثها لأهلي” (وقفات مع ثمرات الجهاد 142-145) فهل تصدق أخي القارئ أن كلا الكلامين للشيخ؟ أم أن الكلام الأول هو كلام الشيخ وأنه في الكلام الثاني لم يكن الشيخ هو الشيخ؟؟ ولكن لا تعجب فقد تعلق الأمر بمجاهدي العراق وجنود أبي مصعب!!
فسبحان الله مقلب القلوب.
3- وليأتِ معي القارئ لشاهد آخر: لقد كان الشيخ له قصب السبق في فضح حكومة حماس وكشف عوارها (وفي وقت كانت فيه حماس تخوض فيه معارك شرسة مع اليهود) وكان منبره مرتعاً للتحذير منها بل وتكفير حماس وجنودها عياناً من قبل الشيخ أبي الوليد المقدسي رحمه الله ولم يمنع ذلك كله الحرب الشرسة من اليهود على حماس..ثم إذا بالشيخ المقدسي ينكر على العدناني تكفيره لمرسي وحزبه، وذلك لأن مرسي تكالب عليه العلمانيون وأن حزب الإخوان فيهم المرتد والفاسق والصالح.
مع أن الشيخ يعلم منهج السلف في إطلاق الكفر بغير تفصيل وإن كان لا يلزم منه تنزيل الحكم على كل الأعيان ومثله إطلاق الكفر على الأحزاب ومواثيقها وكيانها مع أنه لا يلزم منه ألبتة إرادة الحكم لكل فرد.. ومنهج الدولة في ذلك كان واضحاً في التعامل مع حزب الإخوان في العراق وكيف أن الفتوى قد تدرجت معهم بحسب واقعهم وكانت خطابات أمير المؤمنين أبي عمر الشهيد خير شاهد لذلك… بل الأعجب من ذلك كله أن الشيخ كان دأبه التحذير من الوقوف مع الرايات العمية ونصرتها والتحذير من أن يكون الشباب المسلم وخصوصا ً المجاهد وقوداً لها.. ولإن دعا الشيخ – مثل غيره – مجاهدي غزة إلى تجنب الصدام مع حكومة حماس فإنه لم يؤثر عنه أنه دعاهم لنصرتها.. ثم إذا بالشيخ يدعو لمناصرة حكومة مرسي و الوقوف معها ويجعله واجباً شرعياً، لأنها خير من الحكومة العلمانية على حد قوله، مع أن راية مرسي ليست براية عمية فحسب بل هي راية علمانية فيها خطرعلى المسلمين أكثر من الراية العلمانية الواضحة لما فيها من التلبيس علاوة على حرابة مرسي القذرة لمجاهدي سيناء مرهبي اليهود..

وإذا ما أتينا على ذكر الشيخ لما أسماه “تطاول” الدولة وأمرائها على الشيخ أيمن الظواهري.. فنقول أين الشيخ من خروج الشيخ أيمن غفر الله لنا وله على الإعلام ووصفه للدولة وجنودها بأحفاد ابن ملجم؟ وأين الشيخ من تبرؤ الشيخ أيمن من منهج الدولة و الطعن فيها؟ فإن كانت الدولة تكلمت ابتداءً عن أخطاء منهجية وشرعية في رسالة الشيخ أيمن التي قبل فيها بيعة الخائن، فإن الشيخ رد بوصف الدولة بالخارجية والذي فيه شرعنة لسفك دماء جنودها، وقبله خرج عزام الأمريكي ليصف الدولة بأنها أسوأ من الحرورية، ثم جاء أحد “عقلاء” التيار على حد وصف الشيخ المقدسي – وهو هاني السباعي – ليصف الدولة بأنهم قرامطة بل إسماعيلية بل ويقاربون الملاحدة.. ثم بعد هذا كله إذا ذبت الدولة عن عرضها صارت متطاولة فوا عجباً أيها الشيخ من عظيم إنصافكم..

ثم ها هو الشيخ يقول بأنه موثق عنده وقوع الدولة في الدماء فلماذا إذا يطلب من الدولة التحاكم مادام الأمر محسوماً عنده ونسأل الشيخ أين أنت من الدماء التي ولغتها جبهة الجولاني وحلفائها كمثل الشيخ الشهيد أبي بكر العراقي و القائد الشهيد أبي أسامه المغربي تقبلهما الله وغيرهما الكثير والعجب بأن الشيخ يتكلم عن مبادرة المحيسني ورفض الدولة لها وقد بان لكل ذي بصيره خبث طويته على الدوله وفجوره في الخصومة وكذبه على جنودها …


وبعد هذا كله فلايحق للشيخ أن يأتي ويلبس زي الحاكم ويعد نفسه طرفاً محايداً وأن الدولة ملزمة بحكمه بل وتُهَدد الدولة بالعواقب الوخيمة إن لم تستجب و أنه سيرفع عنها “الغطاء الشرعي”.. فما هكذا تورد الإبل وتصان الدماء.. فلإن اعتبر الشيخ نفسه طرفاً محايداً فنحن لسنا ملزمين بهذا الاعتقاد وقد ظهر لنا ومنذ سنين عدم انصافه لنا.. فإذا كان القاضي يخل في نزاهته أن يحد النظر لأحد الأطراف أو يهش له ويلتفت إليه مما يوغر صدر الخصم الآخر ويجعله يشعر بضعف الموقف، فكيف إذا رأت الدولة ثناء الشيخ على العاق الذي انشق عنها و إطراءه له والتغافل عن كل ما جنته الأمة بسبب فتنته، وفي المقابل يقف الشيخ بالمرصاد للدولة وخطاباتها و أخطائها وينكر عليها ماليس بمنكر أو حمال أوجه، لا بل ولا يتوقف عن اللمز والطعن في قادتها و أمرائها وحتى في جنودها وأنصارها ولقد بدا منه اللمز والطعن بالدولة حتى قبل مبادرة المحكمة المستقلة المزعومة، ثم يأتي ويعد نفسه بعد ذلك حكماً محايداً يلزمنا حكمه.. فإذا كان هذا هو الحياد فقل لنا بربك يا شيخ كيف يكون الإنحياز؟!!



الوقفة الثالثة

المقدسي وغرفة العمليات


وما أدراك ما غرفة عمليات الشيخ المقدسي .. وما أدراك ما روافدها ومصادر تزويدها بل وعلى عين من صُنعت!! فإن أردت فسمّها غرفة العجائب لعجيب حقيقتها وما يصدر عنها ..

فمن عجائب ما صدر عن غرفة عمليات الشيخ قوله أن الدولة إذا استمرت بسياستها فسيكون نتاجها ظهور الصحوات!! فمهلاَ يا قوم.. فإن غرفة عمليات الشيخ لم ترصد بعد ظهور الصحوات على مقياس “ريختر” الخاص بها.. فلم يظهر بعد سليم إدريس وهيئة أركانه ولم تتشكل بعد جبهة ثوار جمال معروف .. بل إن “الشيخ المجاهد” عمار الواوي لم يعهد عنه إلا خيرا هو وفصائله المرتبطة به.. ثم وإن رُصدت بعض “المضايقات” للمهاجرين أو “تحرشات” بسيطة بالمهاجرات فهي عبارة عن حالات فردية سببها طبعا استفزازات المهاجرين الوقحة للمجاهدين الأفاضل في جبهة ثوار سوريا ولواء عاصفة ماكين.. عفوا عاصفة الشمال.. وإنما يتطلب هذا الأمر وقفة صارمة مع هؤلاء المهاجرين المعتدين وجلدهم بسياط عدم فقه السياسة الشرعية والجنوح نحو الغلو.. وحتى وإن ظهر للعالم أجمع حقيقة ارتباط الجبهة “الإسلامية” بمخابرات آل سلول وقطر وتركيا فإن تمدد الدولة إلى الشام هو من ألجأ هؤلاء المجاهدين المخلصين الأفاضل للارتباط بالمخابرات وكذا فإن “سياسة الدولة الخاطئة” هي من أجبرهم آسفين على قتال الدولة والتحزب مع هيئة الأركان وجبهة الجولاني بل والpkk لقتال الدولة .. والموقف الشرعي اللازم في هذا الحال هو أن نعاقب الدولة على أخطائها فنقف في صف الأحزاب المظلومة في قتالها للدولة أو على الأقل أن نسكت عن هذا القتال – بعد أن أعطيناه الشرعية بقصد أو غير قصد – لعل الدولة تأخذ عقوبتها القدرية على عصيانها لأمر الباب العالي .. وأما عن حقن الدماء.. فلا تسل عن مساعينا في حقن الدماء بمقابل مساعي الدولة في سفكها .. فنحن وإن وصفنا الدولة بأنها من الخوارج وكلاب أهل النار أو أنها تنظيم منحرف ظالم سفاك للدماء يجب أن يمنع من التسلط على المسلمين في سوريا (أما مسلمي العراق فلا بأس) ويجب إنهاء كيانه فإننا وإن قلنا هذا فإنه لا يعني أبدا أننا نشرع قتال الدولة أو القيام بعمليات “استشهادية” في جنودها أو التعاون مع شياطين الإنس في إبادتها لإننا نعوّل على رجاحة عقل العلامة الهراري في إنزال هذا الكلام على محمله الشرعي المناسب(مع تأكيدنا على حقه في دفع الصائل طبعا والذي قد يصل إلى إرسال السيارات المفخخة إلى عقر دار “الغلاة” بل والانتقال لحربهم في العراق ) وكذلك نعتمد على ورع الشيخ المجاهد جمال معروف والشيخ زهران علوش في عدم استغلال مثل هذا الكلام في حرب المهاجرين وتمرير مشاريع الشياطين في الشام ولا ننسى حكمة بقية السلف الشيخ المحيسني في ضبط ساحة الشام ووضع فتاوى المشايخ في موضعها فلن يتكرر ما حصل في العراق حين وزع الأمريكان والصحوات كلام المقدسي هناك .. ثم ولم الخوف من آثار هذه الفتاوى وها هو الشيخ المقدسي يتمكن وباتصال واحد من كبح جماح الفرس الجموح الجولاني عن سحق الدولة في الشرقية(طبعا مع حفظ حقه بدفع الصائل) وليضرب الجولاني بذلك أروع الأمثلة في العفو عند المقدرة.. فلا يسعنا بعد هذا كله إلا أن نقدم بالغ التحية لغرفة عمليات الشيخ الأبية..
ولنا وقفة أخرى مع غرفة عمليات الشيخ فنقول إننا لن نأتي بجديد على الشيخ إذا ما ذكّرناه بأن خطر التجهم على الدين و الجهاد أخطر بكثير من خطر الغلو وهو نفسه قد أكثر من نقل عبارات السلف في ذلك، فهل غفلت كذلك غرفة العمليات عن جماعات التجهم و الإرجاء المتصدرة في ساحة الشام، والتي وضعت جبهة الجولاني يدها بأيديهم وتحالفت معهم على قتال الدولة بعد أن كانت تبرر تحالفها معهم بأنه لمجرد دفع الصائل النصيري.. فهل سمع الشيخ بجبهة الأصالة والتنمية أحد أهم مكونات مجلس الشورى الذي شكله الهراري مفتي الجولاني لقتال الدولة و التي تجهر بعقيدتها الجامية الجلدة، وهل غفلت غرفة العمليات عن جيش الإسلام أحد المكونات الأساسية للجبهة الإسلامية ( جبهة أبو خالد السوري) ومفتيه سمير الكعكي الذي يستعلن بعقيدته الجهمية في كتاباته، بل ويصف المقدسي بأنه من أهل الغلو، حتى أنهم لا يرون كفر جيش بشار فكيف بسائر طواغيت العرب…
وأمر آخر هنا .. يقول الشيخ بأن شرعي الدولة الذي راسله قد كذب عليه بادعائه أن أبا الحسن الكويتي قاضيا عاما للجبهة.. فنقول له بأن من كذب عليك هو وسيطك المعتمد الثقة فقد صرح أبو الحسن نفسه بذلك.. ثم وإن كان شرعيا ولم يكن قاضيا عاما فهل هذا يرفع القلم عنه وعن بيانك لطوامّه؟ وقد حاكمتَ الدولة على أنصارها فكيف بشرعييها.. ثم لماذا غفلت عن بيان حال الهراري المسؤول الشرعي العام لجبهة الجولاني والذي غدا أضحوكةً بتخبطاته وتصرفاته الغريبة وجهالاته بالشرع، أم أن غرفة العمليات لم يصلها نبأ نونيته وخطبته العصماء في المسجد الفارغ.. بل ولم يصلها أنه كان يكفر الإخوان المسلمين الذين “انتصفت” من العدناني لهم، ويكفر عموم الجيش الحر ثم غدا يقول عنهم أنهم على عقيدة تنظيم القاعدة وهاهو يتحالف اليوم مع المجالس العسكرية التي صرح الجولاني بتكفيرها في قتال الدولة ورفض الانصياع لأمر أميره الظواهري بوقف القتال بل ووصف الدعوة إلى الصلح مع الدولة بأنها “دروشة فكرية” .. ثم أين غرفة عملياتك من تهديد الهراري لأميره الجولاني بأنه سيصفه بالخيانة إن لم يرسل الجنود إلى الشرقية.. وكل هذا نُشر على الحساب الشخصي للهراري فأين غرفة العمليات من هذا الموتور؟؟

ولا يكاد ينقضي العجب من الشيخ المقدسي في خروجه بتلك النتيجه التي لها أثر كارثي على طبيعة علاقة الشيخ بساحة الجهاد ثم يظهر أن اعتماده في ذلك إنما هو على أربع رسائل مدّعاة بأنها لشرعيٍّ في الدولة لا يُعرف وزنه وصفته التنظيمية ومكانه.. هذا إن كانت حقيقةً هي من شرعيّ في الدولة.. وباقي المراسلات هي مع من وصفه الشيخ – مِن كيسه – بأنه “الشرعي المبرز” والذي هو في الحقيقة الشيخ المجاهد تركي البنعلي حفظه الله، علما بأن الشيخ تركي شرعيّ من الشرعيين الكثر في الدولة.. فبالله عليك أيها الشيخ أمثل تلك الرسائل تكفي بأن تحكم على تنظيم صغير فضلا على أن تحكم على الدولة الإسلامية في العراق والشام؟؟ وكما قيل.. تمخض الجمل فولد فأرا..

الوقفة الرابعة


المقدسي وإشكالية المصطلحات


أنكر الشيخ على الشيخ العدناني مآخذه على اصطلاحات الشيخ أيمن في خطاباته وإتكأ على هذا ليصف الدولة وقادتها بالسطحية وضحالة العلم والفهم .. إذ كيف يقفون عند هذه الألفاظ ويتصيدونها وهي لا غبار عليها شرعا …إلخ ولكن العجب هذه المرة بأن الشيخ وفي نفس البيان يصرح بأنه أنكر على الدولة استخدام لفظ “مولانا” في التقديم لخطابات أمير المؤمنين لأنه له دلالاته ثم يصرح بأنه وجد في قلبه على الدولة لأنها لم تتركه ولو من باب “المجاملة له”!!.. فما بالك أيها الشيخ “تضخم الأمور” وتقف عند ألفاظ “لا غبار عليها شرعا”.. ثم إنني أُحيل الشيخ على كتب ابن تيمية كإقتضاء الصراط المستقيم وعلى إعلام الوقعين لإبن القيم وعلى مقدمة شرح الطحاوية لإبن أبي العز وهو الخبير بهذه الكتب وكذا نحيله لكلام العالم الرباني أبي يحيى الليبي تقبله الله في رسالته “حرب المصطلحات” وغيرها مما كُتب في التحذير من خطورة الغزو الفكري الذي من أهم جوانبه تبديل وتحوير المصطلحات وخطورة مآلات ذلك، ولقد جاء الكتاب و السنة بالتشديد على عدم استخدام ألفاظ هي دون التي استخدمها الشيخ أيمن بكثير مثل راعنا وصلاة العتمة، فكيف بالألفاظ التي لها مدلولات خطيرة عقدية ومنهجية من لفظ الجماهيرية والشعبية وشركاء الوطن والحكومة المسلمة والتي هي رمادٌ تحته نار لاسيما إذا كانت في خطابات موجهة للأمة وفي مقام البيان للنوازل وأصبحت لغة متكررة في غالب هذه الخطابات مما يؤدي إلى ترسيخها في وعي السامع، فهل إنكار مثل هذا يُعد من السطحية وضحالة الفهم؟ فإن كنت تعتقد ذلك أيها الشيخ فاسأل شاخت وجولد زيهر وغيرهم من أساطين الغزو الفكري الصليبي اليهودي ليخبروك بأهمية وعمق هذا الأمر عندهم.. وأما أنها “لا غبار عليها شرعا” فلو أتى هذا الكلام من مثل راشد الغنوشي أو يوسف القرضاوي لكان أمرا متوقعا، أما منك فعجيب!



الوقفة الخامسة

المقدسي بين التأصيل والتنزيل


مما يحزنني أن أرى الفرق العظيم بين تنظير الشيخ وتنزيله وكيف هو يحذر من الجماعات المنحرفة أو العميلة ويحذر من السير مع الأغلبية المتردية ثم إذا به في ساحة الشام يغفل ذلك كله .. وسأنقل لكم بالنص تأصيلات للشيخ سيخالها القارئ أنها تأصيلات كُتبت عن ساحة الشام اليوم ولكن من “مقدسيّ” الأمس لا “مقدسي” اليوم .. فتأمّل أيها القارئ.

يقول الشيخ في الوقفة الثانية عشرة بعنوان “بين قتال النكاية وقتال التمكين” :

” هذان المقصدان : عبادة الله وحده ونصرة دينه بالنكاية في أعدائه ، فمن أجل ذلك يحيى المسلم وهذه أعظم وظائفه التي إن أقعده عنها المرض سأل الله المعافاة ليرجع إليها ..

وهذا النوع من القتال هو الغالب على قتال المسلمين في زماننا في أقطار الدنيا اليوم .. وهو وإن كان عملا صالحاً كما قلنا وله ثمراته الكثيرة التي ليس هذا مجال عدّها .. إلا أن هناك نوعاً آخر من أنواع القتال ، يجب على المسلمين تركيز جهودهم عليه وتوجيه طاقاتهم إليه ؛ ألا وهو قتال التمكين أو التحرير كما هو في مصطلحات العصر ، فهذا النوع يحتاجه المسلمون اليوم حاجة ماسة وفيه من النكاية في أعداء الله ما فيه إلا أن ثمراته لا تنحصر في النكاية أو تحرير بعض المستضعفين ونحوه كما هو شأن النوع الأول ، بل من أهم ثمراته التمكين للمسلمين في الأرض ، ومعلوم أن من أعظم مصائب أهل الإسلام اليوم أن لا تكون لهم دولة إسلامية تقيم دينهم في الأرض ويأوون إليها ..

وهذا النوع من القتال أعني القتال لأجل التمكين للمسلمين في الأرض أو تحرير بعض بلادهم من أيدي الطواغيت المتغلبين أو المحتلين الغاصبين يحتاج إلى إمكانات وشروط مختلفة عن قتال النكاية ، ويحتاج إلى خطة شاملة وواسعة يشترك فيها أولي البصر والدراية والخبرة من العلماء الربانيين والدعاة العاملين والمجاهدين الصادقين الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم ، بحيث يتولون أمر هذا الجهاد ويرعون نبتته حق الرعاية بأكفهم المتوضئة وتوجهاتهم النقية ونواياهم المخلصة إلى أن تينع ثمراته لتقطفها الأيدي ذاتها والنوايا والتوجهات نفسها لا غيرها ..

فلا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يجاهد المجاهدون الصادقون ويخلّصوا بجهادهم أو يحرّروا بعض بلاد المسلمين ؛ ليتسلق بعد ذلك على جماجم الأبطال ودماء الشهداء من يقطف ثمرة جهادهم من خلال الإحتكام إلى الديمقراطيات والإنتخابات أو غير ذلك من الطرائق الجاهلية التي تعتمد على الأكثرية المنحرفة والتي أوصلت إلى الحكم كل نطيحة ومتردية وموقوذة ، بعد جهاد طويل ومضنٍ للمجاهدين الصادقين ..

لماذا يستحيي المجاهدون المقاتلون الصادقون أنفسهم الذين دحروا الروس أو الصرب أو غيرهم في أفغانستان أو الشيشان أو البوسنة بقوتهم وجهادهم ؛ لماذا يستحيون أو يخجلون أو يستنكفون من تسلم أزمة الأمور بالقوة نفسها التي حرّروا بها البلاد ؟

أليسوا أولى الناس بتسلم أزمّة الأمور .. ؟

كم ساءني وأحزنني ما قرأته ذات يوم من كلام بعض قادة المجاهدين العسكريين البارزين في بعض البلدان حين سئل في لقاء صحفي ؛ أن هل سيتولى الحكم هو وأمثاله من القادة العسكريين في حال انتهاء حرب التحرير .. فأجاب بالنفي وأوضح أنه مجاهد وغايته قتال أعداء الله في أي مكان ( يعني فقط جهاد نكاية ) أما الحكم والسياسة فلها أهلها ونحن لسنا أهلها .. !!

هذا الكلام السخيف لا ينبغي أن يصدر عن مجاهد يحترم جهاده ويحترم دماء الشهداء وأعمار الشباب وطاقات الأمة التي شحنت في تلك الجبهات ، ويعرف مصاب الأمة بفقدها دولة الإسلام وحاجتها الماسة إلى دار تأوي إليها وتنطلق منها .. وهذا ليس تشكيكا مني في الأخ المذكور فلا أشك بأنه يعرف ذلك كله ويحترمه .. ولكن لا أدري ما باعث هذا الكلام أَوَرَعٌ بارد أم استنكاف أم تواضع في غير محله ؟؟

لماذا لا يكون في حسابات المجاهدين أن يتولوا الحكم وزمام الأمور بعد التمكين هم بأنفسهم الذين صدقوا في الميدان وثبتوا خلف المدافع وفي حقول الألغام .. ؟

أليس هؤلاء أخلص الناس وأنظفهم وآمنهم على الحكم ؟

لماذا يستنكف هؤلاء عن الحكم ؟

وإلى متى تبقى مشاريعهم لا تتعدى قتال النكاية وأُمْنية الاستشهاد ؟ وأي حرج أو أي مانع يمنع من تبني مشروعِ التمكين والسعي له مضافاً إلى النكاية وأُمْنية الإستشهاد ؟

أليس من الفقه السليم والواعي أن نعرف مقام ورود كثير من الآثار التي حكيت عن كثير من شهداء الإسلام من صحابة أو تابعين أو غيرهم ؛ من أنّ أكثر أمانيهم ودعواتهم كانت تنصبّ على أن يعقر جواد أحدهم ويكسر سيفه في جماجم الأعداء ويرزق الشهادة ؛ أنّ أكثر ذلك كان في ظل خلافة ودولة للمسلمين .. وأن الأماني والدعوات في حال عدم هذه الدولة يجب أن تتوسع لتشمل السعي إلى تحقيق عز الإسلام والتمكين للمسلمين ؛ مضافاً إلى تلك الأماني الأُوَل ..

ولماذا لا نكاد نفرح ببعض الجبهات التي تعدّى تفكير أهلها ومشروعهم قتال النكاية ووضعوا في حساباتهم السعي للتحرير أو التمكين ، إلا ويعكر صفو ذلك الفرح قيادات أو شخصيات نكدة مشوشة الولاء منحرفة التصورات متخبطة المنهاج يمنحهم القادة العسكريون من المجاهدين ولاءهم ، يجلسون خلف المكاتب لا في الخنادق وخلف المدافع ، وينتظرون قطف الثمار !! أو يخرجون لنا من صناديق الإقتراع التي يسلّم لها بعض المجاهدين ثمرة دمائهم وأرواحهم !!

أي نكدٍ هذا الذي تكرر مراراً مع المسلمين في تجارب شتى خلال حقبةٍ زمنية قصيرة في هذا العصر .. ولأجل ذلك لم يوفّقوا ولم يُمكّنوا رغم كثرة المخلصين والمجاهدين ووفرة المضحّين والشهداء ..

لماذا يجوز لدكتاتوريات وطواغيت ومجرمين وقتلة بل ومخانيث أن يقتحموا قصور الحكم في بلادنا على ظهر الدبابات ليحكمونا ويحكموا الأمة بأهوائهم وكفرياتهم ويدجّنوها ويطوّعوها لأوليائهم الغربيين والأمريكان ..

ولماذا جاز لمن كان قبلهم أن يتآمروا على الخلافة وينقلبوا عليها وينتزعوا الحكم من المسلمين ويحكموهم بأحكام المشركين بقوة السلاح .. ولا يجوز للمجاهدين المسلمين الموحدين ، أو يستنكف بعضهم ويتورعون من أن يتغلّبوا عليهم وعلى أمثالهم ، ويستردوا ما انتزع منهم ومن إسلامهم بالقوة نفسها فيطوّعوا العباد لله وحده ويخرجوهم من عبادة العباد ..

أيُّ تدجينٍ للهمم هذا ؟ وأي تخنيث للعزائم والعقول ؟

وأي انتكاس للأفكار يجعل المسلمين كالدجاج أو كالنعاج .. ويحظر عليهم في زمن القوة ما هم أولى الناس به من القوة والذبح والسيف الذي بُعث به نبيهم صلى الله عليه وسلم بين يدي الساعة حتى يعبد الله وحده ..

لا بد أن يعيد القائمون على الجهاد في بلاد المسلمين النظر في أهداف جهادهم وبرامج وخطط قتالهم ، ولا بدّ أن يحسموا في حساباتهم وبرامج هذا القتال ؛ أمر العمل لأجل التمكين للمسلمين في الأرض .

ولا بد مع ضرورة التركيز على ذلك وحث الخطا إليه ؛ أن يدرسوا ميادين قتالهم ويرجحوا الأنفع للمسلمين والأقرب إلى هذه الغاية المهمة ..

ولا بد أن ينتقوا قياداتهم بعناية ويراعوا فيها العلم بالشرع والوعي في الواقع والشجاعة والحزم والمبادرة وعدم التلكؤ أو التردد عن تولي زمام الأمور عند الحقائق .. حتى لا تذهب ثمرات جهاد المجاهدين سدىً أو يقتطفها من لا خلاق لهم .. ” (وقفات مع ثمرات الجهاد 48-50)

ما بالك أيها الشيخ الفاضل؟! أتُريدنا أن “نسيء الظن” بالجبهة الإسلامية – جبهة أبي خالد السوري – فنصفها بأنها جبهة منحرفة؟؟ ومن تقصد بـ”القيادات والشخصيات النكدة المشوشة الولاء والمنحرفة التصورات والمتخبطة المناهج” ؟ أتقصد الشيخ المجاهد زهران علوش أم تقصد القائد المجاهد المفضال حسان عبود صاحب ميثاق الشرف العظيم الذي كتبه “بمحض إرادته” كما يزعم؟؟ وعذرا أيها الشيخ .. أتريدنا أن نتفرّد بالساحة و”نفتئت” عليها كما فعلت “جماعة” الدولة فنُقصي هذه القيادات العتيدة؟؟ لقد صرّحنا على قناة الجزيرة بأننا “لانريد أن نحكم بل نريد للشريعة أن تحكم” .. فنحن وإن كنا لا ندري كيف أن “الشريعة ستحكم” ولكن بعد أن نحرّر مثلا 80% من الشام سنجتمع بأهل الحل والعقد في الأمة – وبإذن الله لن نُقصي أحدا من الأمة جمعاء – ثم نقرر كيف أن “الشريعة ستحكم” .. ولكن أيُعقل أيها الشيخ ما تقول بأن هناك قيادات ستتسلق على جماجم الأبطال وسيقطفون ثمرة الجهاد ونحن منشغلون بترتيب كيف أن “الشريعة ستحكم”؟؟

ألا يُعد هذا من إساءة الظن بالجماعات الجهادية واستعدائها بتخوّفات فارغة؟؟ وهل تتوقع أيها الشيخ أن تنقلب قيادات جهادية مزكّاة ومدعومة من الباب العالي كما انقلب من قبل سياف ورباني في الأفغان؟ أنسيت بركة الشام أيها الشيخ؟

ولكننا على كل حال أيها الشيخ فقد تحالفنا مع هذه الجبهات ولم نرَ منهم إلا خيرا .. فهم وإن خذلونا في يبرود والقلمون أمام النصيرية فإنهم لم يخذلونا في قتال .. عفوا دفع صيال “تنظيم” الدولة الغلاة المنحرفين .. وإن أصدروا ميثاق “الشرف” دون مشورة منا فإنما هو خلاف في السياسة الشرعية .. وما يُنقم على إخواننا فيه فإنه لا يعدو كونه “ألفاظ” حمّالة أوجه وقد يكون “لا غبار عليها شرعا” فما الفرق بين ” النصارى شركاء الوطن” و “دولة العدل والقانون و…” و”الاعتماد على العنصر السوري” فإنها كلّها حمّالة أوجه وإنما “تصيّدها” الغلاة المنحرفون .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.


الوقفة السادسة

المقدسي إذ ينزع عباءة “الشرعية” عن الدولة الإسلامية!!


وقد أشار إلى هذا الأمر الأخ أبو معاذ الأنصاري جزاه الله خيرا ولكني أقول هنا على رسلك أيها الشيخ.. فلو كان لأحد أن ينزع الشرعية عن فئة من المجاهدين لكان أولى الناس بذلك المنظّر الأكبر سيد إمام .. ومن كان عمدة في التأصيل للمجاهدين كسيد إمام صاحب “العمدة”؟؟ ولقد سمعنا منك أيها الشيخ أنك درّست في معسكرات المجاهدين بأفغانستان بطلب من سيد إمام الذي كان هو صاحب التزكية فيها.. فهل منعك ذلك من مخالفته وقبلها هل منع المجاهدين من الاستدراك عليه ومخالفته ..

ثم لمّا خرج سيد إمام ليطعن في تنظيم القاعدة ونهجهم وجهادهم ويستدل على بطلان طريقتهم بأنه هو من أصّل في التوحيد والجهاد ونظر للمجاهدين بكتبه وفتاويه وأعلن أنه يسحب الشرعية عن القاعدة والمجاهدين .. فماذا كان موقف القاعدة والتيار الجهادي منه؟؟

باختصارٍ .. تجاوزوه دون أيّ عناء يُذكر .. وطبقوا عليه الأصل العظيم عند أهل السنة “إنما يُعرف الرجال بالحق ولا يُعرف الحق بالرجال” ..

فأذَن لنا أيها الشيخ الفاضل أن نقول لك أنك لا تملك أنت ولا غيرك مهما بلغ من العلم والسابقة أن ينزع “الغطاء”! أو الشرعية عن دولة الإسلام ونترك الكلام للقائد الشهيد عطية الله الليبي ليُخبرك أيها الشيخ عن “شرعية” دولة الإسلام …

فقد سُئل تقبله الله : ” : الآن مثلا في العراق ، دولة العراق الإسلامية بُنيت على هذه المبادئ والقناعات التي تحدَّثتَ عنها ، من ضرورة إرجاع الحكم بالشريعة وإرجاع العلاقة بين المسلمين والكفار إلى صورتها الصحيحة دينا وشرعا كما أشرتم، يعني الولاء والبراء، خاصة المناصرة العسكرية الجهادية للمسلمين، والتبرأ من كل ما قد يعين الكفار اليوم في حربهم للإسلام، فهل صحيح أن هذه الدولة لم تحظ بالدعم الشرعي والشعبي اللازم؟

الشيخ عطية الله: لا ، أبداً، غير صحيح أنها لم تحظ بالدعم الشرعي والشعبي اللازم..!
هذا الكلام بهذا الإطلاق غير صحيح ولا منصف، بل إن “دولة العراق الإسلامية” تحظى بالشرعية المستندة إلى الحق الثابت المتقرر في الشريعة الإسلامية وفقهها، وتحظى بقدر طيب وكافٍ من الشعبية.
وإلا فأنا أسألك : ما هو معيار الشرعية؟ إذا كنت تقصد أنها إمارة شرعية غير خارجة عن الشرع، بل هي إمارة وولاية أقامها مسلمون مجاهدون في سبيل الله تعالى حصلت لهم شوكة وقوة في بعض بقاع الأرض فأقاموا إمارة واختاروا رجلا منهم بايعوه عليهم، وأقاموا ما قدروا عليه من الدين وأحكام الشريعة، وهم باذلون جهدهم في ذلك، وهم بحمد الله موثوقون أهل دين وصدق وجهادٍ في سبيل الله… فهذا والله كائن وحق، وهذا لاشك أنه معيارُ الشرعية الأساسيّ، وهذه الإمارة (الدولة) تثبت وجودها في الميدان وعلى الأرض، وتزداد قوة بحمد الله ووتتطور رغم كيد أعدائها الكبّار العظيم جدا.!

وأما الشعبية، وهي مما يدخل أيضا في اعتبار الشرعية، بوجهٍ من الوجوه، لأنها لو كانت مجرد حبر على ورق، لم تكن لها “شرعية” ، لأنها لا وجود لها على الأرض، يعني لا قوة ولا سلطة ولا نفوذ ولا قدرة على إنفاذ كثير مما تريد من إقامة الأحكام، حينئذ تكون عبثا، ولا اعتبار لها.
أقول أما الشعبية فدولة العراق الإسلامية لها شعبية كبيرة في مناطقها، ومعها جماهير عريضة : مبايعة أو مؤيدة ومتعاطفة، أو حتى داخلة تحت سلطانها بالرغبة والرهبة، درجات.
هي ولاية لها وجود على الأرض فعلي وواقعي، يفرض نفسه، وينفذ الأحكام، سلطتها وأمرها وكلمتها نافذة وعالية في مناطق واسعة وشاسعة من الأرض، ودعك من كلمة واسعة، اعتبرها حتى مناطق ضيقة، إن شئتَ..!

ولولا الشرعية والشعبية التي تتمتع بهذه دولة العراق الإسلامية، لما ثبتت كل هذه المدة مع عظيم الكيد وكبير المكر الذي تتعرض له، وقد رماها الأعداء عن قوس واحدةٍ، وقد خذلها الكثيرون ممن كان يُرجي منه نصرها.!
وهي صامدة وتزداد قوة بفضل الله وينضم إليها الناس والكتائب، وذلك بفضل الله أولا ثم بفضل التأييد من الشعب وعشائره وأكثر الطيبين الخيّرين منه، كيف ورجال الدولة هم في أغلبيتهم الساحقة من هذا الشعب وعشائره. (لقاء الشيخ عطية الله مع مركز اليقين)

وفي كلام عطية الله الشهيد نورٌ وبيان فلا يحتاج لتعقيب…

وأكتفي بهذا حول بيان المقدسي وإن كان عندي المزيد

والحمد لله رب العالمين

:: للتحميل ::
http://www.gulfup.com/?T85XEu



.
.

ادعوا لإخوانكم المجاهدين

لا تنسونا من صالح دعائكم

Created: 19 hours ago Visits:

ر
©

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s