شيخي الأسبق؛ هذا فراق بيني وبينك! للشيخ المجاهد/ تركي البنعلي [ردا على أبي محمد المقدسي ]


 

 


 

شيخي الأسبق

 

(هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ)

وقل ما بدا لك من بعد ذا *** وأكثر فإنّ سكوتي خطاب

فإنّي أبيت طلاب السفاه *** وصنت محلّي عمّا يعاب

 

 

تأليف: أبي سفيان تركي بن مبارك البنعلي

1435هـ – 2014م

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة:

الحمد لله الذي أمر بالقسط والإحسان، والصلاة والسلام على القائل: (حسن العهد من الإيمان)، وعلى آله وصحبه الذين زكاهم ربهم في محكم القرآن، أما بعد:

فإن الحق لم يترك لنا شيخاً إلا غربله، ولا طالباً إلا عطله! اللهم إلا القليل، الذين ثبتوا معنا على السبيل!

وقد كشفت لنا الأيام الأخيرة، عن حقائق صعبة خطيرة، فأقنعة تساقطت، ووجوه تكشفت!

ومن العجائب أن شيوخاً كانوا بالأمس ينادونني بـ: “شيخنا”، ويصفونني بـ: “العالم، والعلامة”! هكذا كانوا غلواً في المحبة، حتى صاروا اليوم يدرجون اسمي في قاموس السباب والشتائم، هكذا صاروا غلواً في البغض!

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -أُرَاهُ رَفَعَهُ- قَالَ: (أَحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ بَغِيضَكَ يَوْمًا مَا، وَأَبْغِضْ بَغِيضَكَ هَوْنًا مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ حَبِيبَكَ يَوْمًا مَا) [أخرجه الترمذي وصححه الألباني].

وقال بعض الحكماء: “لا تكن في الإخاء مكثراً ثم تكون فيه مدبراً فيعرف سرفك في الإكثار بجفائك في الأدبار“.اهـ

وقال آخر: “لا يكن حبك كلفاً، ولا بغضك تلفاً“.اهـ

وقال النمر بن تولب:

وأحبب حَبِيبك حبا رويداً *** لِئَلَّا يعولك أَن تصرما

وَأبْغض بَغِيضك بغضاً رويداً *** إِذا أَنْت حاولت أَن تحكما

والسبب في تحولهم المريب، وتغيرهم الغريب، هو انحيازي لدار الإسلام، وركونهم في ديار الكفر!

ومن هؤلاء كما بلغنا عنهم:

1-  عمر الحدوشي

2-  هاني السباعي

3-  طارق عبد الحليم

غير أنهم لم يحركوا فيّ شعرة، ولم أقابل نفرتهم إلا بنفرة! وعلى النقيض من ذلك حالي مع شيخي الأسبق أبي محمد المقدسي هداه الله، حيث أنه بموقفه الجديد حرك كياني، وحرّق وجداني!

حتى قال لي بعض خواص خلطائي لما بلغني شيء من ذلك: “والله لم أرك بت قط ليلة كهذه الليلة!”.اهـ

وما أجد وصفاً لحالي ساعتئذ إلا ما قاله عمرو بن العاص رضي الله عنه لما حضرته الوفاة: كأن على عنقي جبال رضوى، وكأن فِي جوفِي الشوك، وكأن نفسي تخرج من ثقب إبرة!”.اهـ [المنتظم في تاريخ الملوك والأمم 5/198].

وقد يتعاظم قولي هذا ويتجاسره من لا يعرف الآصرة القديمة بيني وبين شيخي الأسبق!

لَا يعرف الشوق إِلَّا من يكابده *** وَلَا الصبابة إِلَّا من يعانيها!

نعم؛ كنت أحبه حباً عظيماً، ولأجل هذا الحب راسلته في الآونة الأخيرة لأوضح له الحقائق، وأبين له الوقائع، فراسلته بثلاث رسائل، قلت له في إحداها: وأيم الله يا شيخي الحبيب لم أحرص على إيضاح الحق لأحد كما أحرص عليه معك أنت… نعم أنت يا شيخي، أم أنك نسيت الآصرة بيني وبينك”.اهـ

ولكن ما أحسن قول أبي الطيب المتنبي حين قال:

مَا كُلُّ مَا يَتَمَنَّى الْمَرءُ يُدْركُهُ *** تَجْرِي الرِّياحُ بِمَا لَا تَشْتَهِي السُّفُنُ!

وأحسن منه قول الله تعالى: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)) [القصص].

لذا فقد تزاحم موضع الحق في قلبي مع موضع شيخي الأسبق، فلفضه الحق خارجاً، ونطق لساني قائلاً: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)[الكهف: 78]!

وكتب: أبو سفيان السلمي

أرض الشام المباركة

1/شعبان/1435هـ

31/5/2014م

تمهيد –بين يدي الرد-:

من كان يظن أن صاحب: “القول النرجسي، بعدالة شيخنا المقدسي”، و“القول المسدد، في الدفاع عن شيخنا أبي محمد”، و“ترجمة الأسد، شيخنا أبي محمد”، و“كلنا أبناؤك”، و”أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون”، و“لا ضير شيخنا فلكم سجن ولهم سجين”… من كان يظن أن هذا الشخص سيرد على المقدسي يوماً؟!

من كان يظن أن الرجل الذي نافح عن المقدسي كتابة ومشافهة، حتى وصف بالغلو وتعظيم الرجل! من كان يظن أن هذا الشخص سيرد على المقدسي يوماً؟!

من كان يظن أن الرجل الذي شفع للرجل النصراني المأسور لدى تنظيم القاعدة في جزيرة العرب إكراماً للمقدسي، وقال لهم: “والله لو كلمني شيخي في جيش من النصارى لتركتهم له”! فقام أمراء التنظيم هناك بإطلاق سراحه لأجل ذلك! من كان يظن أن هذا الشخص سيرد على المقدسي يوماً؟!

من كان يظن أن الذي كان يراجع كتب المقدسي وأشرطته ويصوبها وينقحها! من كان يظن أن هذا الشخص سيرد على المقدسي يوماً؟!

لكن الرد قد أتى، وخرج من بين فرث ودم، فالراد قد ألجأ لذلك وأقحم، وما اختاره –يعلم الله-، غير أن العرب تقول: “مكره أخاك لا بطل”!

نعم؛ إن شيخي الأسبق أبى إلا أن أرد عليه، حيث أنه عرض بأميري في: “فقاساته”، فبت مهموماً حينها فرأيت فيما يرى النائم رداً علمياً عليه، وبأدلته، ولما قمت من نومي بدأت بتحبير ما رأيته تحت عنوان: “التهميش المنامي، في الرد على إمامي”.

ثم توقفت عن نشره لحق الشيخ علي مع أن أصحابي وطلابي استبشروا بذلك وطلبوه مني!

فإني أحفظ ما أخرجه البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: (مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ، وَلَقَدْ هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي بِثَلاَثِ سِنِينَ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَلَقَدْ أَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ ثُمَّ يُهْدِي فِي خُلَّتِهَا مِنْهَا)، وقد بوب إمام المحدثين عليه، فقال: “بَابٌ: حُسْنُ العَهْدِ مِنَ الإِيمَانِ“.

وأحفظ كذلك ما أخرجه الإمام الحاكم في المستدركعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءَتْ عَجُوزٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ وَهُوَ عِنْدِي، فَقَالَ: لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: (مَنْ أَنْتِ؟) قَالَتْ: أَنَا جَثَّامَةُ الْمُزَنِيَّةُ، فَقَالَ: (بَلْ أَنْتِ حَسَّانَةُ الْمُزَنِيَّةُ، كَيْفَ أَنْتُمْ؟ كَيْفَ حَالُكُمْ؟ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا؟) قَالَتْ: بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَلَمَّا خَرَجَتْ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الْإِقْبَالَ؟! فَقَالَ: (إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَنَ خَدِيجَةَ، وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ).

تنحَ عن القبيحِ ولا تَرِده *** ومن أوليته حسناً فزده

ستكفى من عدوكَ كل كيدٍ *** إذا كاد العدو ولم تَكده

ومن زيادة إحساني له أنني وقبل أيام خلت رددت على من وصفه بـ”شيخ السلمية والقعود”، ونافحت عنه في ذلك، كما أشار شيخي الأسبق نفسه إلى ذلك في هامش ص10 من بيانه بطريقة محبوكة منه للتحريش بيني وبين إخواني!

ولم يكتف المقدسي بـ”فقاساته” بل تهجم على منجنيق دولة الإسلام أبي محمد العدناني في رسالة مستقلة!

ثم شفع ذلك برسالته التي وسمها بـ: “رد سهام اللئام…”، والتي تبرأ فيها مني!

فشخصت أعين إخوة المنهج في كل مكان نحوي: “هل من رد؟! هل من رد؟!”.

فاكتفيت إجابة عليهم بقولي: “شيوخنا؛ بغوا علينا”!

مما زاد من جرأته علينا أكثر فأنزل “بيانه” الذي وصفه بأنه بمثابة نزع الشرعية عن الدولة الإسلامية في العراق والشام! –كما في ص5-8-12-.

وليت شعري: متى أثبت الشرعية لها حتى تنزعها؟!

قد كتبت يا شيخي الأسبق رسالة مستقلة في نصرة المجاهدين في أفغانستان، وأخرى لنصرتهم في الشيشان، وأخرى لنصرتهم في اليمن، وأخرى لنصرتهم في غزة، وأخرى لنصرتهم في الصومال، وأخرى لنصرتهم في المغرب الإسلامي، ولكنك لم تحبر وريقة خاصة في نصرتهم في العراق قط!

بل قد أرسل لك أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي حفظه الله يخبرك بأنه يستطيع أن يحملك حملاً إليهم، فتعذرت حينها، مع محاولتك النفير مراراً آنذاك إلى غزة أو خراسان!

فبعد هذا وذلك لم يسعني السكوت، فلست شيطاناً أخرساً، ولله در أبيالطيب المتنبي حين قال:

وجاهِلٍ مَدَّه في جَهْلِه ضَحِكي *** حتّى أتَتْه يَدٌ فَرّاسةٌ وفَمُ

إذا رأيت نُيوبَ اللَّيْثِ بارِزةً *** فلا تَظنّنَّ أنَّ اللّيثَ مُبْتَسِمُ!

وما مثلي ومثلك في نصرتي للحق ودولته، إلا كمثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيوخه في نصرته للحق ودولته!

قال أحمد زيني دحلان مفتي مكة في تاريخه تحت فصل فتنة الوهابية: “كان -أي الشيخ محمد بن عبد الوهاب- في ابتداء أمره من طلبة العلم في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكان أبوه رجلا صالحا من أهل العلم وكذا أخوه الشيخ سليمان، وكان أبوه وأخوه ومشايخه يتفرسون فيه أنه سيكون منه زيغ وضلال لما يشاهدونه من أقواله وأفعاله ونزغاته في كثير من المسائل، وكانوا يوبخونه ويحذّرون الناس منه، فحقق الله فراستهم فيه لما ابتدع ما ابتدعه من الزيغ والضلال الذي أغوى به الجاهلين وخالف فيه أئمة الدين، وتوصل بذلك إلى تكفير المؤمنين!…“.اهـ [الفتوحات الاسلامية ٢/٦٦].

إلى أن قال: “وكان كثير من مشايخ ابن عبد الوهاب بالمدينة يقولون: سيضل هذا أو يضل الله به من أبعده وأشقاه، فكان الأمر كذلك!…”. اهـ. [المصدر السابق ٢/٦٧].

ثم قال: “وممن ألف في الرد على ابن عبد الوهاب أكبر مشايخه وهو الشيخ محمد بن سليمان الكردي مؤلف حواشي شرح ابن حجر على متن بافضل، فقال من جملة كلامه: يا ابن عبد الوهاب إني أنصحك أن تكف لسانك عن المسلمين!”. اهـ [المصدر السابق 2/69].

ولما رأى بعض طلابي النجباء شيئاً من كلام بعض شيوخي فيّ، أرسل لي مواسياً ومؤانساً: “أقول لك شيخي الحبيب اثبت وإني لأزعم أن ذلك خير لك بإذن الله.

ووالله إن الله لن يخذلك، بل والله إنه لناصرك وإنه لمنزلك شأنا عظيماً.

وأظن أن الله قدر ذلك حتى لا يكون لأحد فضل عليك سواه“.اهـ

وقال لي آخر: “لقد صنع بك المقدسي اليوم، كما صنع بالزرقاوي بالأمس، فاصبر فإن تلك عادته“!

وهل أنا مسرور بقرب أقاربي *** إذا كان لي منهم قلوب الأباعد؟!

شيخي الأسبق قد كنت سابقاً تقول عني: “ونحن اليوم مع فارس من فرسان التوحيد وذباح من ذباحي شبهات أهل التجهم والتنديد؛ طالعت أغلب كتاباته فوجدته فتى ألمعيا نشيطا لا يكل ولا يمل في دحر شبهات مرجئة العصر؛ يتتبعها حيث كانت، ويقلب حجج منتحليها على رؤوسهم يناظرهم كتابة ومشافهة وخطابة؛ نشرنا له في منبرنا أكثر من كتاب، وفي الطريق المزيد؛ وسننشر له كافة كتاباته إن شاء الله…”

وتقول: “فأجزته في تدريس كافة كتاباتي لما رأيت فيه من همة عالية ونصرة للدين والتوحيد والجهاد والمجاهدين؛ فلا ينبغي أن تقابل مثل هذه الهمة إلا بالتشجيع والنصرة والتأييد، وإذا كان يحق للشيخ أن يفاخر ببعض طلبته فأنا أفاخر بهذا الأخ الحبيب؛ وفقه الله لما يحب ويرضى وسدده لاتباع أحسن ما أنزله إلينا…”.اهـ [الكوكب الدري المنير ص4].

وتقول: “ثم بدا لي بعد ذلك أن أنتخب بعض تلامذتي النجباء وأحبابي الأصفياء للقيام بذلك ليحوزوا على شرف المساهمة في نصرة إخواننا في غزة.. فوقع اختياري على بطل منهم صنديد وفارس من فرسان التوحيد طالما تصدى لشبهات أهل التجهم والإرجاء في بلده وفي غير بلده.. وله في هذا الباب صولات وجولات…

فانتخبته وانتخيته لذلك…”.اهـ [الصارم المسلول ص5].

وأنت اليوم تطعن بي وتتبرأ مني دون سبب! إن أبا سفيان اليوم هو أبو سفيان الأمس، وأما نصرتي للدولة الإسلامية فليست وليدة الساعة، بل إن اليد التي كتبت: “مد الأيادي؛ لبيعة البغدادي”، و”خط المداد؛ في الرد على الدكتور إياد”، و”الثمر الداني؛ في الرد على خطاب الجولاني“، و”تبصير المحاجج؛ بالفرق بين رجال الدولة الإسلامية والخوارج“، هي هي اليد التي كتبت رداً على حامد بن عبد الله العلي فيما تفوه به حول الدولة ومشروعيتها وشروطها إبان قيامها.

وهي التي كتبت المحاجة التاسعة في الذود عن الدولة الإسلامية ضمن رسالة: “بزوغ الفجر؛ بالمحاجّات العشر”، في عام 1430هـ

وهي التي كتبت: “عبرات العبير؛ في رثاء أمير المؤمنين والوزير“, وكذا: “وقفات وخواطر؛ مع ذكر أمير المؤمنين العاطر” كلاهما في عام 1431هـ.

وهي التي كتبت نصيحة لأهل ليبيا في ظل ثورتهم عام 1432هـ، ونصها: “فإن كنتم مقتدين يا أبطال الثورة الليبية، فنعم القدوة لكم: دولة العراق الإسلامية، فإنها لم تأخذ بالرخص أو القول المسفسط، ولم تمسك بالعصا من الوسط، ولم تداهن في قول أو عمل، ولم تكترث للوم الهمل، حتى رماها الناس عن قوس واحدة، واجتمعت عليها الفرق الحاسدة؛ فالأمريكان عدو، والشرطة العراقية عدو، والجيش العراقي عدو، والرافضة عدو، و”الصحوات” من الأعراب والبدو، شر عدو.. إلخ

أضف إلى ذلك سيل الفتاوى والبيانات، لكثير من العلماء والجماعات، في تخطئة الدولة والخلاف، والظلم لها والإجحاف، فثبتت ثبات الجبال، أمام أشرس الصعاب وأشد زلزال.

قامَ للإسلامِ صرحٌ في بلاد الرافدين *** دولةُ الإسلامِ تبقى رغمَ أنفِ الحاقدين

مرت الأعوامُ خمساً في تحدٍ وصمود *** كم تخطينا صعاباً كم كسرنا من قيود؟!

كم قطعنا من رؤوسٍ كم فللنا من حديد؟! *** كم بذلنا من نفوسٍ كم فقدنا من شهيد؟!

نحن إن ننزل بساحٍ ساء صبح المنذرين *** نحن بالذبحِ أتينا نسحق الكفرَ اللعين

نحمل القرآن جئنا نفرض التوحيدَ دين *** نقتفي نهجَ الرسولِ والصحابِ الأكرمين

وإني لأشهد: أنني لم أر مثلها في الحفاظ على بيضة المسلمين والسد، كما أنني لم أسمع في العصر الحديث عمن هو أوضح منها في الحق وأشد، ولا والله لا يزاحمها في قلبي من المعاصرين أحد..”.اهـ [يا أهل الفلاح أوقد وضعتم السلاح ص9-10].

فأبو سفيان لم يتغير، ولكن موقفكم منه تغير، فما عدا عما بدا؟!

فإن كنت معذوراً في موقفك هذا وتغييره، إذن فالأمير الصنعاني صاحب كتاب سبل السلام أعذر منك في موقفه من الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتغييره، حيث قال ابتداء فيه قصيدة، مطلعها:

سلام على نجد ومن حل في نجد *** وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي

ثم ذُكر تراجعه عن تلك القصيدة بقصيدة، مطلعها:

رجعت عن القول الذي قلت في النجدي *** فقد صح لي عنه خلاف الذي عندي

ظننت به خيرا فقلت عسى عسى *** نجد ناصحًا يهدي العباد ويستهدي

لقد خاب فيه الظن لا خاب نصحنا *** وما كل ظن للحقائق لي يهدي

فالصنعاني بعيد عن ابن عبد الوهاب، غير أنك قريب مني، أعرفك وتعرفني!

المحور الأول: بعض الملاحظات على بيان شيخي الأسبق:

الملاحظة الأولى: اعتمد المقدسي في بيانه وصفي بـ “الشرعي المبرز”، أو “شرعيهم المبرز”، وأما وصف “أحد شرعيهم”، فاعتمده عند النقل عن غيري.

ولي على ذلك تعقيبان:

أما الأول: فلست بالشرعي المبرز فيهم، بل هناك عشرات الشرعيين المبرزين في الدولة الإسلامية، بل منهم من يصلح شيخاً لي!

وأما الثاني: فمن هو “أحد شرعيهم” هذا؟! من هو الذي تعارض أقواله بأقوالي؟! وتحاول جاهداً أن توجد التناقض بين ما أقرره ويقرره؟! سمه لنا إن استطعت، حتى نعتد بقوله أو نأخذ على يده!

الملاحظة الثانية: قام المقدسي بالنقل من بعض رسائلي له، ولم يكتف بذلك بل أقحم جوانب من (دردشتي) الخاصة مع المشرف على منبر التوحيد والجهاد!

ولكي يتضح الأمر أكثر، لابد أن يُعلم أن المشرف على منبر التوحيد والجهاد هو أحد أصحابي منذ سنين، وكان بيننا ما يحصل بين الأصحاب من خلجات وولجات، غير أني لحظت عليه تغيراً في الآونة الأخيرة؛ فبالأمس القريب كان لا يخاطبني إلا بـ “شيخنا”، ثم صار يخاطبني بـ “الشيخ”، ثم بعدها بـ “أخي”، وأخيراً: “فلان”، لذا اضطررت أن أنبهه على أمر بديهي عند أهل المروءات! ألا وهو: “أن المجالس أمانات“، وكذا فإني قلت له يوماً: “لا أخفيك أني بت لا آمن أن أسر لأحد بسر عبر وسائل التواصل الاجتماعي”! وما ذاك إلا لكثرة التسريبات بين الإخوة، والبتر والاجتزاء من الكلام بما يوافق هوى الخصم!

وَلا خَيرَ في خِلٍّ يَخونُ خَليلَهُ *** وَيَلقاهُ مِن بَعدِ المَوَدَّةِ بِالجَفا

وَيُنكِرُ عَيشاً قَد تَقادَمَ عَهدُهُ *** وَيُظهِرُ سِرّاً كانَ بِالأَمسِ قَد خَفا

ولقائل أن يقول: “وهل في ذلك من بأس إن كان ذلك ما تدين الله به؟!”، أقول: نعم، فذاك ما أدين الله به، ولكني لو علمت أنه سيُنشر لحبرته تحبيراً!

عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ: (لَوْ رَأَيْتَنِي يَا أَبَا مُوسَى وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ الْبَارِحَةَ لَقَدْ أُعْطِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ) قَالَ: قُلْتُ: أَمْ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتَ أَنَّكَ تَسْمَعُ لِقِرَاءَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا! [أخرجه البيهقي وغيره، وأصله في الصحيحين].

ورحم الله أحد أشياخي حين حدثني بقصة وقعت لبعض أهل المروءات، قال: أتى أحد المحتالين لرجل، فقال له: أتعيرني فرسك ساعة أذهب في حاجة وأعود؟ فأجابه بالإيجاب، ولما استوى المحتال على ظهر الفرس؛ قال: “قد سرقتك”! فقال الرجل: “على رسلك، لا تخبر أحداً فتموت المروءات”!

الملاحظة الثالثة: ليت المقدسي ساق (دردشتي) كاملة مع المشرف إن كان ولا بد! فإن ذلك خير له من البتر وإخراج الكلام من سباقه ولحاقه، حتى يتوهم القارئ لبيانه أن مشرفه قد حجنا لا العكس!

ومثال ذلك قوله: “ثم بعد ذلك أرسل المشرف على منبرنا ردا عليه جاء فيه:( … ثم كيف لكم أن تلزموا الناس بما لا تلتزمه الدولة … فالدولة لا تقدم نفسها لغاية الآن على أنها خلافة، فكيف تلزمون خصومها بالتحاكم لديها كونها دولة خلافة وتشبهونها بدولة النبوة ودولة أبي بكر وعمر وبخلافة الأمويين والعباسيين؟!

كما أن الشيخ يدعوكم إلى دراسة الفروقات بين القضاء والتحاكم.

وأحسب أن شيخنا المقدسي سيعمل على نزع الشرعية من كل من يرفض النزول لحكم الشرع، وما أظن أن مثله يلتفت لتشغيب أعلام فضلا ان يلتفت لتشغيب مجاهيل جهال …)أهـ.

فجاء في رد شرعيهم المبرز على هذا الرد أثناء مناقشة جرت بينه وبين مشرفنا، أنقل طرفا منها مع ذرائع أخرى تذرع بها ليرد المبادرة:

(والذي رفع السماء بغير عمد نحن دولة، فكيف توجبون علينا التحاكم لمحكمة مستقلة؟!)”.اهـ [ص12-13].

ولم يذكر المقدسي أن المشرف قال لي بعدها متسائلاً: “يا أخي … وماذا يفعل من لا يرى الدولة أنها دوله شرعية؟”

وإجابتي عليه بقولي: “يأتي وينظر لها بنفسه، أو يبعث مندوبا!”.اهـ

ومثيلات ذلك كثيرة، غير أني لن أنزل بردي حتى أحاكي القوم في نقل “قيل وقال”!

الملاحظة الرابعة: حاول شيخي الأسبق أن يتهمني في بيانه بكل نقيصة، ويخصني من الشر بكل خصيصة، ومن ذلك:

أولاً: اتهامه لي بالكذب، وذلك في مثل قوله: “أما الكذب… فهو في قوله أني أعلنت مبادرتي..”.اهـ [ص9].

وليت شعري متى قلت ذلك؟! كل الذي قلته في رسالتي له: “حيث صدقت عددا من التهم غيابيا ثم سارعت إلى إنشاء مبادرة وإعلانها دون التأني والتثبت والتحقيق”.اهـ

فكلامي واضح حول حصول المسارعة، والمسارعة قد حصلت في إنشاء المبادرة، وكذا قد حصلت في إرادة نشرها حيث قال لي مشرف المنبر متعجلاً الرد لإعلان المبادرة: وهل تقدر على ذلك اليوم -أخيفقد طال الأمر كثيرا من يوم أرسلت الرسالة!”.اهـ

والمسارعة إلى إعلان المبادرة واضحة في رفضهم لطلبي أن يتريثوا حتى يخرج من السجن إذ لم يبق لسجنه إلا شهراً واحداً تقريباً، ومن ذلك قولي لمشرف المنبر: “دعه يخرج ونكلمه“. فقال لي: “طيب الآن كيف نفعل أخي؟” فقلت له: “الآن ننتظر خروجه!”، فقال لي متشائماً: “يا أخي أنت تعلم أنه لن يخرج! وما كانوا ليخرجوه!”، فقلت له: “سيخرج بعد شهر ونصف، أنا أعد لخروجه من أول يوم دخل السجن! أم نسيت أنه شيخي؟!”

وكذا دعوت له في ختام بعض رسائلي له فقلت: “اللهم عجل بفكاك أسر شيخي حتى يلحق بنا ويتبين من الأمور بنفسه، ويقف عليها ويغربلها.. آمين“.اهـ

ومع كل ذلك إلا أن التأني لم يسعفهم وأبى إلا العجلة، ثم يتهمني بالكذب، وليت شعري: كيف يصح عقلاً أن أكذب عليه في فعل هو المعني به في رسالة سرية بيننا؟!

ثانياً: اتهامه لي بالجهل، ومن ذلك قوله: “أما الجهل… فهو في قوله: (..إنشاء مبادرة وإعلانها دون التأني والتثبت والتحقيق..)، والصحيح أن مبادرات التحكيم هي من أجل التثبت والتحقيق، ثم رد الحقوق لمن يثبت له حق، وأخذه ممن وقع في الظلم والبغي”.اهـ [ص10].

وكلامه هو الجهل! حيث جعل مصطلح المبادرة مرادفاً لمصطلح التحكيم، وليس الأمر كذلك؛ بل إن المتتبع لحال المبادرات اليوم يجدها إما محكمة أو تحيكماً أو صلحاً أو غير ذلك، وكل مبادرة لها بنود وشروط، وصياغة بنودها وشروطها متوقف على خلفية واضعها وعلمه للحقائق من عدمه، ولأجل ذلك طالبناه بالتأني والتثبت والتحقيق، حتى لا يكون في مبادرته بنود أو شروط جائرة، فإن أبى إلا المسارعة وعدم التأني والتثبت والتحقيق –كونه جهل- فلا أقل من أن يطلعنا عليها حتى نقبل أو نرد وفق الضوابط الشرعية، وهذا ما لم يسعفه أيضاً فراح يثرب ويعتب علناً!

ثم إذا كانت المبادرات كلها بمعنى واحد، فما الفرق إذن بين مبادرة الأحمد ومبادرة المحيسني ومبادرة المقدسي؟! أم هو التكرار فحسب؟!

فإذا تقرر هذا وأن مصطلح المبادرة لا حد له ولا تعريف، تقرر وجه وتخريج وصفنا المبادرات بالبدعية! إذ أنه لم يسبقهم إلى ذلك أحد من السلف! وقولي بذلك سبب ظاهر في تحامل شيخي الأسبق عليّ وتغير نبرته معي في رسائله الأخيرة، وقد صرح لي مشرف المنبر فقال: والشيخ مستاء أنك وصفت مبادرته بالبدعية، بل أنك وصفت كافة المبادرات التي تدعو للتحاكم بالبدعية، وأنا الذي أستغرب أن تصف مبادرة شيخنا بالبدعية!”.اهـ

وقال شيخ المنبر كذلك خالطاً بين المصطلحين –المبادرة والتحكيم-: “ثم يسمي دون خجل دعوة الصادقين لتحكيم شرع الله في هذه النوازل العظام عبر محاكم شرعية مستقلة ترد المظالم.. بمبادرات بدعية!!! فهل تحقيق أمر الله تعالى عند التنازع بدعة؟!!”.اهـ [ص12].

وتأمل هاهنا زيادة على خلطه بين مصلح المبادرة البدعي وبين التحكيم، تأمل كذلك خلطه واضطرابه في مسألة التحكيم والمحكمة! فهناك يقول: “التحكيم هي من أجل التثبت والتحقيق”، وهنا يقول: “محاكم شرعية مستقلة ترد المظالم”!

ثم يتهمنا نحن بما وقع فيه فيقول: “إن كان مفتيهم المبرز يجهل الفرق بين التقاضي والتحكيم!! فكيف لهؤلاء أن يقيموا دولة خلافة ؟!!”.اهـ [ص11], حقاً: رمتني بدائها وانسلت!

ومن المواطن التي رماني فيها بالجهل أيضاً قوله: “فهو في قوله مجازفة منه وجهلا: “أنه سيقضي بنحو ما يسمع!!!”. وهل في ذلك منكر من القول وزور.. وهل المسلمات في القضاء والتي قال بوجوبها الجمهور وجاء بها صريح المنطوق وصريح المعقول بقوله صلى الله عليه وسلم “إنما أقضي على نحو ما أسمع” متفق عليه، تكون ذريعة لرد التحاكم لشرع الله !!”.اهـ [ص16].

ولا أدري كيف فهم من قولي ما راح يؤصل خلافه، أهو جهل منه أم تجاهل؟!

إن سياق جملتي هذه هو أن المشرف لما ذكر حكم المقدسي وتعجبه من عدم مسارعتنا إلى قبوله، قال لي: “يا أخي … وهل تظنوه يحيف عليكم؟” فقلت له: “سيحكم بنحو ما يسمع”، ثم أكملت التسلسل الطبيعي للوصول إلى النتيجة الفاسدة، فقلت: “وهم ألحن بالحجة منا؛ فهم يحسنون الخداع والكذب” ثم تمنيت أمنية فقلت: “ليت شيخنا يسمع منا”.اهـ وهذا السياق قد نقله المقدسي نفسه كما في ص13-14.

وإن أبسط الناس فهماً وإدراكاً يعلم من هذا السياق أني أعني بكلامي ذاك تبرئة ساحة شيخي الأسبق من الحيف والظلم، وأنه حتى لو حكم لهم علينا فإن ذلك راجع إلى أن خصوم الدولة الإسلامية أهل مكر وخداع وكذب، زد على ذلك أني كنت أظن أن رسائلي لا تصل إليه لذا تمنيت أن يسمع منا، وهذا تعريض للمشرف بأن شيخي الأسبق لو سمع مني لبان له الحق!

ويعلم الله الذي لا إله إلا هو ما قلت تلك العبارة إلا لإحسان ظني في شيخي الأسبق وأن الخلل ليس منه بل من خصوم الدولة الإسلامية الكذابين –أولاً-، ومن الذين يوصلون له رسائلهم دون رسائلنا –ثانياً-، وليس الأمر ما تعسف شيخ المنبر أن يثبته عليّ!

ثم يعلم الله الذي لا إله إلا هو وجميع إخواني في المضافات والمعسكرات أنهم حينما يسألونني عن رسائل المقدسي التي ينتقد فيها الدولة الإسلامية، أقدم لهم بين يدي الإجابة على ذلك السؤال: أن من يطعن في مشروعنا إما أن يكون بناء على أصوله الفاسدة، وإما أن يكون بناء على النقل الفاسد الذي يصله…

ثم أبدأ بتبرئة شيخي الأسبق من الحيف والظلم كما أبرؤه من الضلالة والغواية، ثم أزعم أن مخالفته لنا بناء على ما يصله من نقل وأقول لهم: (إنما أقضي على نحو ما أسمع) [متفق عليه]!

هكذا ألتمس له العذر، لكن هذا كان سابقاً، أما اليوم فبت لا أشك أنه سيحيف!

ومن المواطن التي أراد أن يثبت فيها جهلي أيضاً، قوله: “والثانية بقوله: إن الأمر أكبر من أن يحكم به رجل!!!

قلت: وهل في شرعنا يحكم العشرة والخمسة عشر!!

لأن القضية أكبر من أن يحكم بها رجل !!!.

أم ان الذي ورد.. قضاء الرجل وله أن يستشير .. وحكم الرجلين وعند الاختلاف الترجيح .. سبحان الله ..جهل حتى في بديهيات القضاء“.اهـ [ص15-16].

وهذه سذاجة في لي كلامي وتحميله غير مرادي، فإن الاستعظام والاستبعاد ليس في كون الحاكم رجل واحد، ولكن في كون المحكوم عليه دولة كاملة! لذا فإني قلت في إحدى رسائلي له: “بينما الدولة هي الدولة، وهل سمعت قط أن دولة النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو دولة الخلفاء الراشدين أو دولة بني أمية أو دولة بني العباس أنها تحاكمت إلى شخص مستقل؟!

أم أن محاكمها هي التي تحكم في الأشخاص المستقلين وغيرهم؟!

أليس القضاء في الشرع جهة مستقلة؟!”.اهـ [وقد نقله عني كما في ص9].

ثم لو سلمنا جدلاً أن الاستعظام والاستبعاد واقع على الرجل لا على الدولة، فهو ذلك الرجل الذي قلت فيه: “لاسيما وإن كان له أقوال سابقة معارضة لمشروع إقامة الدولة“.اهـ [وقد نقله عني كما في ص13].

وعجبي لا ينقضي من هذا التحول الذي وقع على شيخي الأسبق! إذ كيف يرميني بالجهل وهو هو من نصبني مفتياً في منبر التوحيد والجهاد، بل وجعلني خليفته في لجنة الإفتاء؟!

ثالثاً: اتهامه لي بالاستبداد والتزوير، ومن ذلك قوله: “وأما الاستبداد والتزوير … فهو في زعمه بأنهم دولة خلافة! كالعباسيين والأمويين لا بل كدولة النبوة!!! وكخلافة أبي بكر وعمر!!”.اهـ [ص10].

وأما هذا الذي يسميه استبدادا وتزويراً فنحن لم نزعم ذلك، غير أننا قسنا، والقياس كما عند بعض أهل الأصول ينقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قياس الأولى، وقياس المساواة، وقياس الأدنى أو الأدون [انظر على سبيل المثال: التحبير شرح التحرير 7/3298].

فما الضير يا شيخ المنبر أن نقيس دولتنا على دولة النبوة والخلفاء الراشدين، من باب قياس الأدنى على الأعلى؟!

ثم إنني قد بينت ذلك في رسالتي الموسومة بـ: “القيافة؛ في عدم اشتراط التمكين الكامل للخلافة”، مما يغني عن الإعادة هاهنا، فليراجعها من شاء.

الملاحظة الخامسة: أعاد المقدسي كلام الدكتور أيمن الظواهري في محاولة إثبات بيعة أمير الدولة الإسلامية لأمير تنظيم القاعدة كما في ص19-20، وهو محض تكرار ممجوج لا أكثر!

ومن المعلوم أن البيعة عقد كسائر العقود، تفتقر إلى صيغة إبرام، وهو ما يُعرف عند الفقهاء بالإيجاب والقبول، جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية 12/215: “لِذَلِكَ كَانَتِ الصِّيغَةُ أَوِ الإْيجَابُ وَالْقَبُول رُكْنًا فِي جَمِيعِ الْعُقُودِ، سَوَاءٌ كَانَتْ تِلْكَ الْعُقُودُ مُعَاوَضَاتٍ: كَالْبَيْعِ وَالإْجَارَةِ، أَوْ تَبَرُّعَاتٍ: كَالْهِبَةِ وَالإْعَارَةِ، أَوِ اسْتِيثَاقَاتٍ: كَالرَّهْنِ، أَوْ مَا تَكُونُ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً وَمُعَاوَضَةً انْتِهَاءً: كَالْقَرْضِ، أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْعُقُودِ كَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ”.اهـ [انظر على سبيل المثال: ابن عابدين 2 / 262 وما بعدها، 415، 4 / 5 وما بعدها، 171، 339، 483، 502، 508، 5 / 3، والقوانين الفقهية ص 200، 232، 250، 371، 378، ومغني المحتاج 2 / 3 وما بعدها 117، 217، 121، 222، 264، 310، 232، 397، وكشاف القناع 3/146، 312، 314، 322، 461، 508، 547، 4 / 62، 298 و 5/37].

ولم ترد صيغة لهذه البيعة المزعومة بين أمير الدولة الإسلامية وأمير تنظيم القاعدة، ووالله لو وجدت لما توانى الظواهري من تلاوتها في صدر شهادته، فتأمل!

وكل ما أتى به الظواهري وأعاده المقدسي هو من الكناية لا الصريح، فالصريح أن يقول: “بايعتك..”، أو “أبايع..”، أو نحوها كما في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه.

ولم يستطع الدكتور أن يأتي بذلك ولن يستطيع، لذا قال الشيخ المجاهد أبو محمد العدناني حفظه الله في رده عليه: “إن خلاصة الأمر: أن الخلاف بين الدولة الإسلامية وبين قيادة تنظيم القاعدة: خلاف منهجي، كما قال أمير التنظيم في لقائه الأخير مع مؤسسة السحاب، هذه هي القضية، وليس بيعة مَن لـمَن، ومرجعيّة مَن لمن، والتي أجهد أمير تنظيم القاعدة نفسه لإثباتها ولم يثبتها، ولن يثبتها“.اهـ

ولذا فإننا نقول كتحرير للمسألة التي طال الحوار فيها؛ إن الكناية في العقود تفتقر إلى أحد أمرين: إما إلى نية العاقد، وإما إلى القرائن المحتفة به.

فهلا جاءنا الظواهري أو المقدسي بنوايا أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي والناطق الرسمي أبي محمد العدناني ومسؤول الإعلام والبريد في الدولة الإسلامية؟!

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصود في العقود معتبرة، وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده قضاء، وفي حله وحرمته ديانة، بل أبلغ من ذلك، وهي أنها تؤثر في الفعل الذي ليس بعقد، تحليلا وتحريما؛ فيصير حلالا تارة، وحراما تارة أخرى باختلاف النية والقصد، كما يصير صحيحا تارة وفاسدا تارة باختلافهما”.اهـ [إعلام الموقعين 3/109-110].

وقال أيضا: “القصد روح العقد ومصححه ومبطله؛ فاعتبار القصود في العقود أولى من اعتبار الألفاظ…”.اهـ [إعلام الموقعين 3/82].

وإن عجز القوم عن إثبات النوايا والقصود، فتعين الصيرورة إلى القرائن المحتفة بهذه الكنايات والألفاظ المحتملة، ومن القرائن ما ذكره الشيخ المجاهد أبو محمد العدناني حفظه الله: “وعندنا مِن الوقائع والأحداث والشهادات المشابهة لشهادتك الأضعاف، تثبت طبيعة هذه العلاقة، وأنها ليست نافذة داخل الدولة؛ مثال ذلك: عدم استجابتنا لطلبك المتكرر بالكف عن استهداف عوام الروافض في العراق؛ بحكم أنهم مسلمون يُعذَرون بجهلهم، فلو كنا مبايعين لك: لامتثلنا أمرك، حتى ولو كنا نخالفك الحكم عليهم والمعتقَد فيهم، هكذا تعلّمنا في السمع والطاعة، ولو كنت أمير الدولة: لألزمتها بطلبك، ولعزلتَ مَن خالفك، بينما امتثلنا لطلبكم بعدم استهدافهم خارج الدولة في إيران وغيرها، ومثال ذلك: أنك لم تسألنا يومًا ومَن قبلك: كم عدد جنودكم؟ ما هو سلاحكم؟ مِن أين تمويلكم؟ مِن أين تتسلّحون؟ هل عندكم ما تأكلون؟ مَن هم أمراؤكم؟ مَن هم وزراؤكم، ولاتكم، قضاتكم، علماؤكم؟ ما هي مشاكلكم؟ ما هي معاناتكم؟ قل لي بربك: ماذا قدّمتَ للدولة إن كنتَ أميرَها؟ بماذا أمددتها؟ عن ماذا حاسبتها؟ بمَ أمرتها؟ وعمّ نهيتَها؟ مَن عزلتَ ومَن ولَّيتَ فيها؟ لم يحدث شيء مِن هذا أبدًا، فلك الله أيتها الدولة المظلومة.

ومثال ذلك أيضًا: أنك لم تخاطبنا ولا مَن قبلك يومًا خطاب الأمير لجندييه، أو بصيغة الأمر أبدًا، لم تخاطبنا ولا مَن قبلك بصيغة الأمر، إلا بعد أن فجّرتَ الكارثة في الشام، وفجعتَ الأمة بقَبولك بيعة الخائن الغادر“.اهـ

الملاحظة السادسة: تستر شيخ المنبر بالحيدة في مواطن من بيانه خلافاً لما كان معهوداً عنه من مواجهة للحجج وتفنيدها!

ومن الحيدات التي سجلتها عليه، قوله: “قال شرعيهم المبرز محرضا: وأخيرا أدعوك يا شيخي للتأمل في خطابات الشيخ أيمن الظواهري وخاصة الأخيرة منها.

فتامل شيخي في قول الشيخ أيمن عن أوباما أو بوش “مستر”. اهـ

ثم سكت..

وأقول له: ارفع يدك وأكمل العبارة ….

(( “مستر أوباما”، عسى أن يكون قصم ظهوركم على أيدى مجاهدى أمة الإسلام بإذن الله حتى تستريح الدنيا ويستريح التاريخ من إجرامكم وصلفكم وكذبكم)“.اهـ [ص21].

وهذه حيدة كفلق الصبح! فانتقادنا متجه لمصطلح “مستر، أي: سيد”، مخاطباً به إمام الكفر وقائد الصليبين أوباما أخزاه الله!

وهذا قول محرم، لا علاقة له لما قبله أو بعده من تهديد أو وعيد، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: (لَا تَقُولُوا لِلْمُنَافِقِ: سَيِّدٌ، فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدَكُمْ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ) [أخرجه أبو داود وغيره وصححه الألباني].

وأخرجه ابن المبارك في “الزهد” عن أَيوب بن خُوط، عن قتادة، مرفوعاً: (إذا قال الرجل للمنافق سيداً، فقد أهان الله).

وأخرجه الحاكم 4/311 وغيره من طريق عقبة بن عبد الله الأصمِّ، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، مرفوعاً: (إذا قال الرجل للمنافق: يا سيد، فقد أغضب ربه تبارك وتعالى).

وأخرجه أبو نعيم في “أخبار أصبهان” 2/198، بالطريق السابق بلفظ: (إذا قال الرجل للفاسق: يا سيد، فقد أغضب ربه تبارك وتعالى).

قال العظيم آبادي رحمه الله: “(فَإِنَّهُ إِنْ يَكُ سَيِّدًا) أَيْ سَيِّدَ قَوْمٍ أَوْ صَاحِبَ عَبِيدٍ وَإِمَاءٍ وَأَمْوَالٍ (فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبَّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ) أَيْ أَغْضَبْتُمُوهُ لِأَنَّهُ يَكُونُ تَعْظِيمًا لَهُ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَسْتَحِقُّ التَّعْظِيمَ فَكَيْفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَيِّدًا بِأَحَدٍ مِنَ الْمَعَانِي فَإِنَّهُ يَكُونُ مع ذلك كذبا وَنِفَاقًا“.اهـ [عون المعبود 13/221].

ومن حيداته أيضاً كلامه عن الطاغوتين هنية ومرسي كما في ص21-22، حيث أنه تكلم عن سبب شكر الظواهري وثنائه عليهما، وتغافل عن حكمهما الذي لا يخفى على مثله!

ومن حيداته كذلك قوله كما في ص22: “قال شرعيهم المبرز: (وتأمل في توجيهاته الأخيرة وأننا لا بد أن نتعايش مع البوذيين والمشركين وغيرهم في سلام ودعة !! .).

قلت: إخراج للكلام عن سياقه وسرده دون شرطه.

عدم التعرض للنصارى والسيخ والهندوس في البلاد الإسلامية، وإذا حدث عدوان منهم، فيُكتفى بالرد على قدر العدوان، مع بيان أننا لا نسعى إلى أن نبدأهم بقتال، لأننا مشغولون بقتال رأس الكفر العالمي، وأننا حريصون على أن نعيش معهم في سلام ودعة إذا قامت دولة الإسلام قريبا إن شاء الله“.اهـ

فترك شيخ المنبر انتقاد قوله: “في سلام ودعة”، وتنزيله على أمثال السيخ والهندوس! وتشبث بقوله: “إذا قامت دولة الإسلام قريبا إن شاء الله”.اهـ

وعلى فرض أن دولة الإسلام لم تقم بعد؛ نقول: إن قامت دولة الإسلام فلا مكان فيها للسيخ والهندوس أصلاً، إذ أن الصحيح من أقوال أهل العلم أنه لا يقر في دار الإسلام إلا أهل الكتاب أو من له شبهة كتاب، بدليل قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)) [توبة].

وبدليل ما أخرجه الإمام مالك عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ذَكَرَ الْمَجُوسَ، فَقَالَ: مَا أَدْرِي كَيْفَ أَصْنَعُ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلى الله عَلَيه وَسَلم، يَقُولُ: (سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ).

“قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً عَرَبًا كَانُوا أَوْ عَجَمًا لِهَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ خُصُّوا بِالذِّكْرِ فَتَوَجَّهَ الْحُكْمُ إِلَيْهِمْ دُونَ من سواهم لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ)[التوبة: 5]. وَلَمْ يَقُلْ: حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ كَمَا قَالَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ. وَقَالَ: وَتُقْبَلُ مِنَ الْمَجُوسِ بِالسُّنَّةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ“.اهـ [انظر: تفسير القرطبي 8/109].

ثم حتى أهل الكتاب ومن له شبهة كتاب لا نعيش معهم في سلام ودعة، بل ذكر أهل العلم أن من شروط الذمة أن يكونوا في صغار وذلة، بدليل قوله تعالى: (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29].

وبدليل ما أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: (لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ، فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي طَرِيقٍ، فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ).

قال الإمام ابن القيم رحمه الله: “ليست الجزية أجرة عن سكنى الدار: قد تبين بما ذكرنا أن الجزية وضعت صغارا وإذلالا للكفار لا أجرة عن سكنى الدار وذكرنا أنها لو كانت أجرة لوجبت على النساء والصبيان والزمني والعميان…“.اهـ [أحكام أهل الذمة 1/122].

الملاحظة السابعة: قام المقدسي قصداً أو خطأ بتحريف بعض أقوالي في نقلها، مع أنه زعم أنه ينقل كلامي: “بحروفه واستفهاماته وتعجباته”.اهـ [ص9].

ومثال ذلك قوله: “قال شرعيهم المبرز: (شيخي الحبيب، إني أراسلك خوفا عليك أن تواكب أصحاب المبادرات فتنشر مبادرتك بعد فوات الأوان! تلك المبادرات التي لم تطرح على الدولة الإسلامية إلا في العلن! أما تساءلت يا شيخي عن سبب ذلك؟! ولم لم تطرح عليها سرا بادئ ذي بدئ..”.اهـ [ص11], وأنا لم أقل: “بادئ ذي بدئ”، ولكني قلت: “بادئ ذي بدء“.اهـ

وكذا قوله: “قال شرعيهم المبرز: (شيخي الحبيب إن أيسر وأسهل مبادرة هي التي أطلقها أمير المؤمنين أبي بكر البغدادي حفظه الله…”.اهـ وأنا لم أقل: “أبي بكر البغدادي”، ولكني قلت: “أبو بكر البغدادي“، فتأمل حال من ديدنه اللحن!

المحور الثاني: بعض الوقفات مع بيان شيخي الأسبق:

الوقفة الأولى: جاء في بيان منبر التوحيد والجهاد بين يدي بيان المقدسي قولهم: “فبعد إيصال رسالة الشيخ أبي محمد وتفاصيل المبادرة لأبي بكر البغدادي، وبعد تعنت الدولة ورفضها للمبادرة، واعتبارها ومثيلاتها “بالمبادرات البدعية”.اهـ

وهذا كذب محض، فلم يذكر شيخ المنبر أي تفاصيل لمبادرته التي وعد بها!

بل إن كل ما ذكره في رسالته الثانية لأمير المؤمنين أبي بكر البغدادي حفظه الله هو قوله: “وأنا هنا أضع المسؤولية في رقابكم بين يدي مبادرة سأدعو إليها قريبا إن شاء الله بعد فشل مبادرة المحيسني بسبب التعنت واشتراط شروط لا يصح تعطيل الإحتكام بسببها .. وسأحاول قدر الإمكان تضييق أسباب الخلاف كلها حتى لا يبقى عذر للمستنكف عن هذه المبادرة ليتحمل بعد ذلك المسؤولية أمام الله وأمام الناس مسؤولية فشل مشروع التمكين لراية التوحيد في سوريا ومسؤولية تشويه الجهاد ومسؤولية حرفه عن غايته النقية ومسؤولية دماء المجاهدين والشهداء وعموم المسلمين المتشوقين والمحتاجين أمس الحاجة إلى تمكين دولة الإسلام والحكم بشريعته ..

وقد بادرت بإرسال هذه الرسالة مناصحة لكم أولا ولكي لا تتفاجأوا بالمبادرة ثانيا عسى الله أن يفتح بها آذانا صما وأعينا عميا وقلوبا غلفا…”.اهـ

فأين تفاصيل المبادرة التي يتشدق بها القوم؟! بل إن هذا الغموض والتعمية هو سبب قولي له في الرسالة الثالثة: “تلك المبادرات التي لم تطرح على الدولة الإسلامية إلا في العلن! أما تساءلت يا شيخي عن سبب ذلك؟! ولم لم تطرح عليها سراً بادئ ذي بدء، حتى يتم الحوار فيها ومناقشة بنودها؟! أم هو الإحراج فحسب؟!”.اهـ

فالإحراج هنا ليس من قبيل الحرج من قبول شرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما عمد المقدسي إلى إيهام القارئ بذلك حين استدل بقوله تعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65].

بل إن الحرج المقصود في كلامنا هو إرادتهم قبولنا على مبادراتهم دون أن نعلم أهي موافقة لشرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم أم لا!

وهذا عينه ما ذكرته لمشرف منبر التوحيد والجهاد في أثناء (دردشتي) معه حول الموضوع: “بالله عليك كيف يتم قبول أو رفض مبادرة لم نطلع عليها؟! فقط تريدون بشيخي أن يواكب بقية الشيوخ؟!“، وقلت له كذلك: “نعم… هكذا الكل فعل؛ هي ديباجة معروفة يرسل للجميع والجميع يجيبه ثم يخرج على الناس ويقول الدولة لم تجبني“.اهـ

الوقفة الثانية: قال شيخي الأسبق: “وتعلمون أن تنظيم الدولة وناطقها وشرعييها ما فتئوا يتطاولون على كبرائنا وعلمائنا ومشايخنا، خصوصا أخانا وحبيبنا الشيخ أيمن الظواهري”.اهـ [ص4].

وهذا خلط عجيب من المقدسي، حيث أنه صور للناس أن رد الباطل على قائله تطاول عليه!

بينما هذا على خلاف المقرر عندنا، أن لا أكبر من الحق! فعن عبد الله بن مصعب قال: “قال عمر رضي الله عنه: “لا تزيدوا مهور النساء على أربعين أوقية، وإن كانت بنت ذي الغُصّة – يعني: يزيد بن الحصين الحارثي- فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال، فقالت امرأة من صفّ النساء: “ما ذاك لك”، قال: “ولم؟” قالت: “لأن الله تعالى يقول: (وآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً فَلاَ تَأْخُذوا منه شَيئاً أَتَأْخُذًونَه بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً)” [النساء: 20]، فقال عمر رضي الله عنه: “امرأة أصابت ورجل أخطأ”.

وفي رواية مسروق بن الأجدع أن عمر قال: “اللَّهُمَّ غَفْرًا، كلُّ النَّاسِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ.اهـ [انظر المطالب العالية لأبي يعلى 2/4-5، ومناقب عمر لابن الجوزي ص 149، وتفسير ابن كثير 2/212، وعزاه لأبي يعلى وقال: “إسناده جيد”، والهيثمي: مجمع الزوائد 4/283، 284، وقال: “رواه أبو يعلى في الكبير وفيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثّق”].

فهذه المرأة التي لا يعرف اسمها ولا رسمها ردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين، ولم يكن هذا تطاولاً منها على “كبرائنا وعلمائنا ومشايخنا“، مع أن خطأ الفاروق في مسألة يسع فيها الاجتهاد، ويداخله النظر والسياسة الشرعية!

أما أخطاء الدكتور أيمن الظواهري فهي تمس الاعتقاد، وتتعلق بالمنهج، فكيف يكون الرد عليه تطاولاً على “كبرائنا وعلمائنا ومشايخنا“؟!

ثم ألست يا شيخي الأسبق من أخبرنا بأنكم انتقدتم برهان الدين رباني (الذي شابت لحيته في العلم والجهاد)؟! ورددتم على عبد رب الرسول سياف (صاحب أثقل لحية في ساحة الجهاد الأفغانية)؟! وتبرأتم من راية المهندس حكمتيار (تلك الراية التي أثخنت في الدب الروسي)؟! وفارقتم جميل الرحمن (علوش الأفغان السلفي)؟! وتعقبتم الشيخ عبد الله عزام (مجدد الجهاد المعاصر)؟!

كل ذلك وأنت في بداية العشرينات من العمر! أوما يعد ذلك منك تطاولاً “على كبرائنا وعلمائنا ومشايخنا”؟!

أحرام على بلابله الدوح *** حلال للطير من كل جنسِ؟!

الوقفة الثالثة: قال شيخ المنبر: “بين يدي هذا التفسير الموثق أحب أن أكرر هنا ما قاله الدكتور علاء (لؤي السقا) في بيانه الذي برأ فيه أبا مصعب من نهج تنظيم الدولة في الشام .. فأقول: ما كان هذا منهج أبي مصعب وما كان هذا هديه؛ فلم يسجل التاريخ أن أبا مصعب رد التحاكم لشرع الله، ولم يسجل أنه سفك دماء المجاهدين الأخيار، وما أزرى بقادتهم الأبرار بل حفظ لأهل السبق سابقتهم، ولأهل الفضل فضلهم ..

أما تمحك هؤلاء بالشيخ أسامة وبأبي مصعب تقبلهما الله فما هو إلا من قبيل التسلق على أكتاف الأبطال ليس إلا”.اهـ [ص6].

وأنا أقول: بل هو هو منهج الشيخ أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله الذي أمّر الشيخ أبا محمد العدناني حفظه الله على مدينة حديثة، والذي بشر بقيام الدولة الإسلامية قبل مقتله بأشهر!

وهو هو منهج شيخ المجاهدين أسامة بن لادن رحمه الله الذي أيد الدولة الإسلامية وأثنى على قاداتها!

والتاريخ لم يسجل أن الدولة الإسلامية ردت التحاكم لشرع الله تعالى، بل إنها ما قامت إلا للتحاكم والحكم بشرع الله تعالى، ففي كل ولاية من ولاياتها لها محكمة شرعية يتحاكم إليها الأمير والمأمور على السواء!

وأما خصوم الدولة الإسلامية من الجبهة اللا إسلامية وجبهة الخسرة فقد سجل عليهم التاريخ أنهم يعطلون أحكام الله تعالى بحجة التدرج حيناً، وبحجة أن حدود الله لا تقام في دار الحرب أحياناً!

كما أن التاريخ لم يسجل على الدولة الإسلامية أنها سفكت دماء المجاهدين الأخيار، بينما سجل التاريخ على خصوم الدولة الإسلامية أنهم قتلوا من أبنائها مئات المجاهدين الأخيار، فلم يرثهم أحد!

ولم يسجل التاريخ كذلك أن الدولة الإسلامية أزرت بقيادات الجهاد الأبرار بل حفظت لأهل السبق سابقتهم، ولأهل الفضل فضلهم، مما حدا بك وبأمثالك القول بأن ذلك تمحك منهم بهم!

هذا هو التاريخ الذي نعرفه يا شيخ المنبر، ونعرف عنه أيضاً: أنه سجل تهجمكم على الشيخ أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله تصريحاً في “الزرقاوي مناصرة ومناصحة”، وفي “مقابلتك مع قناة الجزيرة”، وتلميحاً في “وقفات مع ثمرات الجهاد”، كما سجل التاريخ رد الشيخ أبي مصعب الزرقاوي عليكم، فأي الفريقين أحق بلفظ التمحك والتسلق على أكتاف الأبطال؟!

الوقفة الرابعة: قال شيخي الأسبق: “هذه الرسالة كان من المفترض أن يرد عليها البغدادي كما وعد صاحبنا الوسيط، لكن يبدو أنه لم يرق لهم حتى المناصحات السرية والتي ابتدأتها بثناء يلطف الأجواء“.اهـ [ص7].

نعم كان من المفترض أن يرد عليها أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي حفظه الله لو كانت رسالة سائل أو مستفهم! أما وأنها رسالة حاكم ومتهم، يقول فيها زوراً وبهتاناً: “قد فعلت كيت وكيت، وتركت كيت وكيت…”.إلخ فقد أحسن أمير المؤمنين رداً حين لم يزد على قوله: “إلى الله المشتكى”! وقد وصلك ذلك منه بنصه وفصه!

وقد جاء عند البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في قصة الإفك، أنها قالت:”… فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي. قالت: فبينما نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فسلم ثم جلس. قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني.

قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين جلس ثم قال: (أما بعد يا عائشة: فإنه قد بلغني عنكِ كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه).

قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما قال. قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

قالت: فقلت -وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن-: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني بذلك. ولأن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني. والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف قال: (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون)”… [الحديث].

فتأمل كيف أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تجب، مع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أراد التثبت منها لا تأكيد التهمة عليها كما هو حال شيخ المنبر أبي محمد المقدسي في رسائله لأمير المؤمنين حفظه الله.

ثم لنقف مع قول المقدسي: “والتي ابتدأتها بثناء يلطف الأجواء“، وهذا يدلك على ما قررناه في أحد أسباب ردنا لحكم شيخ المنبر فينا، وذلك حين قلت في (دردشتي) مع المشرف –مثلاً-: “أخي الحبيب ينبغي أن يكون القاضي محايدا ليس له قول مسبق… وشيخنا ليس كذلك بل قال ارجعوا للعراق!”، فالقاضي ينبغي أن يكون طرفاً خارج أطراف النزاع، أما المقدسي فقد كان ولا يزال أحد تلك الأطراف، فإنه لم يقدم رسالته بالثناء إلا تلطيفاً للأجواء كما ذلك حتى يعجل برضى شيوخ الدولة الإسلامية به قاضياً، ظناً منه أن مثلهم يخدعون بمثله!

وللمرء أن يقف ثانية مع بيانه هذا وكل ما جاء فيه من تهجم، هذا مع أن الدولة الإسلامية لم تتحاكم إليه، فليت شعري: ماذا كان سيقول لو أنها انخدت له فتحاكمت إليه؟!

 

الوقفة الخامسة: قال شيخ المنبر: “ثم كانت مبادرة المحيسني، فرأيت استجابة الفصائل ونكول الدولة باشتراط الإجابة على أسئلة في التوحيد والبراءة من الطواغيت، وهذا لو اشترطوه على القاضي لما أنكرناه، لكن اشترطوه على المستقضي وصاحب الحق الذي يطالب بدماء وأموال وحقوق، فهلا وسعهم ما وسع الصحابة في حادثة القسامة؟!” [ص7].

قد بينت سابقاً في مواطن عديدة أن ما طلبه عبد الله المحيسني هو محكمة مستقلة وليس تحكيماً فحسب، وقد بين الأئمة “إن إقامة شرع الله وتنفيذ الحدود واجب شرعاً, وهذا الواجب مناط بالإمام الشرعي, فتنصيب الإمام الحاكم بالشرع واجب؛ إذ أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, قال الإمام الماوردي رحمه الله: “وعقدها –أي: الإمامة- لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع“.اهـ [الأحكام السلطانية ص5].

ثم قال بعد تقرير وجوبها: “فصل: فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية“.اهـ [الأحكام السلطانية ص6].

وقال الإمام ابن جماعة رحمه الله: “ويجب نصب إمام يقوم بحراسة الدين, وسياسة أمور المسلمين“.اهـ [تحرير الأحكام ص48].

وقال السفاريني في نظمه:

لا غنى لأمة الإسلام *** في كـل عصر كان عن إمام

وقد انتصب للإمامة في العراق والشام أمير المؤمنين أبو بكر البغدادي حفظه الله، فأسقط الإثم عن غيره، ووجب على المسلمين في القطر بيعته والتحاكم إليه.

فإن وقعت جناية من بعض جنده فحكمه إليه، كذا لو وقعت من بعض رعيته، بل كذلك لو وقعت من أهل الذمة من أهل الكتاب –ومن له شبهة كتاب- ممن هو داخل في سلطانه.

ولا يقال بحال: أنه يجب التقاضي أو التحاكم في الدولة الإسلامية لغيرها من الهيئات أو المحاكم أو الجماعات بحجة الحياد أو أنها طرف ثالث!

إذ أن هذا جهل أو تجاهل بمنزلة القضاء في الدولة الإسلامية عبر العصور، وأن القضاء لا سلطان عليه إلا الشرع، والقاضي لا يحكم بإملاء من أحد أو مجاملة لأحد، بل وفق ما توصل إليه باجتهاده ونظره.

أضف إلى ذلك أن القضاء يحتاج إلى إلزام، والإلزام يحتاج إلى قوة وشوكة، وذلك حاصل في الدولة الإسلامية.

قال الإمام ابن فرحون المالكي رحمه الله: “قال ابن رشيد: حقيقة القضاء الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام. قال غيره: ومعنى قولهم قضى القاضي أي ألزم الحق أهله، والدليل على ذلك قوله تعالى: (فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ) [سبأ: ١٤]. أي ألزمناه وحتَّمنا به عليه، وقوله تعالى: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ) [طه: ٧٢]، أي ألزِم بما شئت واصنع ما بدا لك”.اهـ [تبصرة الحكام 1/11]. وهذا هو أهم الفروق بين القضاء والإفتاء، لذا قال ابن فرحون أيضاً: “وأما فيما عدا التنفيذ فالحاكم والمفتي فيه سواء“.اهـ

وقال الإمام النووي رحمه الله “قال الزهري رحمه الله تعالى: القضاء في الأصل إحكام الشيء والفراغ منه، ويكون القضاء إمضاء الحكم، ومنه قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ) [الإسراء: ٤]. وسُمِّي الحاكمُ قاضيا لأنه يُمضي الأحكام ويُحكمها. ويكون قضى بمعنى أوجب.

فيجوز أن يكون سُمي قاضيا لإيجابه الحكم على من يجب عليه.

وسمي حاكما لمنعه الظالم من الظلم، يقال حكمتُ الرجلَ وأحكمته إذا منعته، وسُميت حكمة الدابة لمنعها الدابة من ركوبها رأسها، وسميت الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها”.اهـ [صحيح مسلم بشرح النووي 12/2].

فيتبين أن المحاكم الأخرى –إن قلنا بنزاهتها وتزكيتها- هي إما أنها مستقلة عن سائر الجماعات في الشام فليس لها قوة تلزم الناس بما يصدر عنها من أحكام، وبالتالي فإن حقيقتها أنها دار إفتاء أو هيئة شرعية –لا أكثر.

وإما أنها تابعة لجماعة معينة من الجماعات المقاتلة في الشام، فعنئذ نلزم الدكتور إياد ومن على شاكلته بما فروا منه وهو عدم التحاكم لمحكمة تابعة لجهة ما، والأمر بالتحاكم إلى محكمة مستقلة!”.اهـ [انظر كتابي: خط المداد في الرد على الدكتور إياد ص12-13].

ثم ومع كون الدولة دولة، والمحيسني وأمثاله يسعون لإقامة دولة أخرى في ثوب المحكمة المستقلة، إلا أن الدولة الإسلامية نزلت عند هذه المحكمة تواضعا لله وسدا للذرائع، غير أنها اشترطت شروطاً متعلقة بأصل الخصومات المدعاة وهي معرفة حال القوم مع الديمقراطية وجنودها؟! فرفضوا إجابتها لذلك! إذ أن من قاتلته الدولة وقتلت منهم هم من أرباب الديمقراطية وأنصارها، فكيف سيُقتص من الدولة الإسلامية لهم؟!

وأما قول شيخ المنبر: “فهلا وسعهم ما وسع الصحابة في حادثة القسامة؟!” وهذا قياس مع الفارق إذ أن أهل القسامة يهود كما في الصحيحين، ومن نحن بصددهم مرتدون لا يُقرون على دينهم إما أن حكمهم القتل دون استتابة وإما الاستتابة فإن تابوا وإلا قتلوا، على تفصيل معروف عند أهل العلم، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) [أخرجه البخاري].

فكيف يقر المرتد في محكمة يُدعى أنها إسلامية؟! ويُدعى الخصوم إلى التحاكم إليها وإلا كانوا ممتنعين عن الشريعة؟!

فإن زعموا أنهم يكفرون بالديمقراطية وأنصارها فهلا بينوا ذلك كما بينت الجارية إيمانها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟!

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: كَانَتْ لِي جَارِيَةٌ تَرْعَى غَنَمًا لِي قِبَلَ أُحُدٍ وَالْجَوَّانِيَّةِ، فَاطَّلَعْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَإِذَا الذِّيبُ قَدْ ذَهَبَ بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي آدَمَ، آسَفُ كَمَا يَأْسَفُونَ، لَكِنِّي صَكَكْتُهَا صَكَّةً، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَظَّمَ ذَلِكَ عَلَيَّ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَفَلَا أُعْتِقُهَا؟ قَالَ: (ائْتِنِي بِهَا) فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا: (أَيْنَ اللهُ؟) قَالَتْ: فِي السَّمَاءِ، قَالَ: (مَنْ أَنَا؟) قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ، قَالَ: (أَعْتِقْهَا، فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ) [رواه مسلم].

فلما كان الحكم متعلقاً بإيمانها من عدمه سُئلت، فما كان منها إلا أن أجابت ولم تتعنت كما تعنت خصوم الدولة الإسلامية، فتأمل!

الخاتمة –نسأل الله حسن الخاتمة-:

هذه بعض الملاحظات والوقفات مع بيان شيخي الأسبق، الذي جار فيه وظلم وفرّق، وقد تمثلت في كل ذلك بما قاله أمير الاستشهاديين أبي مصعب الزرقاوي رحمه الله في رده عليه حين قال: واعلم يا أبا محمد أنني قادر على تفنيد كثير من المغالطات التي ذكرتها وبكل قوة، ولكن هذه القوة والشدة والغلظة أدخرها لأعداء هذا الدين لا لإخواني، وهذا ما أمرنا به ربنا سبحانه وتعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُم} [الفتح:29]”.اهـ

لساني صارم لَا عيب فِيهِ *** وبحري لَا تكدره الدلاء!

ويعلم الله تعالى أني ما كتبت كتاباً ولا مقالاً ولا رداً ولا بحثاً إلا وفرحت به، وسارعت إلى طباعته ونشره، اللهم إلا هذا، ولكن المسألة أكبر من ما تشتهيه النفس وتريده، وتميل إليه وتؤيده، إنه حق أو باطل، (فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [يونس: 32].

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ: (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ) [رواه أبن أبي عاصم].

ويطيب لي أن أختم بالرد على ما ختم به حين قال: “وختاما، قال شرعيهم المبرز: (فلا بد من وقفة لله يا شيخي كما عهدناك ولا يزال العالم يذكر وقفتك مع الشيخ مصطفى أبي اليزيد وبالله التوفيق) .

قلت: هذه هي الوقفة قد أتتك”.اهـ [ص23].

(وأشياخ) حسبتهم دروعا *** فكانوها ولكن للأعادي

وخلتهم سهاما صائبات *** فكانوها ولكن في فؤادي

وقالوا قد صغت منا قلوب *** لقد صدقوا ولكن عن ودادي

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وكتب: أبو سفيان تركي بن مبارك البنعلي

[أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري]

أرض الشام المباركة

1/شعبان/1435هـ

31/5/2014م

وقل ما بدا لك من بعد ذا *** وأكثر فإنّ سكوتي خطاب

فإنّي أبيت طلاب السفاه *** وصنت محلّي عمّا يعاب

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s