واللهِ إنَّها دولة كتبه ابو معاذ الأنصاري


Popular notes
                                                     واللهِ إنَّها دولة
مهما كابرتم وكذبتم؛ فهي دولة..
مهما خاصمتم وفجرتم .. هي دولة..
هي دولةٌ بكل مقوّمات الفقه الإسلامي والقانون الوضعي..
تمكينٌ.. وشوكة..
أميرٌ وجند ..
أرضٌ وشعب..
قانونٌ وشرعٌ ..
محاكم ومؤسسات.. وخضوع الجميع – حكامًا ومحكومين رؤساء ومرؤوسين – لسلطان الشريعة وسيادتها وحاكميتها..
هي دولةٌ.. لكن ليس فيها سفارةٌ لأمريكا.. ولا وجود علاقات سلام مع إسرائيل .. ولا تبادل سفارات مع دول الناتو..
هي دولة.. لكن لا تعترف بقانون الأمم المتحدة.. ولم تنخرط في منظومة القانون الدولي.. وليس فيها قضاة في محكمة لاهاي ..
هي دولةٌ.. لكن لا تعترف بأمريكا.. ولا تسجد للبيت الأبيض.. ولا تعلِّق الصليب في عنق أوباما..
هي دولةٌ.. لكن لا تتلقى أوامرها من الخارج.. ولا تضع البلاد والعباد تحت وصاية الصليب.. ولا تسمح لطائرات الدرونز تقصف المسلمين من أراضيها..
هي دولة.. لكن لا تبيع النفط والغاز لإسرائيل.. ولا تتكفل بدفع كامل نفقة حروب الصليب وعدوانها على المسلمين.. ولا تتحمل سد عجز ميزانية أمريكا تحت ضربات المجاهدين ..
هي دولةٌ.. لكن لا تعترف بالتراب والجنس واللون والعِرق والسياج .. وليس لها سفارات في دول الجوار لأخذ تأشيرات الدخول إليها..
لذلك كله؛ صعب على شيخ السلطان أن يعترف بدولةٍ لم تتوفر فيها كل تلك المقوِّمات البدهية التي قامت عليها دول أولياء أمره ..!
وحالُه: صَهٍ .. أنتم تتحدثون عن دولةٍ شبعت موتًا ونخر الدود عظامها، ولم يبق لها ذكرٌ إلا في بطون الكتب وذاكرة التاريخ ..!
ليست المشكلة – ياسادة- في عدم اعترافكم بهذه الدولة الفتية دعواكم عدم اجتماع مقومّات الدولة الشرعية فيها، بل المشكلة في تصوراتكم عن مفهوم الدولة الشرعية وماهيتها وحقيقتها وطبيعتها وشكلها وكيفية قيامها، وتأثُّرِكُم في تعيين مقومات الدولة بالفقه الوضعي؛ مع جهلٍ بحقيقة ومقومات الدولة النبوية والخلافة الراشدة..
إنَّ المتأمل في حقيقة الدولة النبوية إبان تأسيسها وبعد نضوجها واكتمالها وبلوغها سن الرشد = لا يجد فيها تلكم الترسانة الضخمة من الشروط العصرية لتحديد مقومات الدول التي يشترطها المخالفون: لا من الناحية الأمنية، ولا الاقتصادية، ولا العسكرية..
كما أنه لم يتحقق في دولة النبوة تلك الرفاهية ورغد العيش والأمن والاستقرار والبورصة العالمية التي يشترطها القوم لانعقاد الدولة؛ بل كان الخوف والفزع، والجوع والفقر، والضعف والعجز، وقلة العدد والعتاد، والمكر والتربُّص، والتحالف والغدر.. وكلُّ شدائد الزمان ومحنه وبلائه منصبًا عليها وعلى أهلها ..
فكانت المدينة فصلًا جديدًا من المعاناة والبلاء واللأواء، وعهدًا حديثًا من مواصلة الجهاد والكفاح والصبر والثبات في طريق قيام دولة الإسلام ..
فانظر إلى الحالة الأمنية لدولة النبوة؛ ترى الخوف والوجل والفزع والحذر الدائم.. حتى بلغ بالنبي –صلى الله عليه وسلم- أن يسهر الليل ويطلب رجلاً يحرسه ليأمن على نفسه؛ فقال كما في الصحيح: (ليت رجلاً صالحًا من أصحابي يحرسني) فتطوّع سعد بن أبي وقاص لحراسته؛ حتى نزل قوله تعالى: (والله يعصمك من الناس). قال الحافظ في الفتح: “وفي الحديث الأخذ بالحذر والاحتراس من العدو، وأن على الناس أن يحرسوا سلطانهم من القتل..)اهـ.
وفي يوم الأحزاب بلغت القلوب الحناجر، وظن الناس بالله الظنونا، هنالك ابتلي المؤمنون، وزلزلوا زلزالاً شديدًا.. روى الحاكم والبيهقي عن حذيفة قال: لقد رأيتنا يوم الأحزاب ونحن صافون قعود وأبو سفيان ومن معه من الأحزاب فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منها نخافهم على ذرارينا .. ثم صلى –صلى الله عليه وسلم- هويًا من الليل ثم التفت إلينا فقال: (مَن رجل يقوم فينظر لنا مافعل القوم، يشترط له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة) فما قام رجل من القوم مع شدة الخوف وشدة الجوع وشدة البرد، فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني) اهـ
فليذهب فكرك كل مذهب في تصور حجم الخوف الذي نزل بقلوب الصحابة حتى يمتنع الواحد منهم من بركة دعاء النبي له مرافقته في الجنة ؟! هذا وهو أحد جنود دولة النبوة ..!
ثم انظر إلى الحالة الاقتصادية لدولة النبوة؛ حيث الفقر والحاجة وقلة ذات اليد يحصد المجتمع المدني؛ حتى اضطر النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه أن يربطوا الحجر على بطونهم من شدة الجوع، وتدفع الشدة عليًا أن يعمل عند يهودي في تمرات ليسد بها ألم الجوع، ويكون غاية مطلب أحدهم فيما سأله النبي – صلى الله عليه وسلم ما تشتهي أن يقول: (اشتهي خبز بر)! وفي قصةٍ للجوع يندى له الجبين يرويها أبو هريرة؛ فيقول: (وإني لأخرُّ فيما بين منبر رسول الله إلى حجرة عائشة؛ فيجيء الجائي فيضع رجله على عنقي ويرى أني مجنون، ومابي من جنون، مابي إلا الجوع). وكان يقعد لكبار القوم يسألهم عن آيةٍ من كتاب الله قائلًا: (ما سألته إلا ليشبعني) .. فتأمل !
فأين مَن يشترط تأمين الطعام والشراب بمقاييس رفاهية العصر وتُخمته، وتوفير العمل والشركات والمؤسسات كشرطٍ لانعقاد الدولة عن هذه الأخبار التي لم نروي عُشرها عن حال أفراد الدولة النبوية ؟!
وأما الحالة العسكرية للدولة النبوية؛ فكان تمويلها ذاتيًا: على الغنائم والفيء والصدقات، ولم تكن تملك الدولة الترسانات ولا الأسلحة الحديثة والمتطورة في ذلك العصر، ولا تُقاس مساحتها ومواقع نفوذها وسيطرتها إلى الدول العظمى في عصرها؛ كدولة فارس والروم شيئًا يُذكر، وكان من شُحِّ العتاد: أن يتناوب جندها على البعير الواحد، ويرد النبي –صلى الله عليه وسلم- جماعات من خواص المؤمنين لا يجد ما يحملهم عليه، وبلغ بهم شدة الحاجة: أنهم يسيرون الرحلة الطويلة الشاقة وليس معهم إلا جراب تمرٍ يمص العدد الكبير منهم التمرة الواحدة كما يمص الصبي، ثم يشربون عليها من الماء؛ فتكفيهم يومهم إلى الليل.. كما في الصحيحين من حديث جابر، وفي رواية: (فأصابنا جوع شديد حتى أكلنا الخبط؛ فسمي ذلك الجيش جيش الخبط)
ولو كان هذا الجيش في عصرنا لوجد من أصحاب العمائم مَن يقول: كيف ترسلون جيشًا في حرِّ الصحراء وقسوتها وليس معهم من الزاد إلا ما يحملونهم على رقابهم؛ فيواجهون مهلكةً محققة ..!
وأما الشدة التي مرت بها الدولة النبوية في غزواتها.. فانسحاب ثلث الجيش يوم أحد وصدمة المسلمين بأن ثلث الجيش كان منافقًا وما أحدثهم في نفوسهم من هزة عنيفة، ثم محاصرة الأحزاب للمدينة، وتمكّن اليهود من ذراري المسلمين وانكشاف ظهورهم لهم؛ فمحاولة النبي –صلى الله عليه وسلم- تحييد بعض المشركين باقتطاع بعض تمر المدينة لهم وما كانوا يحلمون به من قبل.. ثم انخراط المنافقين في صفوفهم واطلاعهم على عوراتهم وبث الأراجيف والدعايات بينهم؛ حتى قال قائل منهم: يعدُنا محمد كنوز قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يعمل حاجته !
كلُّ ذلك فيه دلالةٌ واضحة على سخافة الشروط التعجيزية التي وضعها سدنة السلطان للاعتراف بالدولة الإسلامية في العراق والشام قياسًا إلى الدولة النبوية..
ونسأل أولئك المتكلمين عن حقيقة الدولة الإسلامية بمفهوم سايكس وبيكو:
كم هي مساحة الدولة النبوية في المدينة؟
ثم كم كانت هذه المساحة يوم الأحزاب؛ خاصة بعد نقض يهود بني قريظة العهد؟
وكم كان حجم تمكين دولة النبي –صلى الله عليه وسلم- ومواقع سيطرته ونفوذه وعدد جنوده بالقياس إلى الدول العظمى في عصره؟
وهل يمكن أن تكون هذه الصورة في العدد والعدة والعتاد والتمكين.. هي الحد الأدنى للمقوِّمات التي يجب أن تكون عليها الدولة الإسلامية ومساحتها؟
وبالإجابة الموضوعية والدقيقة عن هذه الأسئلة سوف تجدون أنفسكم أمام إقرارٍ لا فرار لكم منه بالدولة الإسلامية في العراق والشام.. وأنفُ الجهل والمكابرة راغم .. والله غالبٌ على أمره؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وكتب
أبو معاذ الأنصاري
25/8/1435





Created: an hour ago Visits: 373 Online: 173 Save as PDF
© 2014 justpaste.it
About

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s