خطبة البغدادي كتبه حسين بن محمود


Popular notes


بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة البغدادي

الحمد لله وحده مالك الملك يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، يُعزّ من يشاء ، ويُذلّ من يشاء ، القادر القاهر فوق عباده .. ثم الصلاة والسلام على سيّد ولد آدم وخير الأنام محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العدناني ، وعلى آله وصحبه الكرام … أما بعد .

لفت انتباهي ما ذكرَته بعض وسائل الإعلام والفضائيات وبعض مواقع الأخبار وصفحات العلماء والدعاة في الشبكة العالمية عن خطبة الأمير البغدادي – حفظه الله – والتي كانت في أول جمعة من هذا الشهر المبارك ، فالقوم اجتمعوا على لفظ واحد “البغدادي يدعوا الناس لطاعته” !! هكذا جاء العنوان الذي تواطئوا عليه ، أو توافقوا عليه دون قصد !!

بغض النظر عن كونه خليفة شرعي : الرجل فتح الموصل ، وهو سيدها الآن ، وهي تحت امرته ، فما الإشكال أن يدعوا المسلمين فيها لطاعته ، ثم ان هذا العنوان الغريب لا يحكي الحقيقة كاملة ، فالرجل استنّ بالصديق والفاروق – رضي الله عنهما – في هذه الجملة التي قال فيها “أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم” ، وهذه الجملة لا خلاف عليها ولا يستطيع أحد ردّها ، وهي سنّة الخلفاء الراشدين المهديين ، فلماذا نبتر الكلام ونحوّره ونحاول تصوير الأمر على أنه اجبار للناس على الطاعة ، وغريب أن يصدر هذا الأمر من أناس يرون طاعة المتغلّب واجبة بِرّاً كان أو فاجراً ، وهذا يحكم بالشرع ، ويجاهد أعداء الدين ، وينشر العدل في ما تحته من البلاد ، فما العيب أن يأمر المسلمين في الموصل بطاعته وهو أميرها ، بل أمير الوسط العراقي كله والغرب السوري ..

حينما قرأت التعليقات الكثيرة على خطبة الأمير البغدادي – حفظه الله – تذكّرت قول المتنبي :

ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها … كفى بالمَرءِ نُبلاً أن تُعدَّ معايبه

فما هي معايب الأمير البغدادي في الخطبة :

1- أمره للناس بطاعته ما أطاع الله فيهم ، فهذا عيبه الأوّل أن استنّ في خطبته بأبي بكر الصدّيق وعمر بن الخطّاب رضي الله عنهما ، ولما قال “محمد مرسي” هذه الجملة في خطبته طار بها هؤلاء وقالوا : ما شاء الله لا قوّة إلا بالله ، يحاكي الخلفاء الراشدين ، واغرورقت أعينهم من الدمع فرحاً بسماع هذه الكلمات !!

2- العيب الثاني : أنه لبس السواد : لون عمامة النبي صلى الله عليه وسلم يوم دخل مكّة !! السواد مستحبّ عند بعض العلماء للخلفاء خاصة وفي الحرب ، وكان لباس خلفاء بني العباس وولاتهم وقضاتهم وخطبائهم السواد (ذكره ابن القيم في زاد المعاد) ، ففي اللون الأسود هيبة ، وهو علامة قوّة ، والرجل في حرب ، وأقل شيء أن لبس السواد مباح ، ومن قال غير ذلك لزمه الدليل ، وهيهات ..

3- العيب الثالث : ساعته التي يلبسها ، والتي تحدثت عنها وسائل الإعلام الأجنبية ، ونقلها عنهم بعض الجهلاء عندنا .. من المعلوم أن وسائل الإعلام الأجنبية لا تهتم بمثل هذه التفاصيل الدقيقة إلا إذا كان الشخص مشهوراً ومحبوباً أو محطّ إهتمام الناس ، فهذه شهادة للبغدادي ، ولن نخوض في تفاصيل نوع الساعة وقيمتها كما يفعل الغرب التافه ، ولكننا نقول للمسلمين : ماذا لو كانت هذه الساعة من الغنائم ، أليست خير معاش المسلمين ، ولبسها فيه إغاظة لأعداء الدين ، وهذا مطلب شرعي ، وهل ينقم أحد من المسلمين على معاوية رضي الله عنه لباسه الفاخر الذي استقبل به عمر بن الخطاب رضي الله عنه !! الرجل في حرب ، والخيلاء مما يحبه الله في هذا الموضع ، فله أن يلبس الغالي ، ويصبغ لحيته بالسواد ، ويلبس الحرير إن شاء ، فكل هذا جائز ، وليس هو من الترف ولا من البعد عن الزهد ، ثم الرجل لم يدعي الزهد ، والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده .. نقول للمنصفين المخلصين الحريصين على نصح ولاة أمر المسلمين : كم سعر الساعة التي يلبسها أصغر أمير عندكم !!

4- وذكر بعضهم أنه اتى بحديث مشكوك في صحته !! فيا لله ما أحرص هؤلاء على الأحاديث وصحتها .. أولاً : أحاديث الفضائل لا يُدقق فيها العلماء كثيراً إذا كان لها ما يعضدها ولم تخالف الأصول الشرعية . ثانياً : الحديث مشكوك في صحته كما تقولون ، أي لا جزم في المسألة .. ثالثاً : أنتم تعيشون في ظل حكام لا يستطيعون قراءة الفاتحة قراءة صحيحة من المصحف ، فمن أولى بنصحكم وملاحظتكم القيّمة الدالة على حرصكم الشديد على النصوص الشرعية ..

هذه جميع الملاحظات التي هي في حقيقتها مناقب وليست مثالب تُعيب الأمير البغدادي حفظه الله ونصره على أعداء الملّة ، ولعلي أذكر رأيي في الخطبة حتى لا يكون كل ما ذكرناه ردٌ على كلام لا يرقى لمستوى عقل الإنسان السويّ :
دخل البغدادي بكل هدوء إلى المسجد ، واعتلى المنبر بسكينة ، وجلس فأُلقي الأذان ، ثم دعى ، ثم قام فخطب خطبة قصيرة ذكر فيها فضل الصيام وحض المسلمين على التقوى وحسن أداء هذه الفريضة ، ثم حرّضهم على الجهاد في سبيل الله في شهر الفتوحات ، ثم جلس .. ثم قام فألقى خطبة أقصر ، ثم دعى ، ثم نزل فصلّى بالناس ..

ما فعله كلّه هو من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ، وخطبته كانت جميلة موجزة معبّرة لا يستطيع حاكم يحكم أي دولة إسلامية اليوم أن يأتي بمثلها ، وأنا أتحدى كل حكام العرب أن يخطبوا هذه الخطبة على منابرهم .. لا يستطيع حاكم أن يحرّض الناس على أداء فريضة الجهاد في سبيل الله ضد أعداء الدين في هذا الزمان فيطيع الله تعالى في قوله {وحرّض المؤمنين} ..

“إن طول صلاة الرجل ، وقصر خطبته ، مئنّة من فقهه” (مسلم) ، “مئنة” أي دلالة وعلامة ، فالرجل خطيب عالم بالسنّة يعرف آداب الخطبة ، فيه علامات الفقه ، وهو فصيح متمكّن من اللغة ، وكلامه في مثل هذا الموقف المهيب بهذه الأريحيّة دلالة على رباطة جأش وقوة نفس ، وإن كنا رأينا بعض احتباس للنفَس هنا وهناك ، ولا نلومه ، فالرجل يُعلن الخلافة بعد غياب تسعة عقود ، فالحمل ثقيل – كما قال – والأمر خطير ، ومن حمل همّ الأمة وحمل همّ “الخلافة” وإسئنافها بعد هذا الزمن الطويل لا بد أن تُحبس أنفاسه ..

مما لفت الإنتباه : صوته الشجيّ ، وقراءته المتقَنة للقرآن ، ووقوفه أمام مجموعة صغيرة من حراسه الذين صلّوا خلفه ، لا كما يفعل من يخرج للصلاة أمام الكاميرات وخلفه مئات الجنود المدجّجين بالأسلحة ، والذين لا يصلّون مع المسلمين ، والذين يدفعون الناس إلى الصفوف الخلفية ويجعلون حراس الملك خلفه وعن يمينه وشماله ، وبينهم وبين المصلين صفوف فارغة وكأن الملك في بيت أبيه وليس في بيت من بيوت الله تعالى ، هذا وهم في ملكهم آمنون لا يطلبهم أحد ، وصدقَ ربُّنا سبحانه {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (البقرة : 114) ..

لقد دخل البغدادي – وهو المطلوب الأول اليوم على مستوى العالم – الموصل بكل هدوء ، فصلّى بالجامع “النوري” – الذي بناه القائد الفذّ عماد الدين زنكي والد القائد الشهيد نور الدين محمود – ولم يعرف الناس من هذا الذي اعتلى المنبر : حتى أعلن الخلافة ، ثم خرج البغدادي من المسجد بكل هدوء ورجع إلى قاعدته العسكرية يخطط لضرب مواقع أعداء الأمة ، فهل من حكام الدول الإسلامية من يفعل هذا اليوم غير قادة الجهاد الذين أعزهم الله بنصرة دينه !!

الإستماتة في صرف قلوب الناس وعقولهم عن رمزية هذه الخطبة بصرف أنظارهم إلى لون اللباس أو الساعة – التي هي من اهتمامات ربات الخدور – دليل إفلاسٍ كبير لأعداء الدولة ، ودليل على أن البغدادي درس جوانب الأمر فاستبق إلجام الألسنة بهذا الظهور المتقَن ، وهذا يدل على أن الرجل ليس لقمة سائغة ، وهدوءه العجيب في مثل هذا الموقف الرهيب له دلالات كبيرة يعرفها الرجال ، ويجهلها أشباههم ..

خطبته تُشبه خُطب الخلفاء التي قرأنا عنها في بطن الكتب ، وسمته الهادئ الرزين ليس عليه غبار ، والرجل ذو هيبة ووقار ، وطريقة دخوله وخروجه علامات تدل على تواضعه ، وفصاحته وبيانه تدلان على تمكّنه ، وقراءته للقرآن وألفاظ خطبته تدلّان على فقهه وعلمه ، فلم نر فيه ما يُعاب على الرجال ، بل رأينا فيه ما نتمناه في كثير من الرجال ، والرجل ليس بمعصوم ، ونحن نحكم بالظاهر ، والله يتولّى السرائر ..

وهنا الفت انتباه الإخوة الكرام في الدولة الإسلامية وأنصارهم في الخارج : لا تقتلوا البغدادي ، فكثرة هذه الألقاب ، وطريقة التفخيم والتعظيم التي اعتادها الناس لا تصلح في مثل هذا الموقف ، يكفي أن يقال “الأمير” أو “الخليفة” لمن رأى خلافته ، أو حتى البغدادي بدون ألقاب ، ولا حاجة لبعض الكلمات التي لا ترفع المرء بإطلاقها ولا تضعه بغيابها ، فالرجل بفعاله وليس بألقابه ، فمثل هذا الإطراء قتل للإنسان ، وبمثل هذا تُصنع الطواغيت ، وليس هذا من هدي المسلمين ، فنحن نقول أبو بكر وعمر وعثمان وعلي – رضي الله عنهم أجمعين – ولا نسبق ذلك بفخامة ولا زعامة ولا سموّ ولا مجدّد ولا قائد ولا زعيم ولا شيء من هذا ، وهؤلاء سادة هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام .. البغدادي رجل من المسلمين : أن أحسن فلنفسه ، وإن أساء فعليها ، وهو أحوج إلى الدعاء منه إلى التعظيم ، فقد ابتلي بأمر عظيم ، ولو خرج منها كفافاً فقد فاز ..

والله أعلم .. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..

كتبه
حسين بن محمود
9 رمضان 1435هـ

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s